الحلقة المفقودة في ولادات متعسّرة (4من5)

سابعا/ التّذرير، المركّزة والقوميّة

أدّت سياقات الاستقلال الذّاتي للدول بضغوط من التّحولات الثوريّة إلى المضي نحو مركزة الحياة العامّة، الّتي كانت فيها أغلبية السكان تعاني من مختلف أشكال التمييز، لذلك رحبت بفرض التجانس للاعتراف بهم مواطنين متساوين مع الآخرين في إطار الحكم المباشر. وتمثّلت عملية التّجنيس بشكل أساسي في التّعليم والثقافة والتوجه السياسي الّذي سيجعل مفهوم الوطنية يطغى على مفاهيم الديمقراطيّة والتنوع والتعدديّة، هكذا اتّجهت الدولة نحو إنتاج فكر سياسي خاص بها، وهي إحدى المهام الرئيسة لحزب السلطة كحزب قائد، لا يمكن نقده باعتباره الوجه الآخر للأمّة والدولة. لهذا امتد هذا الأخطبوط إعلاميا وسياسيا ونقابيا وثقافيا وتعليميا في المناهج والبرامج الدراسيّة، وقطاعيا بين العمّال والفلاّحين والشباب والأطفال…، فأسدل الستار على الماضي باعتباره ما قبل: جزء من الاستعمار الرّاكد، الفاسد، والهدف هو الالتفاف على التّنوع والتّعدد والنقد والمعارضة باسم الوحدة الوطنيّة. وما كان لهذا الواقع الجديد الهادف إلى فرض الإذعان وترسيخه أن ينتج غير دولة بوليسيّة تميّزت فيها أجهزة المخابرات كجماعة مستقلّة ذات وزن كبير، جمعت بين السياسة الشعبويّة القوميّة وإخضاع المجتمع بقوّاته المسلحة لسيطرة سياسيّة إيديولوجيّة جعلت من مصالحها قضيّة مشتركة تجسّد وحدة الأمّة الّتي لا يمكن خيانتها من أيّ طرف كان: مدنيا أو عسكريا، هكذا في أجواء شعبيّة معادية للغرب والاستعمار القديم والجديد، صار الولاء فقط “للثّورة” أي للنّظام السياسيّ. ” ومع احتلال فكرة السيادة الكاملة والاستقلال موقعا محوريا في تعبئة سكان المشرق، نجحت الإيديولوجيات الدولتية étatique في تحويل عمليّة الانتقال إلى الحكم المباشر إلى عملية إقامة نظم ديكتاتورية شرسة من خلال التثقيف بوجود تناقض بين الحفاظ على الوحدة الوطنية والاستقلال والسّيادة من جهة، وبين الديمقراطيّة والتعدديّة السياسيّة من جهة أخرى.”41  وقد كان التّحسن الاقتصادي والاجتماعي والصحي في حياة النّاس، حتّى في أكثر المناطق فقرا وبعدا، عاملا مساعدا لسطوة الدولة على ترسيخ أقدامها السياسيّة والإعلاميّة الإيديولوجيّة وفرض إذعانها باعتماد آلية التّغيير الجذري في أنماط اكتساب وتوزيع السّلطة والثروة، بواسطة سياسة الولاء والقرب من الدولة، الشيء الّذي مكّنها من إقامة بنى طبقية جديدة راسخة من خلال استراتيجيّة  القومية الاقتصادية في العداء لمصالح الغرب في المنطقة. وبناء على هذا الوضع الجديد  تمّت معاودة إنتاج سلالية للمواقع الطبقية بنوع من التوريث الاجتماعي الطبقي المولد لظاهرة الأثرياء. وانسجاما مع منهجية المقارنة في رصد حالات التشابه مع أوروبا أشار الباحث إلى الواقع التاريخي الفرنسي قبيل الثّورة، دون ان يعني ذلك أنّ المسارات منسوخة بوعي مقصود أو مدروس، بل هو ينتصر إلى البنى الداخليّة وصراعاتها، في نزوعها نحو  البرجزة،  أو الحداثة في نوع من “التّرسيخ القانوني والسياسي لعمليات اجتماعيّة واقتصاديّة كانت جارية أصلا قبل انتصار الثورات، وليست إطلاقا لعمليات جديدة.”42بمعنى تثبيت المعايير القانونيّة للحقوق والواجبات في إطار مجتمع المواطنين، لكن في ظلّ البنى التنظيميّة الحديثة الّتي تسمح بولادة الفرد واختياراته. مع الإشارة إلى عدم اقتران الحاجة إلى التّغيير والتّقدم بالتّصنيع والرأسمالية  في أوروبا القرن الثّامن عشر أوفي مشرق القرن التّاسع عشر حيث لم يفكر في كون التّصنيع مهمّة الأفراد لا الدولة. فمسار التّصنيع ولدته صراعات اجتماعيّة بمعزل عن وعي الطبقات بشكل مدروس ومسبق، وهذا ما يسمح بإزالة كلّ الالقاب والصفات الفخمة والوهميّة على البرجوازيّة في التّسامح والتّفتح العقلي والديمقراطيّة. “عايش بلزاك صعود البرجوازيّة واصفا إيّاها بالطبقة الفظّة الّتي تفتقر إلى الروح الخلّاقة والخيال الواسع وتتميز بالتّعصب والانغلاق الفكريّ والاستبداديّة وعدم التّسامح.”43

إلّا أنّ هذا التّحول البرجوازي ما كان ليعني التحقق المباشر للتطور الرأسمالي، بل عرف هذا المسار نوعا من التّوطين للتّجارة الّتي كانت عبر التّاريخ في التّشكيلات قبل الرأسماليّة منبوذة من قبل السكان المحليين نتيجة الموقف السلبي من التجّار باعتبارهم يمارسون نشاطا غير أخلاقي. لكن صيرورة التّحولات دفعت بالحكومات المطلقة إلى تبني السياسات المركنتلية في تحالف بين الملوك وفئة محليّة بديلة من التجّار ورجال المال المحليين، وبذلك تمّ وضع حدّ للتجّار الأجانب، باعتماد الإيديولوجيّة القوميّة كضرورة سياسيّة واقتصاديّة أملتها الضّغوطات الاجتماعيّة لجماعات محليّة آخذة في التّطور، فنتج عنها صعود الرأسماليّة. إلّا أنّ عملية التّوطين للتّجارة في أوروبا لم تواكبها بشكل عام عملية التّصنيع. هكذا يتّضح الدور الكبير الّذي قامت به التّجارة المحليّة في الحياة الاقتصاديّة عكس تجارة المسافات البعيدة. وما كان للقوميّة الاقتصاديّة أن تصعد بسبب المصالح والطموحات، بل نتيجة تظافر عوامل التّجنيس،  وفرض تفوّق الدولة، وتطوّر تكنولوجيا النّقل والاتّصال الّتي تسمح بالسيطرة الشاملة والقمع للمناطق المتمردة، وهي كلها مؤشرات على التحول إلى الحداثة لا إلى التّطور الرأسمالي. ” إن لم تلحق الفترات الثوريّة عمليّة تصنيع ولم تتكوّن من خلال ذلك مؤسّسات وتراكيب طبقيّة حديثة، فإنّ مؤسّسات الدّولة نفسها ستفسد وتتحوّل إلى حاضنة تولّد أنماطا مشوّهة من الخصوصيات غير الوطنيّة. وفي غياب الصراعات المؤسسيّة وفرض القيود على الدولة الّتي أثارت الأمل في أن تقف على مسافة  متساوية من المواطنين جميعا، يتحتّم تحوّل مختلف مؤسسات الأخيرة وقادتها وأجهزتها إلى رعاة للأبويّة والمحاباة والزبائنيّة .”44 بهذا التّمييز يتّضح بأنّ التّحول البرجوازي  يحتاج إلى آليات سياسيّة واقتصاديّة رأسماليّة حتّى يتحقّق العبور من الحداثة إلى التّطور الرأسماليّ، ويكون ذلك بفضل البنى الداخليّة والصراعات الاجتماعيّة في ظلّ شروط تقنية، واجتماعيّة اقتصاديّة، وسياسيّة، وفي هذا نقد للمقاربتين الوظيفيّة والإرادويّة.

