الحلقة المفقودة في ولادات متعسرة (3من5 )

رابعا / التّشكيلات الاجتماعيّة في سياقها التّاريخي، سؤال الإيديولوجيا

يحاول عصام الخفاجي توسيع المنظور النّقدي عندما يحاول تحليل التشكيلة الاقتصاديّة الاجتماعيّة في سياقاتها التاريخيّة، وذلك بالنّظر إلى الجوانب الأساسيّة الّتي أهملتها الكتابات المرجعيّة، خاصّة “ماركس وأنجلز” حول سياقات ظهور السلطة السياسيّة، وكيف تنظر الطبقات المقهورة إلى الطبقة الّتي تستغلها؟ ولماذا يستمر الإذعان فترات طويلة فيما يشبه العبودية المختارة رغم سيطرة البؤس؟ وما دور الإيديولوجيّة في إعادة إنتاج الوضع الاجتماعي السّائد؟ وفي أية ظروف وشروط وسياقات تاريخيّة اجتماعيّة اقتصاديّة استطاعت فئة قليلة أن تضع يدها على الثروات والسّلطة، وسمحت الأغلبية المقهورة بذلك؟

هي أسئلة عميقة وتحتاج إلى تغيير زاوية النّظر، لذلك استبعد الباحث جدوى وفعالية التّحليل الأحادي الضيق الّذي يعتمد المنهج والرؤية الاقتصاديّة البحتة وحدها في فهم الطبقات والسّلطة السياسيّة. كما نبه إلى خطورة الاكتفاء بفرضيّة القسر السياسي لفهم الطبقات والمواقع الطبقيّة. وفي هذا السّياق قدم نقدا للطروحات الّتي تختزل حضور ووجود الدولة في  وظيفتها القمعية خدمة لمصالح الطبقة المسيطرة، وهو يعني هنا الكثير من تلوينات الماركسيّة، انطلاقا من لنين مرورا بالكثير من الأقلام كجورج لوكاتش وألتوسير…،فهذه الكتابات كانت عاجزة عن تفسير توسع الحريات السياسية في البلدان المتقدمة. ولم تكن الحجة السياسيّة لمفهوم الوعي الزّائف بقادرة على سد هذه الثغرة المعرفيّة والفلسفيّة السياسيّة، والاجتماعيّة الإيديولوجيّة، لأنّ معطيات الواقع الحي تنقصها لفهم سر التّقبل الايجابي لعلاقة الإذعان في الحياة الاجتماعيّة من طرف الأغلبية المقهورة.

