العلم زهد في التّفسير

لئن صحّ أنّ الحاجة إلى تفسير شامل أمر فطري، وأنّ غياب ذلك التّفسير مصدر قلق عميق، ولئن كان الشّكل الوحيد للتّفسير الكفيل بتهدئة القلق هو التّاريخ الشّامل الّذي يكشف دلالة الإنسان بتنزيله من مراتب الطبيعة منزلة الضرورة، ولئن كان على ذلك التّفسير أن ينصهر في التّقليد الإحيائي الضّارب في القدم حتّى يبدو حقيقيّا، ذا دلالة، مطمئنا، أدركنا -عندئذ- لِمَ اقتضى ظهور فكرة المعرفة الموضوعيّة -باعتبارها مصدر الحقيقة الأصليّة الوحيد- آلافا من السنين.

غير أنّ هذه الفكرة القاسية الباردة الّتي لا تقترح أيّ تفسير، ولكنّها تفرض زهدا كاملا في كلّ ما عداها من الغذاء الروحيّ، لم تكن قادرة على التّخفيف من القلق الفطريّ، بل إنّها -على العكس- زادته حدّة، فهي تزعم أنّها تمحو، بجرّة قلم، تقليدا يعود إلى مائة ألف سنة، إلى حدّ غذا معه جزء لا يتجزأ من الطبيعة الإنسانيّة نفسها، وهي تُدين ذلك التحالف الإحيائي القديم بين الإنسان والطّبيعة، ولا تخلّف مكان ذلك الرّباط النّفيس سوى بحث قلق في كون من العزلة الجليديّة. فكيف يمكن قبول هذه الفكرة الّتي يبدو أنّها لا تُكِنّ لنفسها إلاّ صلفا محتشما؟ إنّها لم تُقبل فيما سبق، وإنّها لم تقبل بعد. ولئن هي فرضت نفسها -رغم كلّ شيء- فما مردّ ذلك إلاّ لقدرتها العجيبة على الأداء.

—–

المصدر:

جاك مونو(*): الصدفة والضرورة

 .Jacques Monod: Le Hasard et la Nécessité, Ed, Seuil, p213

جاك مونو: (1910-1976) عالم بيولوجي فرنسي، متحصّل على جائزة نوبل للطبّ سنة 1965.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق