راقبها وهي تخرج بصحبة رجال الأمن وتختفي في سيارتهم / وائل السوّاح

دخل مصطفى خليفة الشقّة التي كنا نتكوّم فيها، بوجه كئيب وعينين تقطران أسىً. توجهّنا إليه بعيوننا نستقصي الأمر.

“اعتقلوا أكرم.”

هبط علينا غمّ ثقيل، كما يهبط الضباب على المدينة فجأة. أكثرنا حزنا كان أصلان عبد الكريم، فهو كان بمثابة الراعي لأكرم الفتيّ الممتلئ حياة وحركة وذكاء وكان يرى فيه مقبل الرابطة.

مصطفى وفاتح كانا أكثرنا هدوءا واتزانا.

“يجب أن نخلي الشقّة فورا.” قال مصطفى.

“نخلي الشقّة ونتفرّق، ثم نتواصل لاحقا.” قال فاتح، وهو يتحرّك في الشقّة مثل لولب لجمع الأوراق والوثائق.

خلال ساعة كنا جميعا خارج البيت، متبعثرين في شوارع المدينة كقطيع من الجداء الشاردة. في جيوبنا بضع ليرات أخذناها من صندوق المنظّمة، وفي قلوبنا خوف غامض. أكان خوفا من الاعتقال؟ أم خوفا على نهاية التجربة التي كانت كلّ شيء بالنسبة لنا؟ أم أنه الخوف من ذاك الشيء الذي ننتظره ولا ندرك كنهه. لم أكن أعرف حلب من قبل، ولن أزورها بعد ذلك إلا في التسعينات. وحين كتبت روايتي “قالت إيمان” في السجن سنة 1989، وكانت أحداثها تدور في حلب، استعرت من قراءاتي ووصف أصدقائي ما جعلني أبني الرواية وكأنني عشت في حلب سنينا طوالا. تفرّقنا مجموعات في اثنين، وكان صاحبي في تشرّدي وتسكّعي علي الكردي، الشاب الدمث اللطيف الذي يحب أن يدفع الآخرين إلى الأمام دون أن يأبه بجزاء أو ثناء أو مكان أو منصب. كان مسؤولي في أول خلية في التنظيم، ونشأت بيننا منذ تلك الفترة مودّة لم تنقطع مطلقا رغم السجن والبعد والاختلافات الكبيرة أحيانا في السياسة والفكر.

من حسن حظي أن عليّا كان يعرف المدينة بشكل جيد، فلم نضطر إلى التيه على غير هدىً. كانت الخطّة أن نبقى جميعنا في حلب يومين أو ثلاثة لنرى حجم الاعتقالات والخسائر، وانفقنا على طريقة تواصل ومواعيد يومية للاطمئنان على بعضنا البعض. ولكن ربما لم يكن للمواعيد ضرورة، إذ أننا في كلّ حديقة تمشّينا فيها وفي كلّ مقهى في قلب البلد جلسنا فيه طلبا للظلّ، كنا نجد رفيقا أو اثنين يتسكعان، فينظر بعضنا إلى بعض، دون أن نقترب أو نسلّم أو نومئ بعضنا لبعض إلا في المواعيد المتفّق عليها.

وأخذني عليّ إلى الحديقة العامّة، التي أدهشني حجمها واتساعها وتنسيق الأشجار فيها، وحديقة السبيل العتيقة التي تعود إلى نهايات القرن التاسع عشر في عهد الوالي المصلح رائف باشا، والتي جعلتني أحس بالراحة وبعثت بي طمأنينة ونوعا من الاستسلام والخدر الجميل. وتغدينا في مطعم آغوب في بستان كليب الذي قدّم لنا ألذّ كباب حلبي بقروش زهيدة.

وفي الليل أوينا إلى فندق رخيص، ليس فقط من حيث الأجرة، ولكن من حيث الخدمة والنظافة ايضا. ولم تكن الفنادق تطلب البطاقات الشخصية وقتها، فلم يكن في الأمر مغامرة كبيرة. صعدنا سلّما ضيّقا بدرجات عالية أفضى بنا إلى بهو الفندق، واستقبلنا رجل كان آخر همّه أن يقبل زبونا جديدا. كان الفندق مزدحما، فعرض علينا الرجل بصوت ملول فرشتين على السطح، ونظراته تقول: إما القبول وإما الحديقة العامة. وقبلنا، وافترشنا السطح مع عدد من النزلاء الآخرين الذين قدموا على الأرجح من قرى حلب الشرقية لأمر من الأمور، وتأخر الوقت فاضطروا لقضاء ليلة في المدينة. لم أنم من الليل إلا أقلّه، كانت الليلة حارّة والبعوض يحلّق فوق رؤوسنا قبل أن يحطّ على وجوهنا أو سواعدنا المكشوفة. كنت أغالب البعوض والحرّ وأنا أرقب سماء أيلول الصافية وأرصد نجومها، وأقلّب الأمر فيما يمكن أن يكون عليه الحال غدا.

في الغد علمت أن فاروق العلي، صديقي ورفيقي وشريكي في الكومونة في مخيم اليرموك، كان ربّما أوّل المعتقلين. كان برفقة صديقنا الشاعر رياض الصالح الحسين وابن عمّ له في مقهى القنديل وسط دمشق، وحين خرج الثلاثة وسارا في قلب المدينة، توقّفت سيارة أمن بجوارهم، ونزل منها عدّة عناصر وراحوا يفتشون ما معهم من أوراق. في جريدة كان يحملها فاروق، وجدوا منشورات لأحزاب سياسية لبنانية وفلسطينية، وربما نسخة أو اثنتين من الراية الحمراء. أخذوا الثلاثةَ إلى فرع الأمن السياسي في الجسر البيض ومن ثمّ إلى فرع الخطيب سيء الذكر. رياض وابن عمّ فاروق سيخرجان بعد أيام، أما فاروق فسيتعيّن عليه أن يبقى حتى خروج كافة الرفاق في شباط 1980.

كان الخبر صاعقا. لم يكن فاروق رفيقا فقط، ولم يكن صديقا فقط. هنالك اشخاص لا يمكنك ان تصف علاقتك بهم؛ تحسّ أن العلاقة بينكما تُحَسُّ وتعاش ولكن لا توصف. فاروق كان أحد هؤلاء الأشخاص الذين تعيشهم وتستمتع بوجودهم في حياتك. ومع ذلك، لم يكن الأمر مجرّد خسارة لشخص قريب منك كظلّك، بل كانت أيضا أن حياتك كلّها سوف تتغيّر، ستنقلب رأسا على عقب. سيتعيّن عليك أن تتخفّى وتعيش تحت الأرض، تغيّر اسمك ومظهرك، تترك جامعتك وعملك، وتنتقل من بيت إلى بيت، دون أن تشعر أن أيّا منها هو فعلا بيتك. ولكن الأسوأ ربما أن امرأتك ستعيش غريبة عنك، لن تعيشا سويّة بعد اليوم، ولن تلتقيا كلّ يوم، بل ستسرقان الوقت خلسة بين الفينة والأخرى، كمراهقين يلتقيان خفية عن أعين الأهل والجيران.

قال لي الرفاق أن عليّ أن أعود إلى دمشق، وألا أذهب إلى بيتي أو أي بيت لأخوتي، وأن أتخفّى، حتى يأتيني خبر جديد. ودّعت عليّا وتمنيت له حظّا موفقا وتوجّت نحو كراج الباصات لأسافر إلى دمشق. سوف تعمل دعواتي مؤقتا، فيتأجل اعتقال عليّ حتى صيف 1979.

لم تكن البطاقة ضرورية للسفر داخل سوريا. ركبت باص الهوب هوب، وجلست في مقعد خلف السائق، اراقب الطريق المديد الذي لا ينتهي بين المدينتين. في منتصف الطريق، توقّف الباص للاستراحة في مدينتي، حمص. نزلنا جميعا من الباص. كانت الاستراحة تبعد شارعين فقط عن بيت أهلي. ستكون أمي الآن تطبخ فاصوليا باللحم من دون بندورة كما يفضّلها والدي، وتقطّع بجانبها شرحات البندورة الخضراء اليانعة، وسيكون أبي في طريقه إلى البيت عائدا من الجامع القريب. وسألت نفسي، متى كانت آخر مرّة زرت فيها العجوزين؟ وخجلت. طلبت سندويشتي المفضّلة في استراحة حمص: سندويشة صفيحة. ليس في العالم كله من يضع اللحم بالعجين في قلب رغيف خبز مرقّد، ويلفها كسندويشة سوى الحماصنة. ابتسمتُ وأنا اتبلّغ برشفات من اللبن العيران، وأفكر أنني سأحرم على الأغلب من زيارة أهلي بسبب التخفّي. كنت أرشف آخر رشفة لبن، حين صاح بي صوت:

“أهلا وائل!”

التفتّ. كان رامي، صديقي من المرحلة الابتدائية.

“كيفك يا رجل؟” أضاف وهو يعانقني.

لم يكمل رامي دراسته بعد رسوبه مرتين في الشهادة الإعدادية، وفضّل الالتحاق بالأمن السياسي، وقد صار الآن مساعدا له صولة وجولة.

“أهلا رامي. اشتقت لك.” كذبت بصوت مرتجف.

“زيارة؟”

كان صوته عاديا، لم يشِ بأي خبث أو تصيّد. كنت أحسب أن أجهزة الأمن العالم بأسره قد عرفت باسمي وأنها تسعى ورائي مسخّرة كل عنصر من عناصرها.

“إي والله،” فضلّت أن أكذب. “بقيان كم يوم.”

“نراك إذن. نحن جيران.”

“بالتأكيد!” قلت مراوغا. سأمرّ لشرب القهوة مساء.

ودّعني ومضى. وراقبته وهو يغذّ الخطو حتى اختفى، فصعدت الباص وهتفت بالسائق: “متأخرين، معلّم”

“بس دقيقة.” قال، ثمّ صعد وأدار المحرّك، فهدر بصوت مرتفع، ثمّ قرقع الباص، وراح يبتعد ببطء عن المدينة الفاتنة التي ستكسن فيّ طوال حياتي، ولن ينازعها في العالم مكان آخر.

تهادى الباص أخيرا حتى سكن المحرّك في محطّة القابون. نزلت، حملت حقيبتي الصغيرة، وسرت خارج المحطّة. وقفت فجأة. طيب “وهلق لوين؟” لم يكن لدي بيت آوي إليه، وما كان بمستطاعي أن أذهب إلى بيت أي من أخوي فراس أو سحبان. فكّرت في صديق الحالات الصعبة عدنان جرجوس، ولكنني فضّلت ألا أشركه في الأمر. ثم سطع في سماء العقل اسم آخر: منير بريك، الحوراني الأصيل، الممتلئ رجولة ونخوة ومودّة. ثمّة أشخاص تأخذ الصداقة معهم وقتا طويلا لتنمو وتتحدّد ملاحمها وتقوى. آخرون يحتاجون فقط إلى “كليك” (click)، تسمع الطقّة بأذنك وتشعر أنك تعرف هذا الشخص منذ سنين. كان منير واحدا من هؤلاء. حين طردني محمود عبد الواحد من بيته (حيث كنت استأجر غرفة عنده)، اقتحم منير بيت الرجل بالقوّة ليعيدني. وحين كنا نسير سوية بعد مرحلة التخفي، كان يقول لي: “إن رأتنا دورية مخابرات، اركض أنت، ودعني أتفاهم معهم.” كان قويا بجسده وروحه، لم يأبه لشيء تقريبا، ترك بيته في مدينة درعا (شمال الخط) وجاء يدرس ويعمل ويحب. مثلنا جميعا كتب الشعر، ولكنّه تميّز عنا بصوت جميل، كان يزيّن به سهراتنا. أجمل الأغنيات التي كان يردّدها أغنية ناتالي، التي لا تفتأ تراودني بصوته الدافئ وإيقاعه الخاص الجميل الذي لم يأبه كثيرا بإيقاع اللحن الأصلي. ولكن الصوت الجميل لم يكن وحده ما يميّزه عنا، بل وسامته الخاصة التي تجعل النساء يتقاطرن حوله، ومن بينهن جميعا، واحدة فقط سرقت قلبه وعقله، وأنجبت له ثلاثة أولاد أصحاء وجميلين: روز.

كان بيت منير في الدويلعة، أحد أحياء منطقة الطبّالة، وأحد أفقر أحياء دمشق آنذاك، يتشارك فيه الحوارنة والعلويون بالتساوي. لكي تزور منير كان عليك أن تبدّل باصين وأحيانا ثلاثة، ثم عليك أن تسير في الزواريب الضيّقة طويلا قبل أن تصل إليه. ويستحسن ألا تزوره شتاء إلا مضطرا، أما في الصيف فعليك أن تسلّم على النساء اللواتي كنّ يجلسن على فرش صغيرة أمام بيوتهن، قبيل الغروب.

“تفضل عيني!” غالبا ما تقول لك سيدة قابعة مع جاراتها أمام بيتها، وهن يشربن الشاي أو يقطعن الفاصولياء.

“عامر خالتي.” ستقول لها وعيناك مطرقتان في الأرض.

رغم الفقر، ستشعر بالنظافة واللطف يحيطان بالبيوت والشوارع، وستشعر بكرم البشر هنالك في كلّ لحظة.

إلى هنالك، حملت حقيبتي، وتوجّهت، أحلم بحمّام دافئ ووجبة طيبة. فتح لي منير الباب، وقد افاق من قيلولته للتو. كان شعره أشعث وعيناه الصغيرتين اللطيفتين متثاقلتان من أثر الاستيقاظ. لم يصدّق عينيه حين آني، منهكا وقلقا.

“وائل!” صاح بصوت عال، سرعان ما كتمه، وعانقني بقوة طويلا.

“الحمد لله ما كنت بالبيت حين اقتحموه،” قال وهو يشدّني داخلا.

من منير عرفت الخسائر الأخرى. بعد اعتقال فاروق العلي، ترك الشباب الكومونة، وتفرّقوا شتاتا. برهان الزعبي، المغامر الفاتن والذي يؤجّل اهتمامه بنفسه حتّى يهتم بكل الناس، غامر بالدخول إلى البيت وأخرج منه كلّ الأوراق التي ظنّ أنها تحمل أدلّة ضدّنا. نسي برهان إخراج كرّاسات الخط الاستراتيجي التي وضعناها على السقيفة. ذهب ثانية مع فادية ليخرجا الكرّاسات، وأصرّت فادية على الدخول وحيدة، بينما بقي برهان ينتظرها خارجا. لم تطلْ البقاء في الداخل. خرجت بعد دقائق. لم تكن وحيدة؛ كانت بصحبة ثلّة من رجال الأمن. وضعوها في سيارة بيضاء صغيرة، وساقوها إلى أمن الدولة. وكان برهان يرقبها وهي تغوص في السيارة، وهو يشعر بالشلل والقهر والعجز عن فعل أي شيء.

عن موقع درج

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. أحمد عزيز الحسين

    نصك فاتن وجميل كجمال روحك… ولكنه يغص بالأخطاء المطبعية !!!
    أكنتَ مطارداً وأنت تكتبه ؟؟
    هل تخاف منهم وأنت في الولايات المتحدة زعيمة العالم الحرّ !!

أضف تعليق