وإزاء هذه الالتباسات صاغ لوكاتش فكرته حول الايديولوجيّة كنقيض للحقيقة، وعلى أثرها تبلور ما صار يعرف بثنائية العلم / الإيديولوجيّة، أو التّمييز بين الوعي الحقيقي والوعي المزيف الّذي تقرره سلطة مخولة بتحديد الحقائق، أي  “تمّ فصل الإيديولوجيّة عن الظروف الاجتماعيّة لتتحوّل إلى ماكينة خداع جبارة تتلاعب بها الطبقات الحاكمة. وهكذا فإنّ النتيجة المنطقيّة للتمييز بين الوعي الحقيقي والمزيف تقود إلى قبول بمرجعية قادرة على تقرير الحقيقي ورفض ما تراه غير ذلك هي الطليعة أو النخبة”242 . وقصد الإحاطة بالظروف الّتي تجعل قبول الإذعان للحكام ممكنا استعان عصام الخفاجي بمفهوم الهيمنة كما بلوره أنطونيو غرامشي، الشّيء الّذي منحه أفقا واسعا في تتبع وتحليل آليات السيطرة السياسيّة وليس الاقتصادية فقط، أي محاولة تناول قضية وسائل تأمين الإذعان دون السّقوط في فهم ساذج لدورات سيطرة الإيديولوجيّة الّتي تجد نفسها مطالبة في الوقت نفسه بشرعنة العلاقات الاجتماعيّة القادرة على ممارسة وظائفها، وبتغيير جلدها لتوافق رؤية النّاس للعلاقات العموديّة المجتمعة، خاصّة بين الحكام والمحكومين. بناء على هذا يتحقق الإذعان في ظلّ وحدة إطار مرجعي لرؤى مشتركة، أي حين تكون السّلطة قادرة في شروط معرفيّة اجتماعيّة تاريخيّة على إنجاز وظائف وتقديم خدمات لرعياها. بهذا المعنى تكون الجذور التاريخيّة الاجتماعيّة لجدلية السّلطة والإذعان هي المسؤولة عن الانقسامات الطبقيّة. ” من هنا فان تلك السّلطة هي جنين تشكل طبقة مبكرة ضمن جماعة لا تزال غير طبقية بعد. بتعبير آخر، لا يزال المستوى السياسي في مجتمع كهذا- قبل رأسمالي- غير قابل للفصل عن المستويين الاجتماعي والاقتصادي…إذن فقيادة الجماعة أو المجتمع ليست مجرد قضية تقاليد أو هيبة كما يؤكّد كثير من الكتاب عن الشّرق الأوسط، إذ يشير تبلور القيادة إلى جانب مهم هو الانتقال إلى مجتمع طبقي منذ البداية.”28 ويسهم مستوى الإنتاجية في ترسيخ هذا التّفاوت في الاستفادة من الفائض.  ومع ظهور فئة المحاربين يتولد الإذعان ويتبلور وفق أشكال متناغمة مع مستوى الفائض الّذي تنتجه الجماعة في إطار من الشّعور بالانتماء المشترك الّذي يسمح للسلطة حسب القدرة الإنتاجيّة للجماعة، وشروطها المعرفيّة التقنيّة وسياقاتها التاريخيّة بالبحث عن نوع من الخصوصيّة والتّمايز عن كلّ فئات الجماعة أو المجتمع. ففي تشكيلة اجتماعيّة تغيب فيها سيادة السّوق بالمعنى الرأسمالي يتعزز حسّ بالهوية المشتركة وفق انتماءات مناطقيّة، طائفيّة، دينيّة…، تبعا لتنظيم اجتماعي هرمي يتخفى فيه القانون الاجتماعي تحت غطاء المظهر الطبيعي القدري حيث يعيش النّاس في مراتب ومواقع غير متساوية تبدو كأنّها قانون طبيعي، ممّا جعل مستحيلا بروز احتجاجات أفقية متضامنة، وواسعة وكثيفة العدد،  وهي وضعية واجهها الثوار في نظم قبل رأسماليّة، وهو ما كان يحدث في المشرق وأوروبا، هذا ما يبينه بيرغييه بوضوح ” كان القن يكره سيده ومستأجر الأرض يكره المؤجر ومع ذلك فقد بقيا مشدودين إليهما بروابط التقاليد الّتي كانت أقوى من رابطة حقوق الإنسان. من هنا لم تجد الحكومات والبرجوازيات قبل الصناعيّة في أغلب الأحوال ضرورة للجوء إلى سن تشريعات قمعية لمواجهة تلك الجماهير”.29 والنّص في دلالاته العميقة يبيّن حجم الاغتراب والتناقض الّذي يعانيه المقهور إزاء حاكمه في تشكيلة يحسّ فيها بوحدة هوية الانتماء إليها، بحكم أنّ العلاقات الاجتماعيّة المتطابقة مع الانحدارات الموروثة في الدين والعرق والقبيلة، تشتغل كمحددات لعلاقات الإنتاج الاجتماعي، لنا مهننا ولهم مهنهم، لكن تغيب إمكانية وعي وعيش تجربة التراتب الاجتماعي. وتعميقا للبحث في كيفيّة التّشكل الطبقي في المجتمعات قبل حداثية الّذي يعود إلى التّلازم البنيوي بين المكانة/ الثروة والسّلطة، والّذي يجد جذوره في جدلية الإذعان/ تقديم الخدمات والحماية، يقوم عصام الخفاجي بمقاربة التشكيلة الاجتماعيّة من خلال مستوياتها الاقتصاديّة والسياسيّة والإيديولوجيّة. فيشير إلى أنّ أولوية الميدان المادي لا ينبغي أن تبخس المستوى الإيديولوجي الّذي طالما تمّ تهميش وزنه وفعاليته ومدى تفاعله مع المستويات الأخرى بعيدا عن كونه مجرّد معطى انعكاسي سلبي. ” النظام الاجتماعي الاكثر تعقيدا ليس ذلك الّذي تكون عملية إعادة الإنتاج فيه أكثر تعقيدا فحسب، بل إنّ لحظاته الإيديولوجيّة أكثر تركيبا وتخصصا. ” 30 لذلك لا يمكن اختزال الإيديولوجيّة وما تروجه من قيم ثقافية اجتماعيّة أخلاقيّة في خانة اللاعقلانيّة والخداع والأوهام والخرافة الّتي لا تستحق اهتمام وعقلانية العلوم الاجتماعيّة، في الوقت الّذي تقوم فيه برص مختلف التّشكيلات الاجتماعيّة حسب مستواها الاقتصادي وتطورها المعرفي التقني في تكوين مختلف الرؤى وأنماط التفكير السياسي والاجتماعي الثقافي السّائد أو المراد تغييره، لكن دون أن يعني ذلك تجاوز ضرورة مطابقة أحلام التغيير لما يحصل من نتائج في الواقع الحي، لأنّ الشروط الاجتماعية تفرض قواعد التّغيير. لذلك لم تكن الفئات المجتمعيّة الّتي حصدت نتائج كلّ الثورات الّتي حصلت في المجتمعات الأوروبيّة والمشرقيّة، هي من قامت وفجرت تلك الثورات، بل قامت فقط بالسّطو على تاريخ تشكلها وسيرورة انبثاقها وتطورها، كما فعلت مثلا البرجوازية إزاء الثورة الفرنسيّة…