وارتباطا مع ما سبق  قدّم عصام الخفاجي معطيات وضعيّة تعمّق رؤيته التحليليّة النقديّة للبنى الاجتماعيّة والصراعات “الهادفة إلى إقامة الحكم المباشر والتّجنيس وتفوّق الدولة على كلّ أشكال التمثيل الاجتماعي الأخرى”45. وهي الفترة الّتي تشهد على التحولات الّتي عرفتها الايديولوجيّة القوميّة، مشيرا إلى إشكاليّة علاقة التعقد بين القوميّة والديمقراطيات الليبراليّة، الّتي نفذت عمليات تطهيريّة تتفاوت بين الإبادة خارج البلد والقهر داخله. واستند الباحث إلى التّمييز الّذي وضعه مايكل مان بين القوميّة المتراصفة والقومية العضويّة الّتي برزت في شرق وجنوب  أوروبا في فهم الطّابع الاستبدادي للقوميّة المشرقيّة. وهو التّمييز الّذي يوضح الفرق بين التّحول البرجوازي في الانتقال إلى الحكم المباشر لتسلطية الدولة العضويّة الّتي تلغي كلّ أشكال التّنوع والتّعدد والاختلاف، في غياب للتّصنيع، وبين التّطور في سياق التّصنيع الرأسمالي الّذي يعمل على تحلل التركيبات الاجتماعيّة قبل البرجوازيّة. بمعنى أنّنا إزاء نوعين من القوميّة المتراصفة والعضويّة، وهذه الآخيرة هي الّتي  سادت بعد صراعات عنيف بين مختلف الفئات الاجتماعيّة الطّامحة إلى تسيد التشكيلة الجديدة، في المشرق بتلوينات إيديولوجيّة خطابية مختلفة في الدّعوة إلى التّجنيس من إسلامي إلى عروبي، أو هما معا.

وفي هذا التّمييز بين القوميّة العضويّة والقوميّة المتراصفة أورد الباحث معطيات تاريخيّة استقاها من مصادر تناولت بدقّة السياقات التاريخيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة وما طبعها من صراعات أخذت بعدا دمويا هو أقرب إلى الحروب الأهليّة، خاصّة في إشارته إلى الواقع التاريخيّ الفرنسيّ قبل الثّورة وبعدها كأفضل مثال على التّحول البرجوازي السّلطوي الّذي خلّف عددا ضخما من الضحايا وأعقبه نظام بوليسي فرض نفسه في الحياة اليوميّة وتسرّب عبر مسامات المجتمع” اعتبر معاصرو الفترة أنّ سلطات البوليس قبل 1789 كلّ شيء بالمقارنة مع الوزن الّذي حظيت به في السنوات اللاّحقة للثّورة”.46  وهذا ما يؤكّد بعد الديمقراطيّة الليبراليّة للدّولة الرّاهنة عن التّماهي بالحداثة لأنّها ليست نتاج هذه التحوّلات. وبذلك لم تكن ثورات المشرق في عنفها الدموي مختلفة عن النزوعات الكونيّة ” بل إنّه ناتج عن فشل ثورات المشرق الذريع في بلورة آليات توافقيّة بديلة بوسعها ربط الأفراد فيما بينهم، أو بتعبير آخر بسبب فشل عمليات التّحول تلك في توليد مجتمع مدني”47 يؤسّسه الوجود الحرّ للفرد المستقل في علاقات اجتماعيّة مستقلّة تحكمها اختيارات إرادة الأفراد في تكوين الاتّحادات الجماعيّة، في ظلّ تشكيلة اجتماعيّة تسيطر عليها الرأسماليّة وهي تنتج تمثيلاتها الايديولوجيّة في إخفاء السّياقات والعلاقات في سيرورتها الحقيقيّة. وفي غياب مثل هذه العوامل في تفاعلاتها المتفمصلة كما في المشرق تستمرّ الدولة العضويّة وهي تهوي بالمجتمع نحو التذرر.

ثامنا / الطّبقات، الدّول والحداثة

في مشرق الخمسينيات والستينيات برز بعد الثّورات الشّكل السياسيّ والاقتصاديّ لرأسمالية الدّولة تحت شعارات  قوميّة: الاشتراكيّة العربيّة، العدالة الاسلاميّة، خصوصيّة طريق التّطور…، في كلّ من مصر وسوريا والعراق إلى جانب دول أخرى كالجزائر. وفي تناول ملموس لديناميات السّلطة والثّروة من خلال آليات رأسماليّة الدّولة حاول عصام الخفاجي أن يبيّن مدى  تأصل نزوعات تحويل موارد الدولة إلى الأفراد في السّياسات الاقتصاديّة الّتي اتّخذها الشّكل السياسي للاستثمارات الحكوميّة الأقرب إلى الكنزية، حيث فتحت مجالا رحبا للرأسمال الخاصّ الّذي يلتهم في كلّ دورة من دورات إعادة الانتاج المزيد من موارد الدولة، ممّا يجعل من رأسماليّة الدولة المشرقيّة نظاما انتقاليا، في إطار علاقات الإنتاج الرأسماليّ، وليس نحو الاشتراكيّة كما ساد الاعتقاد. إلّا أنّ مآلاته- النّظام الانتقالي- الاقتصاديّة والسّياسيّة والإيديولوجيّة تحدّدها الممارسة الاجتماعيّة وليست معطاة سلفا. ورغم أنّ نظم رأسماليّة الدولة مارست سياسة التّأميم، خاصّة بالنّسبة للمصارف وشركات التّأمين فإنّها لم تغلق الباب في وجه القطاع الخاصّ لكي يلعب بعض الأدوار المكمّلة في الحياة الاقتصاديّة كالبناء والنّقل والزراعة وتجارة التّقسيط والسّياحة، وفي إطار هذا الاقتصاد المختلط كان القطاع الخاصّ هو المستفيد الأكبر من توسع قطاع الدولة الّذي يزيد طلبه على الكثير من الانجازات في البناء والخدمات والتّجهيز” إن كان الخاصّ يحقّق القدر الأكبر من أرباحه بفضل الدولة، ويحقّق فوق ذلك أرباحا من عمله في السّوق…فإنّ الدولة لا تكسب شيئا من ذلك، فهي تسعى لتشجيعه عبر الإعفاء من الضّرائب وتوفير المواد اللاّزمة للإنتاج الزراعيّ مجّانا أو بأسعار مدعومة وتقديم القروض الميسّرة والحماية من المنافسة الأجنبيّة”48 . هكذا نفهم سرّ تحلّل قطاع الدولة وولادة فئات قوميّة تسيطر على الحياة الاقتصاديّة وتسعى لامتلاك القرار السّياسيّ، من خلال وضع يدها على نسب مهمّة من الدّخل تجاوزت في التسعينات قطاع الدّولة في سوريا ومصر والعراق، ممّا جعل نظم رأسماليّة الدولة في وضع لا يسمح لها بتعبئة ومركزة الموارد تحت وقع ضغوط تلك الفئات الرأسماليّة للقطاع الخاصّ الّتي كوّنت ثروات ضخمة بفضل الآليات السياسيّة والاقتصاديّة للأنظمة الديكتاتوريّة للاشتراكيات العربيّة، ممّا انعكس سلبا على الانفاق الحكومي ومستوى الأجور…، هذه هي السّيرورة الداخليّة لنهاية نظم رأسماليّة الدّولة غير المستقرّة، لأنّها كانت عاجزة عن تجديد عناصرها ومكوّناتها وشكل تفاعل علاقاتها. ” تتوقّف الدّولة عن توسيع تدخلها في الحياة الاقتصاديّة وتلجأ إلى تبني إجراءات مستميتة من أجل جذب القطاع الخاصّ إلى ملء الفراغ الّذي لم تعد قادرة على ملئه، والواقع أنّ دور العامل الخارجيّ أو الدولي يكمن هنا، فهو لا ينشئ أو يميت نظم رأسماليّة الدولة، بل يساهم في إطالة عمرها من خلال مدها بالمساعدات، ويقصر منه حين تنضب مصادر التّمويل الذّاهبة مباشرة إلى الحكومات لا إلى الاستثمار في القطاعات الاقتصاديّة للبلد”49.  من هنا نفهم مسارات الصيرورة التاريخيّة في تحوّلاتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، وما أدت إليه من الإعلان صراحة عن التّخلي عن الأفكار الاشتراكيّة، أو بشكل خجول ومحتشم في كلّ من سوريا والعراق، في نوع من استمرار جدل التّكامل وليس النّفي الطبقي بين الدولة والقطاع الخاصّ الّذي نشأ وتكون وتطور في أحضان الدولة ليفرز فئة من الأثرياء الجدد، وفق ضغوطات سياسيّة على الدولة لا تتجاوز تغيير المحتوى الاجتماعي لمؤسساتها. وفي سياق هذه التّطورات يمكن فهم العلاقة بين الدولة والطبقات، والعلاقة بين الإنتاج والسّلطة دون تضييق الرؤية باعتماد آلية القرب والولاء السياسي فقط في سيرورة عمليّة التّشكل الطبقي والانتقال نحو الحداثة تبعا لنزوعات كونيّة لا تختلف عن المسارات الأوروبيّة.

والغريب في الأمر أنّ بعد عقدين من شعارات المساواة والاشتراكيّة في دول مصر وسوريا والعراق ظهرت فئة من الأثرياء الّتي راكمت الكثير من الثروات دون أن تضعها في خدمة الاستثمارات الوطنيّة. حيث أمكن الحديث عن تشكل برجوازيّة ما بعد الدولة الرأسماليّة الّتي حملت الكثير من الأوصاف المغلوطة: التقليديّة، البيروقراطيّة، والطفيليّة. لكنّها في حقيقتها الاجتماعيّة الاقتصاديّة والسياسيّة ليست إلّا تركيبا معقّدا يجمع كلّ الأوصاف في مؤسّسات الظلّ بين مصالح رجال الحكم والقطاع الخاصّ بعيدا عن منطق آليات السّوق. وداخل أحشاء هذا التركيب تكوّنت النّخب البرجوازيّة الّتي ستبرز في فترة ما بعد الشّعارات الإيديولوجيّة للديكتاتوريات المشرقيّة.

يرى عصام الخفاجي أنّ عمليّة تشكّل طبقة الأثرياء الجدد تفاوت علاقتها بالسّلطة السياسيّة من العائلة والأقرباء إلى تبادل المنفعة في سياق المصالح الاقتصاديّة، مرورا بالحزبيّة وما شابه ذلك من مختلف أشكال الإذعان، بالإضافة إلى الدور الّذي لعبته الانتهازيّة والمصلحة الذاتيّة في الترقية الاجتماعيّة للكثير من الفئات المهمّشة الّتي وجدت في التّحولات الثوريّة وأهدافها السياسيّة ما يحقّق أغراضها وتطلعاتها.  وفي ما يتعلّق بالبرجوازيّة القديمة فهي مراتب وإن فقدت سيطرتها الاقتصاديّة إلّا أنّها لم تندثر، بل استمرّت بشكل أو بآخر إلى أن استعادت قوّتها، خاصّة فئة كانت صيرورتها الطبقيّة من التّجار والمقاولين والصناعيين الّذين يعود صعودهم إلى فترة نهاية الحرب العالميّة الثانية. لكنّ احتكار أعيان المدن وكبار ملاك الأرض حال دون  صعودهم، وفي ظلّ الظروف الثوريّة تمكّنوا من تحقيق تطلعاتهم الطبقيّة. كما يشير الباحث إلى ان البيروقراطيين والاداريين، ” هؤلاء المؤمنين بالدولة وتفوقها أنفسهم كانوا ينقلون ما راكموا من ثروات إلى أبنائهم وشركاتهم وأقاربهم لتشغيلها في مجالات خاصّة، إنّ هذه الآليّة، لا قناعة القادة أو البيروقراطيين هي ما يحطم نظام رأسماليّة الدولة حتما، والحتميّة هنا تعني أنّ طريقة وقوانين النّظام نفسه، لا سلوك أفراد منحرفين هي الّتي تولّد تلك النتائج.”50

لا يمكن فهم العلاقة بين الطبقة الصّاعدة والسّلطة السياسيّة إلّا انطلاقا من العلاقات الشّديدة التّرابط والتّعقيد بين مجموعة من العوامل وفق شروط تاريخيّة وسياقات اجتماعيّة اقتصاديّة وسياسيّة للعلاقات الاجتماعيّة، يعني عدم التّحيز إلى عامل دون آخر كالقرابة، الولاء، أو الطائفة…، في نشأة وتكون وتطوّر الطبقات المهيمنة، إنّها سيرورة يكون فيها للبنى والصّراعات وشروط الوعي دورها الحاسم. لهذا تعجز المقولات الوصفيّة السّابقة مثل “البرجوازيّة البيروقراطيّة” أن تكون أداة تحليليّة. فكلّ الثورات البرجوازيّة سواء في أوروبا أو المشرق عملت على فتح آفاق الصعود أمام الطبقات الّتي وجدت صعوبة في الإطار الضّيق الّذي أغلقته الطبقات المهيمنة في وجه الحراك الاجتماعي، بمعنى أنّ تحوّلات وتغييرات تحدث في الهرم الاجتماعي للتركيب الطبقي بعيدا عن تعبيرات ” البرجوازيّة البيروقراطيّة” الّذي يقدّم فهما أحاديا لتعقّد علاقة الطبقات بالسّلطة السياسيّة الجديدة وفق آليات اجتماعيّة سياسيّة اقتصاديّة تبعا لشروط وظروف كلّ مرحلة تاريخيّة، بعيدا عن صدف الاستثناء في تكون الطبقات الاجتماعيّة. أي أنّ هناك مستويات اقتصاديّة وسياسيّة وإيديولوجيّة تشتغل بتفاوت تطوري في تكون وتبلور الطبقات المهيمنة، حسب الشّروط التاريخيّة الاجتماعيّة، حيث هناك فترات تاريخيّة كان فيها للمستوى السياسيّ دورا في ترقية فئات متواضعة خارج منطق السوق. ولا تلعب العوامل الاقتصاديّة دورها إلّا عندما تترسّخ النظم السياسيّة، حيث يمكن أن تبرز فئة الاثرياء كقوّة اجتماعيّة صاحبة نفوذ.

بناء على هذا التّعقد يصعب تناول إشكاليّة العلاقة بين الطّبقات والسّلطة السياسيّة بنوع من التّسرع و الابتسار الّذي يؤدّي إلى تكريس أسطورة استثنائيّة المشرق. ” تصاغ هذه الإشكاليّة في الغالب من خلال طرح مقولتين متعاكستين: السّلطة مقابل الثّروة، وبموجب هذه الأطروحة الفجّة الّتي لاقت وتلاقي قبولا واسعا لسوء الحظّ ولدت الطبقات الاجتماعيّة في أوروبا عبر الاقتصاد ثمّ فرضت الطبقات الأقوى مصالحها على المجتمع بالتّحكم في السّلطة، في حين يتمّ القول بالعكس هو ما حصل في المشرق، أي أنّ السّلطة هي من يخلق الثّروة” 51 وهذه الإشكاليّة لا يمكن فهمها إلّا من خلال جدليّة الحماية والإذعان الّتي تعبّر عن تبادل للمنفعة بين تقديم الخدمات والحماية، أي قبول الإذعان ودفع الكلفة، كما لوأنّنا إزاء نوع من التّلازم البنيوي بين السّلطة والثراء، أي بين الخدمات السياسيّة والسّيطرة الاقتصاديّة. ” إنّ علاقات الانتاج والملكية الاجتماعيّة إذن ليست نتاجا مخططا مقصودا من جانب الطبقة المسيطرة اقتصاديا ولا هي نتاج إرادة من سيتولّون مقاليد السّلطة السياسيّة” 52.

ينتقد عصام الخفاجي كلّ الكتابات والرّؤى الّتي ترى في التّطور الاجتماعيّ الاقتصاديّ والسّياسيّ للمشرق حالة استثنائيّة، بسبب اكتفائها بوصف الواقع اليوميّ دون أن تتحمّل عناء البحث في الواقع الحيّ عبر تعقيدات مستوياته الماديّة لفهم الظروف التاريخيّة، وكيف تنتج التّقسيمات بالموازاة مع شرعنتها إيديولوجيا تبعا للإطار المعرفي لشروط الوعي. وفي هذا نقد للفكر الإستشراقي رغم ثرائه المعرفيّ، فإنّ منهجيّة تحليله خاطئة، فهي لا ترى في مجتمعاتنا سوى موزاييك من القبائل والأقليات والطّوائف…، ذات الخصائص الثّابتة: عدم التّسامح، الاستبداد، السّكون الرّاكد، وغياب الصراعات الاجتماعيّة. وفي هذا مغالطة تاريخيّة يسقط فيها الفكر الاستشراقي حين يسقط نظرته المعاصرة على واقع تاريخي له شروط ومعطياته الخاصّة، كواقع يمثّل التّشكيلات قبل الرأسماليّة الّتي تتشابه عبر العالم. وهذا ما يستلزم منهجيا معرفة تحليل وتفسير دورة حياة التّشكيلات الاجتماعيّة في مستوياتها الإيديولوجيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، وللعلاقات بين الطّبقات والسّلطة السياسيّة.

********

الهوامش:

41- مرجع مذكور ولادات متعسرة، ص 422.

42-ص 428.

43- ص 431.

44- ص447.

45- ص 454.

46- ص 468.

47- ص 469.

48-ص 482.

49-ص 484.

50-ص 507.

51- ص 543.

52- ص 545.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق