باسم يوسف.. أو كيف تضحك في المنفى / أحمد ناجي

ما الذي يفعله الكاتب أو الفنان العربي في المنفى؟
لا يتعلق السؤال بالعاملين في حقل النشاط الإبداعي والفكري، بل يمتد ليشمل آلاف الشباب العرب الذين سحقتهم التقلبات السياسية والعسكرية في السنوات الأخيرة، فلم يعد أمامهم إلا الخروج من تلك المنطقة إلى بلدان أخرى.

منذ وصولي إلى الولايات المتحدة، التقيت بمصريين وعرب نزوحوا مع سلسلة هزائم الثورات العربية، وخرجت منها بمزيج مختلف من المشاعر بين الشفقة والخوف من مصير المنفي المجمد في ثلاجة الماضي. ويواجه الفنان العربي المنفي بمسارين. الأول أن يتقوقع على ذاته، ويتعامل مع المنفى باعتباره زيارة مؤقتة سيعود بعدها ليبني المجد، ولذا فهو لا يهتم بالمجتمع الذي انتقل إليه. يغرق في تفاصيل ما يحدث في مصر وبلاده الخربة، ولا يعرف ما يدور في الحارة التي يسكن فيها.

يتصور المنفي أنه متصل ببلاده، فهو يشارك في “التريندات” والسوشيال ميديا، يعيد استحلاب الماضي، وبناء تصورات تحاكى ما حدث له. لكن الحقيقة أنه يخلق وهماً يعيش فيه، وتصوره عن بلاده تصور لم يعد قائماً إلا في خياله. من الحنين والنوستالجيا يخلق المنفي سجنه، فلا هو متصل ببلاده ولا هو جزء من البلد التي أتى إليها.

أما المسار الثاني الذي يسهل انزلاق الفنان/الكاتب فيه فهو أن يتحول لكليشيه، يردد ما يريده الوعى الغربي في البلد المضيف عن العربي أو المسلم.

أعرف كاتبة مصرية مقيمة في الولايات المتحدة. نجمة ثقافية كبيرة، لديها القدرة كل بضعة أشهر على تقديم نفسها بهوية جديدة، ففي العام 2011 كانت ترفع ذراعها المكسورة وتقدم نفسها في نيويورك بصفتها مفجرة الثورة المصرية، وحينما خفتت أضواء الثورة المصرية انتقلت لتعرف نفسها كامرأة سوداء أبان موجة “Black life matter”، وحينما خفتت تلك الموجة سارعت وركبت موجة آخري بصفتها امرأة مسلمة، وبالطبع قفزت في مركب حركة “Me_too#” وأخيرا هذه الأيام تقدم نفسها كمدافعة عن حقوق المرأة في السعودية.

تتكرر هذه الحالات في ألمانيا وأوروبا، فبعض الفنانين السوريين والعرب يهرولون للعمل مع فنانين اسرائيليين، ليقدم للألماني المكلل باحساس الذنب منظر يسر قلبه كصانع للسلام. وفي المنتصف بين هذه الخيارات، يقف باسم يوسف مقدماً خياراً ثالثاً.

بعد أربع سنوات من مغادرته مصر وإقامته في الولايات المتحدة، يطوف باسم الولايات الأميركية مقدماً عرضه الذي حقق نجاحاً كبيراً. حضرت العرض في زيارته الأخيرة للعاصمة واشنطن، حيث أقيم الحفل في قاعة كبيرة بالمركز، التذاكر مُبَاعة منذ أسابيع قبل موعد الحفل.

ذهبت وأنا أتوقع أن يكون الجمهور من العرب والمصريين، لكني فوجئت بالمزيج المتنوع من الجمهور الأميركي، من المواطن الأبيض إلى المواطن الأسمر.

قبل العرض بيوم، حينما قابلت باسم، تشاركنا الشكاوى من حصار المصريين الذين توقفوا عند لحظة يعيدون حلبها، حكى لي أن الكثير من العرب الذين يحضرون يأتون بعد نهاية العرض ويسألونه “لماذا لم تقدم ما كنت تقدمه قديماً؟” قال لي: “أراهنك غداَ سيأتي أحدهم ويسألني لماذا لم تتحدث عن غادة العجمي”.

غادر باسم مصر، لكنه لم يصبح أميركياً تماماً بعد، وعلى الأرجح لا يريد. ليس مرتاحاً مع التصنيفات الأميركية ويتهرب منها دائماً. وهذا هو موضوع العرض. وعلى امتداد ساعة ونصف، وحيداً يستحوذ باسم على اهتمام الجمهور منذ الدقيقة الأولى ولا يتركهم حتى وبعضهم ينزلق من على الكرسي من كثرة الضحك.

انبهرت بالمستوى الذي أصبح عليه باسم، قفزات واسعة في الأداء، بداية من القدرة على التعبير بالجسد إلى بناء النكتة واستكمالها وقلبها، وحتى استخدام كل المؤثرات المصاحبة في العرض. السينماتوغراف، المؤثرات الصوتية، الاضاءة التي تلعب دوراً أساسياً في العرض، وأخيراً الشطافة المحمولة التي تظهر في فقرة خاصة.

يأتى استخدام باسم للغة الانجليزية مفاجأة أخرى، لا كلغة للتعبير فقط، بل ينحت مشتقاته الخاصة، ويتلاعب بالكلمات. الكثير من النكات في العرض اعتمدت أحياناً على قلب الكلمات واختلاف المعانى الناتج عن اختلاف اللهجات. أما موضوع العرض نفسه فكان مختلفاً عما اعتدنا رؤيته من باسم. في البرنامج وفي تجاربه السابقة يظهر باسم كراصد ومقيم لأداء الأخرين، يجلس على المكتب يلتقط التناقض والمفارقة من أداء الإعلاميين والسياسين الأخرين، يبرز هذا التناقض ويعبث فيه فيكشف لنا حقيقتنا المضحكة.

أما في عرضه الأميركي يقدم باسم حكايته الشخصية، بداية من صراعه مع أمه التي تريده طبيباً محترماً لا راقص سالسا، وحتى انحرافه عن مسار الطب إلى مسار التقديم التلفزيوني والعروض الكوميديا، ثم تقديم أول دعوى قضائية ضده في عهد الرئيس محمد مرسي واتهامه بإهانة الرئيس والتجديف، واستمرار الحرب مع السلطة حتى اغلاق البرنامج في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي وسفره للولايات المتحدة.

عند هذه النقطة يوشك عرض باسم إن ينحرف إلى كوميديا المسلمين الأميركيين، أحد الأنواع الأكثر رواجاً، حيث الأميركي المسلم الذي يحمل اسم أسامة ويقدم عرضاً محوره مواقف سوء الفهم التي يتعرض لها كمسلم، لكن يخرج باسم من هذا المأزق مستمتعاً بمناخ الحرية الأميركية ليوجه سهام سخريته ضد التيارات الإسلامية المتطرفة وتصوراتها عن الحياة الدنيا والحياة الأخيرة.

لا يتمرغ باسم في تراب الحرية الغربية ولا يكثر من الغزل، بل بخفة دم يتحدث كيف أن الرقابة في العالم العربي تأتي كتهديد بالقتل والسجن والتشريد، بينما في الولايات المتحدة هي رقابة ناعمة، هناك دائماً حدود إذا تجاوزتها لن تدخل السجن مثل العالم العربي، بل ربما تفقد وظيفتك، أو تفقد الفرص المتاحة أمامك.

في الولايات المتحدة يجب أن تكون ناعماً دائم الابتسام، متحمساً لكل الأفكار، يفضل أن تكون متلوناً لكي تسهل عملية إدماجك ويتقبلك الجميع. يتساءل باسم في نهاية العرض: “أليس من حقنا أن نكون ما نريد؟”

أخرج من عرض باسم وأن أفكر أنه ربما يكون للمنفي مسارات آخرى. مسار لا يفصل بين هنا وهناك. بل تري الروابط والعلاقات الواضحة بين ما يدور في مصر وما يدور في الولايات المتحدة. مسار تفهم معه أنه رغم الخلافات الظاهرية لكن المعركة تظل واحدة، والنكتة يمكنها إن تسافر عبر الحدو

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. أحمد عزيز الحسين

    هل يمكن للمنفيّ، أو المهاجر، أو اللاجئ، أن يكون مندمجاً في محيطه، ويبقى، مع ذلك، محتفظاً باختلافه عن أفراد المحيط الذي يندمج فيه ؟؟
    وهل تشجع الدولُ الدامجة هذا النزوع، وتغذي في المنفي نزوعه إلى الاختلاف والتميز عن محيطه ، ووجوده في سياقه الاجتماعيّ من موقع المحتفظ باختلافه، والراغب في الاندماج في الوقت نفسه ؟؟
    وكيف تشترط الدولُ الدامجة اليوم تبنّي المهاجر لقيمها ومثلها بوصف ذلك إجراءً ضروريّاً لتأكيد رغبته في الاندماج، والذوبان في هذه البنية مع أنها لا تنظر إليه كعنصر عادي ؟؟
    إنها معادلة صعبة جدّاً ….. بدليل أنّ الجيل الثالث من المهاجرين العرب في فرنسا، مثلاً، لم يندمج في محيطه الاجتماعي، ولم يصبح جزءاً منه، ولم يكتسب صفة ” المواطنة ” مع أنه ولد فيه، ويحمل جنسيته، ولكنّ معاملته كـ” محكوم / أو بعير أجرب ” جعلته نافراً في محيطه وسياقه، وعصيّاً على الذوبان فيهما بوصفه نبتة غريبة ظلت رافضة عملية ” التبيئة”، ولَم يتح لها أن تصبح عنصراً مندغماً في البنية الموضوعية التي تتعالق معها، ولذا أفلحت العناصر الغريبة عن المحيط نفسه، في انتزاعها منه، وفِي تحويله إلى قنبلة موقوتة معدة لتفجير محيطه من الداخل، بعد أن رفضت بنية هذا المحيط قبوله فيها بوصفه عنصراً غريباً ضارّاً لا يمكن أن يندمج في محيطه، أو يغدو جزءاً منه مهما فعل !!

أضف تعليق