خامسا/ شكل الدول في التفاعل الجدلي للعلاقة بين الإنتاج السلطة

لإلقاء المزيد من الضوء على جدلية الإذعان والحماية وكيفيّة تشكل السّلطة كأجنة لسيرورة الانقسام الطبقي، وليس باعتبارها وسيطا ينظم صراعات طبقيّة، يتّخذ عصام الخفاجي من مفهوم “كلف الحماية”،  كسلعة يتم تسعيرها، كما صاغه فريدرك لين، أداة بحثية تمت بلورتها لتحليل الكيفية الّتي تمكّنت بها الدولة الحديثة من تولي “الوظائف الّتي ظلّت طوال التاريخ بأيدي أجهزة وكائنات متعدّدة من قبائل وعصابات شوارع ونبلاء وسادة أرض وغير ذلك “. 31 ونحن نلاحظ كيف تتلاعب الدول الديمقراطيّة والاستبداديّة بهذه السلعة/ كلفة الحماية الّتي يطلبها الجميع: الأمان، إمّا التّسليم والخنوع أو التّهديد بالإرهاب والفوضى والحروب الأهلية…، ممّا يجعل الطلب عليها غير مرن سعريا.

والدولة في هذا لا تكتفي باستثمار كلف الحماية، أي كمية الفائض الّذي تنتزعه طبقة حاكمة، فيما هو اقتصادي بحت، بل تنفقه أيضا لتقوية مشروعيتها الإيديولوجيّة. وما كان للدولة أن تصل إلى احتكار معنى التّمثيل والحماية كحكم مباشر للمواطنين إلّا بعد صراعات اجتماعيّة تاريخيّة طويلة. فقد اعتمد عصام الخفاجي على مفهوم الكلفة/ الحماية قصد تفسير كيفية تشكل السلطة السياسيّة، كأجنة للانقسام الطبقي من خلال جدلية الإذعان/ الحماية. والهدف الّذي يؤسّس لهذا التّحليل للتشكيلات قبل الرأسماليّة هو تفكيك أسطورة “الاستبداد الشرقي” الّتي اتكأت عليها الرؤى الثقافويّة  الاستشراقيّة والمحلية في تأكيد خصوصيّة واستثنائيّة القسر السياسي الّذي تميّزت به التّشكيلات الاجتماعيّة في المشرق، دون أن تدرك تلك الطروحات أنّه غير ممكن الحديث في كلّ التشكيلات قبل رأسمالية عن انفصال الاقتصادي عن السياسي. وهذا ما يؤكّده ماركس “إنّ الملكيّة والتجارة والمجتمع والإنسان كانت كلّها سياسيّة في العصور الوسطى. والمحتوى المادي للدولة يتمظهر في شكلها، إذ لكلّ حقل خاصّ صفة سياسية أو بالأحرى أنّه حقل سياسي…كانت حياة الأمة وحياة الدولة متطابقتين في العصور الوسطى”32

ويبين الباحث بالكثير من الحجج والتّفاصيل المتضمنة في المعطيات الوضعية الّتي استند إليها في تحليل سرّ الفرق في كلف/ الحماية بين الوحدة السياسيّة الكبيرة في المشرق  والوحدة السياسيّة الصغيرة في أوروبا، من حيث اعتصار مقادير أكبر من المنتجين المباشرين، يعود إلى المعطيات البيئية والجغرافيّة وما يكتنفها من تهديدات الغزو وفساد شبكة الرّي. لكن هذا الاختلاف على مستوى الوحدة السياسيّة لا يعني اختلافا في الوحدة الاقتصاديّة الاجتماعيّة”  إن البنى الحضرية والريفيّة للمشرق لم تختلف كثيرا عن مثيلاتها في أوروبا الغربية قبل الرأسماليّة من وجهة النظر الاجتماعيّة الاقتصاديّة . بل إنّ السمات الرئيسيّة لتلك البنى كانت متطابقة في حالات كثيرة”33. وفي نقاشه لمسألة تشكل السلطة قبل الرأسماليّة وكلفة الحماية، الّذي تبلور بين البدو المحاربين والمزارعين في سيرورة تاريخيّة تمكن فيها المحاربون من التّحول إلى طبقة حاكمة كقادة سياسيين تستمد مشروعيّة الايديولوجيّة من الحروب والإرهاب لغرض فرض الحماية وانتزاع الكلفة في فترة تاريخية بدأت فيها المصالح المشتركة تفرض نفسها على قيم القرابة القبليّة، ممّا أدى إلى بروز النظام الإقطاعي، وضح عصام الخفاجي بتحليله للعمليات التاريخيّة  قضية تشابه النزوعات التاريخيّة بين المشرق وأوروبا حيث لا داعي لإصدار أحكام القيمة والتّحصن وراءها لتبرير يفسر علاقة القبيلة بالدولة وإعاقة هذا الشكل من العلاقة  لنشوء الرأسماليّة في المشرق، وهو شكل من العلاقة عرفته كلّ التّشكيلات قبل الرأسماليّة في سياق نشوء وتطور الدولة المركزيّة مع ترسخ مصالح تجاريّة وزراعيّة تدعمها نحو الحداثة. ” إنّها خطوة ضروريّة في هذا الاتّجاه، لكنّها ليست خطوة كافية في حدّ ذاتها، ولم تكن الخطط الأولى للسلالات الحاكمة في أوربا هي ما حولت الرعايا إلى مواطنين، بل هي الصراعات الاجتماعيّة اللاّحقة الّتي مهدت الطريق إلى الحداثة.”34 مع تفاوت في عملية تفكك وتحلّل الروابط القبليّة حسب البنى والصراعات الاجتماعيّة المحلية. لذلك لم تعرف  الدولة شكلا واحدا في التّاريخ البشري، حيث تنوّعت حسب الجغرافية والتركيب الاجتماعي لبنى العلاقات الإنتاجيّة وما يحايثها من صراعات سياسيّة اقتصاديّة إيديولوجيّة. وفي هذا السّياق ناقش الباحث بعض الكتابات الكلاسيكيّة والحديثة حول نظرية الدولة، أو التّفكير في جدلية الإنتاج والسّلطة وما يحيط بهما من عوامل تجعل تشابه نمط الإنتاج نفسه، الإقطاعي مثلا، يأخذ أشكالا مختلفة من الانتظام الاجتماعي السياسي.” فتوازن القوى بين الفلاحين وسادتهم، ووجود أو غياب النشاطات التجاريّة والمدن المستقلّة نسبيا والتركيب الإثني للتّجار وعلاقتهم بالطبقات المحليّة وموقع البلد المعني، لا سيما منعته أو انكشافه النسبيين بوجه الهجمات الخارجيّة أو الداخليّة، من البدو مثلا، كلّ تلك العوامل قد تساعد على تفسير اختلاف أشكال الدول الّتي تخضع لنمط الإنتاج ذاته”.35 بمعنى أن قيود البنى الاجتماعيّة الداخليّة لها دور حاسم في تجاوز وعي الطبقات الحاكمة كلما تعلق الأمر بالشّكل السياسي للدولة الّذي لا يمكن فصله عن النّظام الاجتماعي الاقتصادي السّائد، هكذا كان الآمر مثلا في شكل الدول الإقطاعيّة وصولا إلى شكل الدول الرأسماليّة الّذي أثبت تفوقه ارتباطا بالنظام الرأسمالي الّذي فرض سيادته. يحلّل عصام الخفاجي هذه المسارات في الوقت الّذي يكشف بالمعطيات التاريخيّة هشاشة القيمة العلميّة للنّظرة الأداتيّة للدولة والنّظرة الدولتيّة الإرادويّة في صهر المجتمعات.

سادسا/ جذور التّغيير: الاقتصاد السياسي لثورات المشرق

منذ أواخر القرن التّاسع عشر تضافرت الكثير من العوامل على رأسها تشريع قوانين ملكيّة الارض، انفتاح فرص التجارة الخارجيّة، افتتاح قناة السويس، ظهور حرف جديدة، تتجير الزراعة وتفكك روابط الولاء الريفي مع تحلّل التّقاليد القبلية بين الملاك وأبناء عشائرهم، ثراء فاحش وقهر الفلاحين في حياة البؤس، هجرات مكثفة نحو المدن في ظلّ وضع اقتصادي راكد أغلق كلّ الأبواب أمام أي حراك اجتماعي، تحوّل الوضع الدولي واكتساح السلع الغربية لأسواق المشرق، سيطرة كبار الملاك والتّجار اجتماعيا اقتصاديا وسياسيا، سيادة أنشطة اقتصادية ذات طاقة استيعابيّة متدنية، في ظلّ هذه الشروط والظروف كانت تتسع المدن المشرقية كأحزمة للبؤس والبطالة، في نوع من العلاقات الممتدة، المناطقيّة والعرقيّة والطائفيّة …، ممّا يدل على نوع من الهروب الجماعي الّذي مس وجودهم الإنساني، فعجزوا عن المواجهة، لذلك اختاروا سبيل الهروب بحثا عن البقاء وما يولده من انشطارات، انفصالات، اختناقات وانسدادات في الهويّة والرؤية والتّفكير والعمل والعلاقات بين كلّ مكوّنات المدينة، الحضريون والمهاجرون إلى درجة تبادل الاحتقار والكراهية، خاصّة من قبل المهاجرين تجاه أهل المدن، حيث اعتبروهم مجرد عملاء او أجانب ينبغي التّخلص منهم بأي شكل من الأشكال، هكذا تغير تركيب المدينة. ” فمن الطبيعي والحالة هذه، أن تتمفصل المظالم الّتي شعر بها المهاجرون في خطاب سياسي مفرط في قوميته وفي تقديسه للدولة كمخلص من تلك الشّرور”36، خاصّة وهم يرون فئة قليلة مسيطرة اقتصاديا وسياسيا، وهي موالية للغرب إلى حدّ التّماهي معه في نمط الحياة.

يرى عصام الخفاجي أنّ المهاجرين كانوا وراء تغيير المشهد السياسي الاجتماعي لبلدانهم، من خلال حضورهم في أجهزة الدولة الإداريّة، وفي القوات المسلحة، خاصّة بين فقراء المهاجرين المهمّشين اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، وغالبا ما كانوا من ابناء الاقليات الاثنية أو المذهبية الدينية، سيرا على التّفكير الاستعماري في السّيطرة، وضبط التوازنات القبليّة خوفا من ردود فعل الاغلبيّة المنسجمة طائفيا أو مذهبيا أو إثنيا…

ورغم الاختلافات الموجودة بين المهاجرين، فقد كان هناك اتفاق على تغيير الأوضاع جذريا، خاصّة سلطة كبار ملاك الارض، دون أن يطال ذلك الاتّفاق البرامج الاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة المطلوب تنفيذها، ولا مشروع المجتمع المرغوب فيه سياسيا. ومع ذلك يرى بأن تلك الانقلابات العسكريّة الّتي حدثت تستحق أن تسمى ثورات لأنّ عواملها كانت تتبلور وتتطوّر في سياق التّحولات الّتي أشرنا إليها سابقا في شكل احتجاجات اجتماعيّة جماهيريّة سواء في مصر والعراق…، وما يجعلها كذلك في نظره هو ” أنّ هذه الحركات، سواء كان موقف المرء منها هو التأييد أو الإدانة، قد اقتلعت بشكل جذري نظام الملكيّة المستند إلى كبار ملاك الأرض ورأس المال التجاري، وقامت بعملية استبدال شاملة للطبقة السياسيّة الحاكمة، واستحدثت ممارسات ومعايير اجتماعيّة وثقافيّة واقتصادية لم تكن معروفة من قبل.” 37 ويرجع عصام الخفاجي عدم حدوث ثورات متشابهة في كل بلدان المشرق بما في ذلك الأردن والجزيرة العربية وتركيا الى غياب طبقة ملاك الأرض الكبار في هذه البلدان الاخيرة عكس ما عرفته مصر والعراق وإلى حدّ ما سوريا ولبنان الّذي قامت حربيه الأهليتين 38 بنفس التغييرات الّتي احدثتها ثورات الانقلابات العسكريّة. ولم تكن إيران لتخرج عن هذه المسارات إلا بسبب سلسلة من التّحولات  الّتي انطلقت مع ثورة شعبية ضدّ الحكم الاستبدادي لسلالة الحكام القجر، مرورا بالانقلاب الدموي ضد حكومة محمد مصدق المنتخبة إلى الاصلاحات الجزئية الّتي أقدم عليها الشاه استباقا للتغييرات الثوريّة الّتي فجرها واقع ترييف المدن الإيرانية بقوّة عمل محررة من الريف عانت من التّهميش والاقصاء، فتطورت في ثورة شعبيّة عارمة.

ومن بين النزوعات الّتي كانت تتبلور وتنضج في التركيب الاجتماعي المشرقي، هو أنّه منذ الحرب العالمية الثانية برز شعور عام بتحسن نمو الاقتصادات المحليّة وغياب تنمية تمس الواقع  المزري للأغلبية المهمّشة، مع ظهور فئات جديدة صاعدة اقتصاديا، لكن تجد نفسها محاصرة اجتماعيا وسياسيا بسبب الطغم الحاكمة،  في وقت كان استقلال الدولة يتزايد، وهذه الظروف كانت فرصة ذهبيّة لحدوث ثورات، تزعمها قادة جدد لهم خلفيات متشابهة، حيث لم ينحدر أي منهم من المدن الرئيسة لبلدانهم، كما أنّ وضعهم الاجتماعي الاعتباري لم يكن من الفلاحين المعدمين الّذين فرض عليهم القهر والاذعان. وعمل هؤلاء القادة الجدد في البداية على نوع من الاستمراريّة في الحكم والقواعد الدستوريّة، وعلى إدماج أبناء المدن في التّغيير السياسي، خاصّة أنّهم عبّروا عن العداء نفسه للنظم القديمة. ونتيجة الضغوط الشعبيّة الّتي تجاوزت سقف تغييرات قادتهم،  تميّزت المرحلة بالتّغيير السياسي السريع.” لم يكن قادة المرحلة الأولى راغبين بالمضي إلى أكثر من تقليص سلطة كبار ملاك الأرض ومعاقبة سياسيي الفترة السّابقة. لكنّ الجماهير  الراديكالية من المهاجرين العاطلين عن العمل… لم يكن بوسعهم فهم تردد قادتهم باتّخاذ قرارات تلغي كلّ تلك الممارسات.”39 هكذا كانت للتوترات الاجتماعيّة كلمتها الحاسمة حين تجاوزت المشهد السياسي الاصلاحي الانتقالي بكلّ أحزابه ونقاباته ذات القاعدة الحضريّة، ممّا فتح المجال للمهاجرين الصاعدين الّذين انعكست على ممارساتهم وتطلعاتهم التّغيرات الاجتماعيّة، دون أن يعني ذلك انسجام وتشابه كلّ الطبقات في رؤيتها لواقع أسباب فساد الأنظمة السياسيّة الاجتماعيّة السّابقة. لهذا اختلفت مثلا أفكار ورؤى الشيوعيين عن القوميين ومنهم على وجه الخصوص البعثيين في العراق وسوريا، كما اختلفت شعبيتها حسب الإثنيات والطوائف والمناطق…واستطاعت القوى السياسيّة ذات البعد الوطني التّحرري من الاستعمار وحلفائه المحليين تحقيق النّجاح. وإذا كانت الإيديولوجيّة القوميّة العروبية قد نجحت في سوريا، فإنّ المجتمع العراقي كان أكثر ميلا إلى الايديولوجيّة الشيوعيّة سواء من العرب والأكراد، أو من السنّة والشيعة…

رغم أنّ هناك اختلافا بين بلدان المشرق على مستوى الانقسامات الدينيّة والمذهبيّة والإثنيّة، خاصّة من حيث التّفاوت المذهبي أو الإثني الطائفي، الّتي لعبت دورا كبيرا على مستوى الإيديولوجيّة بين الميل إلى الاتجاه البعثي العروبي كما في سوريا، إلّا أنّ هذه المعطيات الإثنية في العراق جعلت من هذا الاختيار قنبلة موقوتة. إنّ عناصر التّشابه كانت حاضرة في طبيعة النّظم السّائدة بأزماتها المتعددة، على مستوى الهجرة والتحضر والبنى الزراعيّة، في سياق ظرفيّة اقتصاديّة دولية تحسنت فيها اقتصادات المنطقة بشكل تفاوتي أدى الى تعرية كلّ الانقسامات الاجتماعيّة، في ظلّ انسداد اجتماعي سياسي، لم تعد فيه الطبقات الحاكمة قادرة على إنجاز وظائفها الاجتماعيّة والسياسيّة والإيديولوجيّة. فهذه الخلفيات الّتي أتى على التّفصيل فيها عصام الخفاجي كانت بغرض فهم وتفسير أعمق للتّغييرات الثوريّة والتّحولات السريعة الّتي عرفتها هذه الثورات بفعل هذه التّناقضات المعقدة الأسس والفعل والديناميّة، خاصّة حين استولى مهاجرو الأرياف على أجهزة الدولة. وكان لهذا التّحول السياسيّ أن يؤدي إلى بروز نظم سياسيّة أكثر ديمقراطيّة، في الوقت الّذي أنتج طغيانا وحشيا، بسبب التشكل الاجتماعي أثناء الثورة، إلى جانب العلاقة المتغيرة بين الدول والمجتمعات غير المنظمة سياسيا واقتصاديا في أغلب فئاتها المهمشة والمعزولة عن الأحزاب والنقابات المقموعة أصلا. وتعود جذور هذا الطغيان إلى تذرر وتشظي الفئات المجتمعيّة، وبروز الدولة المسيطرة على الاقتصاد، والمنظمة للنّشاط الاجتماعي مباشرة بعيدا عن أي توسّط محلي، كل هذا أدى إلى تبلور صنمية الدولة الّتي تلبست قناع القوميّة. كما أنّ التّغييرات الثوريّة الّتي قام بها الثوار الإصلاحيون لم تتجاوز بعض المشاريع المحدودة كالإصلاح الزراعي، دون حضور لتصور سياسي واضح لمسألة التّصنيع والتّحديث.

وانطلاقا من الخلفيات السّابقة للثوار الأوائل، وبسبب هذه الاصلاحات المحدودة، إلى جانب الوضعية الاقتصاديّة والسياسيّة الدوليّة، وتراجع الدور السياسي للطبقات الزراعيّة بعد تحرّر الفلاحين، ظهرت انقسامات داخليّة نتيجة اختلافات حاسمة “فلم يكن بوسع الأهداف المشتركة الّتي جمعتهم أن تخفي الاختلاف في تطلعات ورؤى أناس قدموا من مدن مختلفة وتمايزوا في مستويات معيشتهم، وكونوا بالتّالي تصوّرات مختلفة عن الحدود الّتي يجب أن تمضي إليها الثورات.”40

*****

الهوامش:

28- مرجع مذكور ولادات متعسرة، ص 252.

29- ص 262.

30- ص 272.

31- ص 297.

32- ص 302.

33- ص 307.

34- ص 327.

35- ص 334.

36- ص 355.

37- ص367.

38- ص 370.

39- ص 382.

40- ص 407.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق