المنهج العلمي بين بيكون و ديكارت

بيكون والمدرسة التجريبيّة

وفق بوبر، يمكننا اعتبار بيكون ( 1561 – 1626 ) بمثابة المبشر الرئيسي للعقيدة العلمانيّة في العلم، إذ أنّه أول من أحل كلمة الطبيعة بمعناها الواسع، مكان الميتافيزيقا، فكان بحق، فيلسوف المنهج التجريبي، وقد تطلع إلى علم مترابط جيد التكوين، ولعله يعتبر مبتدع مراجعة الفلسفة من خلال العلم [i]. وذلك من خلال دعوته الصريحة إلى ضرورة مراجعة الأسس العلمية والفكرية لكامل الفلسفة اليونانية والفكر الفلسفي والعلمي الّذي قام عليها. وقد ميز بيكون نفسه عن أرسطو الّذي اعتقد أن المجتمع الجيد يجتاح وبشكل فعلي إلى أعمال، كما ميز نفسه عن فكر العصور الوسطى الّذي انطلق من فكرة أن الفردوس هو الآخرة وأن العالم ثابت لا يتغير، فكتب  عن دولة مثالية فاضلة يتخللها تطور تاريخي تصاعدي، وهو تطور علماني ينطلق من أساس بناء هذا العالم، وليس العالم الآخر، فلم يعد التاريخ المقدس للخلاص جوهر التاريخ، بل صارت قدرة الإنسان على استغلال الطبيعة والسيطرة عليها هي جوهر التاريخ، فالتاريخ يتحرك قُدماً، ولكن بتوجيه الإنسان (العالم – التقني)، فمهد بذلك لما يسمى عصر التنوير.[ii]

لقد نفر بيكون أشد النفور مما يدعوه “الجمود العقلي”، الّذي يتوقف على ما كتبه القدماء، حتى أنه ليخشى اليقين فيقول: ” إذا بدأنا في تأملاتنا باليقين، انتهينا إلى الشك. أما إذا بدأنا بالشك و تحملناه في صبر لحين من الزمن، فسوف ننتهي إلى اليقين”. وذلك يوحي لنا في الظاهر أنه شك يتقاطع مع الشك الديكارتي، لكنه في حقيقته معاكس له، فديكارت يبدأ فعلياً باليقين الّذي يترتب على الشك بالذات وفق الكوجيتو “أنا أفكر فأنا موجود”، و من هذا اليقين تتولد ضروب أخرى من اليقين. أما عند بيكون فإن اليقين ليس البداية، وإنما النهاية التي تقبل باب كل بحث.[iii] والخطأ الّذي يعزوه بيكون للفلسفة الإغريقية المدرسية، هو الفرار الفوري من الحواس، والاضطلاع بالقضايا شديدة العمومية، وقد عبر عن منهجه بأسبقية الملاحظة والاستقراء التجريبي على التأمل النظري العقلي، مؤكداً على أن الملاحظة الخالصة النقية، هي الوحيدة الصالحة في البحث العلمي، أما التأملات والنظريات، فهي غير صالحة ومصدر لكل خطأ، حيث تجعلنا نسيء قراءة كتاب الطبيعة ونسيء تأويل ملاحظاتنا.[iv]

لقد قارن بيكون بين المذهب التجريبي، والمذهب العقلي في المعرفة من أجل موقف علمي، وانتهى للقول أن التقدم العلمي رهن بالتجربة، فيقول: (لاحظ ثم لاحظ حتى ترى أخيراً تتابعاً يمكن قياسه). وفي كتابه الرئيسي (الأرغانون الجديد) المنشور سنة 1620 – الّذي عارض فيه كتاب  (الأرغانون) لأرسطو – يؤكد بيكون، على أحقية المادة الملحوظة وأهمية الفكر التجريبي في العلم، واضعاً فلاسفة الحس، كديمقريطس وأبيقور، في الصف الأول من الفلاسفة الأقدمين. إذ يقول: ” إن الأشكال الكثيرة اللامتناهية التي تظهر المادة فيها لم تستعيرها من شيء آخر، أي أنها لم تتلقاها من الخارج، بل هي تستخرجها من ذاتها وتخرجها من باطنها، والمادة هي الواقع، وهي تمثل الطبيعة كلها، وهي أم كل ما هو حي”. بذلك المنهج الحسي التجريبي الصارم، هاجم بيكون كل التجريبيين والعقلانيين الّذين سبقوه، فيقول بأن التجريبيين لا يفعلون أكثر من تجميع الوقائع وهم بذلك يشبهون النمل، أما العقلانيون فيتحدثون عن نظريات لا صلة لها بالواقع، وقراءاتهم تشبه خيوط العنكبوت. في حين أن عمل الفلسفة الحقيقية هو كعمل النحلة التي تستخرج المادة من أزهار الحديقة أو الحقل، لكنها تعمل فيها وتشكلها بجهودها الخاصة، والفلسفة تماثل عمل النحلة لأنها لا تعتمد اعتماداً كلياً على قوى العقل، ومن جهة أخرى لا تدخر في الذاكرة المادة التي تنتجها تجارب التاريخ الطبيعي والميكانيكا في حالتها الفجة، وإنما هي تغيرها وتعمل فيها الذهن.[v] والعقل إذا ما تُرك لنفسه، ما استطاع أن ينتج إلا تمييزاً فوق تمييز، على نحو ما يتبين من خصومات العقلانيين الّذين ما أفادتهم لطافة المادة في شيء إلا في مران عقيم للذهن. لقد كان بيكون يتوجس من جمود العلم إلى حد أنه كان يخشى اليقين ذاته إذ يقول: “إن منهجنا ومنهج الّذين أنكروا إمكان بلوغ اليقين، يلتقيان في بعض الأوجه في بدايتهما، ولكنهما يختلفان أشد الاختلاف ويتعارضان تماماً في نتائجهما، فبينما هم يؤكدون صراحة أن لا شيء يمكن معرفته بموجب منهجنا الحالي، وبينما يمضون في الخطوة التالية إلى تحطيم قدرة الحواس والعقل، نخترع نحن ما يقدم لهما العون”. لذلك يرى أن العقل إذا ما تُرك على سجيته – يتأمل نظرياً – سيقتصر على إقامة تصنيفات وتمييزات كما هو الأمر في المذاهب العقلية التي تفوتها دقة المادة، وتنصرف إلى الجدل العقلي الّذي لا طائل تحته.[vi] إن حدة الذهن لا يمكن أن تعادل دقة الطبيعة، فينبغي إذاً أن تتجه إلى الطبيعة ذاتها من أجل معرفتها و ليس لدينا سبيل إلى ذلك إلا من خلال التجربة، إذ يقول في كتابه ( الأرغانون الجديد ): ” لدينا منهج واحد بسيط يعبر عن رأينا، ونعني به أنه يجب أن نأتي بالإنسان إلى الجزئيات ونظامها وتسلسلها المطرد، وعلى الإنسان أن يتخلى إلى حين عن تصوراته، وأن يبدأ في إقامة ألفة بينه وبين الأشياء “.[vii] إن العقل إذا تُرك يجري على سليقته، انقاد للأوهام لأنها طبيعية فيه. وهدف بيكون هو سيادة الإنسان على الطبيعة باستكشاف صور الكيفيات، و سبيل إلى هذا الاستكشاف سوى التوجه إلى الطبيعة ذاتها. إن الذهن البشري ميال بطبيعته إلى التجريد، ويفترض الثبات فيما هو متقلب، لذلك من الأفضل وفق بيكون أن نقوم بتشريح الطبيعة بدلاً من تجريدها. [viii]

والواقع أن بيكون، لم يكن يرمي إلى إنشاء فلسفة جديدة، أو نظام فلسفي جديد ، بل كان هدفه الأساسي  هو إصلاح أساليب التفكير و طرائق البحث ، من خلال تأكيده أن على الفيلسوف أو العالم أن يأخذ من الظواهر و الحوادث بواسطة التجريب ما يبني به العلم و الفلسفة ، وبالدرجة الأولى العلم النافع . و في رأيه أن الفلسفة القديمة فشلت لكونها اهتمت بالمعرفة لذاتها، ولأن الشغل الشاغل للفلاسفة كان إفحام خصومهم والعمل على التفوق عليهم بالجدل، الأمر الّذي جعل الفلسفة  تتحول إلى جدل عقيم مؤلف من ألفاظ فارغة في موضوعات شائكة لا معنى لها، في حين أن الهدف الحقيقي من المعرفة، كما يراه هو، هدف نفعي، يتمثل في السيطرة على الطبيعة ، وإخضاعها لأغراضنا العملية، فالفلسفة لا تعني محبة الحكمة  وحسب، بل هي منهجية معرفية نفعية، مهمتها الأساسية تتمثل في السيطرة على الطبيعة، وإخضاعها لأغراضنا العملية لفائدة الإنسان، لذلك يجب علينا أن نتعلم كيف نفهم الطبيعة بالبحث عن خصائصها.[ix] فاقتصر بخصوص علل أرسطو الأربعة ” الصورية – الغائية – الفاعلية – المادية ” على العلتين ” الفاعلية والمادية ” اللتين تتيحان لنا المعرفة النافعة في مجال الطبيعة، في حين يُرجع العلل الغائية والصورية إلى الميتافيزيقا. فيكون قد مهد بذلك للتيار الوضعي المنطقي. جاعلاً الغاية من الفلسفة هي المعرفة، والغاية من المعرفة هي السيادة على الطبيعة. ذلك هو الجديد عند بيكون في مستهل العصور الحديثة، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بالاستقراء، الّذي اعتبره الأساس الوحيد للحقائق العلمية.

إن القيمة الحقيقية للاستقراء البيكوني تكمن في تتبع الحالات أو الأمثلة السلبية، التي تعد من وجهة نظر العلم أهم من الأمثلة الايجابية المؤيدة لنتيجة، فذهب إلى القول أن الاستقراء الحقيقي، هو الاستقراء القائم على الحذف والاستبعاد الدقيق. ويشبه عملية البحث عن الصور، بفعل الخيميائي الّذي يعزل بسلسلة من العمليات، المادة الخالصة التي يريد الحصول عليها عن المواد التي تخالطها. والملاحظة تشف لنا عن الطبيعة، التي نبحث عن صورتها، ممتزجة، في ركام متداخل، مع طبائع أخرى. وبالتالي هي ماثلة أمامنا، لكننا لن نحصل عليها إلا إذا جردناها من كل ما ليس منها. الاستقراء إذاً وسيلة استبعاد.[x] و لا يتساءل بيكون أبداً عن ماهية شروط الملاحظة الجيدة، أو ما هي الاحتياطات النقدية الواجب اتخاذها، بل كل ما في جعبته بصدد هذه النقاط ملحوظات سطحية مبهمة. وهو يميل، على الصعيد العملي، إلى أخذ الوقائع من أي مصدر كان، وتكديسها للحؤول دون تثبت الذهن وتجمده، ومن هنا كانت المطاردة المحمومة للملاحظات والمشاهدات. وهذا ما لامه عليه بشدة علماء محترفون.

والمنهج البيكوني يتمثل في أمرين: أولهما: أنه إذا ظهرت حالة واحدة سالبة تخالف الملاحظات التي سبق التوصل إليها، فلا بد من رفض القانون الّذي تأسس بناءً على الملاحظات الأولى، لأنه مهما كانت الأمثلة التي تؤيد القانون كثيرة، فإن ظهور حالة سالبة واحدة كافية لرفضه تماماً. والثاني: إن إثبات قانون ما، يكون بإثبات أن كل القوانين والنظريات المعارضة له خاطئة.

وطرائق الاستقراء يوضحها بيكون على النحو التالي:

  1. تنويع التجارب: بتغيير المواد وكمياتها وخصائصها، كتركيز أشعة الشمس بواسطة العدسات، وعمل نفس الشيء على أشعة القمر، واكتشاف الفارق بين الأشعة الحرارية و الضوئية الصادرة عن الأجسام السماوية.
  2. تكرار التجربة: مثل إعادة تقطير الكحول الناتج عن تقطير أول، أو إعادة وضع الزئبق في الرصاص المصهور، لنرى أيتجمد ويصبح قابلاً للطرق أم لا.
  3. مد التجربة: أي إجراء تجربة على مثال تجربة أخرى مع تعديل في المواد، مثل أن نبقي بواسطة احتياطات معينة الماء المفصول عن الخمر في وعاء واحد، ونبحث ما إذا كان في إمكاننا أن نفصل في الخمر الأجزاء الثقيلة عن الأجزاء الأخف.
  4. نقل التجربة: من الطبيعة إلى الفن، كإيجاد قوس قزح بطريقة صناعية في مسقط ماء.
  5. قلب التجربة: كالفحص عما إذا كانت البرودة تنتشر من أعلى إلى أسفل بعد أن نكون عرفنا أن الحرارة تنتشر من أسفل إلى أعلى.
  6. إلغاء التجربة: أي طرد الكيفية المراد دراستها، مثل الفحص عما إذا كانت هناك أجسام معينة تلغي الجاذبية حين توضع بين المغناطيس والحديد.
  7. تطبيق التجربة: أي استخدام التجارب لاكتشاف خاصية نافعة، مثل تعيين مدى صحية الهواء في أمكنة مختلفة أو فصول مختلفة بتفاوت سرعة التنفس.
  8. ربط أو جمع عدة تجارب: أي الزيادة في فاعلية مادة ما، بالجمع بينها وبين فاعلية مادة أخرى، مثل خفض درجة تجمد الماء بالجمع بين الثلج والنطرون.
  9. صدف التجربة: وهي عبارة عن إحداث تغيير طفيف في شروط التجربة، مثل أن نحدث في إناء مغلق الاحتراق الّذي يحدث عادة في الهواء الطلق. و التجربة هنا تجري لا لتحقيق فكرة معينة، بل لكونها لم تجر بعد، ثم ينظر في النتيجة ماذا تكون.[xi]

بذلك نظر بيكون إلى القانون العلمي، باعتباره تفسيراً علياً للملاحظات والتجارب، مهملاً دور الفرضية في المنهج العلمي، كما أهمل دور التصورات الرياضية والاستدلال الرياضي، كأدوات هامة في المنهج الاستقرائي. جاعلاً من الاستقراء طريقة تقوم أساساً على الرفض والاستبعاد، أي إسقاط كل ما تقضي بإسقاطه الأمثلة السلبية. وهذا أوقعه في الخطأ المنهجي القائم على استبعاد الرياضيات من الفيزياء، فوقف ضد تطبيق المنهج الرياضي في البحث العلمي، معتقداً أن العلم الفيزيائي يبحث في الكيفيات، أما الرياضيات فتبحث في الكميات، دون أن يدرك العلاقة الجدلية المنطقية بين الكم والكيف في العلم، وحتى في المنطق الكلاسيكي، لذلك رأى أنه من الخطأ معالجة الظواهر العلمية بواسطة المعادلات الرياضية [xii]. وهو رأي يثبت تطور العلم اليومي مدى خطأه.

لقد انتقد بيكون المعارف العقلية في العلم الطبيعي، مؤكداً أن وصفنا لأوهام العقل هو بمثابة التمهيد الملائم الّذي يؤدي بنا إلى ضرورة فهم كتابه “الآلة الجديدة” الّذي عارض فيه “أرجانون” أرسطو.

أما تفصيل أوهام العقل، فقد أرجعها إلى أربعة أوهام:

  1. أوهام القبيلة: وهي تعود إلى النقص الطبيعي في العقل الإنساني من حيث هو كذلك، أي من حيث هو عقل إنسان أورثته الخطيئة الكبرياء والغرو، فالعقل هنا أشبه بالمرآة الكاذبة التي تشوه طبيعة الأشياء وألوانها، لذلك كانت هذه الأوهام مشتركة بين جميع أفراد الجنس البشري. إنها نوع من الإهمال والخمول، يجعل الإنسان ميالاً إلى أن يفرض على الطبيعة ما يمليه عليه عقله لا ما تمليه التجربة والمشاهدة. ومن مظاهر هذا الميل، أن العقل يعمم بالنظر إلى الحالات المؤيدة، دون الالتفات إلى الحالات المعارضة. كالاعتقاد بالتنجيم، حيث لا يفكر العقل في الحالات التي تفشل فيها التنبؤات. ومن أمثلة فرض تصورات العقل على الطبيعة، ميل الإنسان إلى البحث عن الوحدة في الطبيعة. إذ أن العقل يشعر بما فيه من تجانس، فيتصور الطبيعة الخارجية متجانسة مثله، ويستدل من ذلك – دون إثبات –على تقرير وحدة جوهرية في الأشياء، كما يميل إلى تصور فعل الطبيعة على نمط الفعل الإنساني، فيتوهم أن لها غايات وعللاً غائية.[xiii]
  2. أوهام الكهف: وهي تعود إلى الطبيعة الفردية لكل إنسان من حيث إن له مزاجه الخاص بمكوناته الفطرية والمكتسبة على السواء. فهي تصدر عن الاستعدادات الأصلية، والعادات المكتسبة بالتربية والعلاقات الاجتماعية والمطالعات، وإذا كانت هذه الفردية بمثابة الكهف الأفلاطوني، فإن العقل البشري يكون سجيناً فيها، لا ينظر إلى العالم إلا من خلاله، ولا يرى إلا ما يتوائم مع ظله، فتعوقه أوهامه عن الرؤية الصادقة للطبيعة، فمن الناس من يسلم بالجديد ويقبله دون فحص فقط لأنه جديد، بينما آخرون يسلمون بالقديم فقد لأنه كذلك، فيظنون أنهم يعرفون العالم وظواهره، بينما هم لا يعرفون غير عالمهم و ظواهره الخاصة التي يروها داخل كهفهم الفردي.[xiv]
  3. أوهام السوق: وهي الناشئة عن الألفاظ، وسميت بأوهام السوق، لأن الناس متى اجتمعت كما تجتمع في الأسواق لا تملك أداة للمناقشة وتبادل الأفكار سوى الألفاظ التي ترتبط بالحاجات العملية، ثم تسيطر بعد ذلك على تصوراتنا للأشياء، فمن الألفاظ ما يطلقه الإنسان على خصائص أو صفات، يدركها حين يلتفت إلى بعض وجوه الشبه العابرة، ويغفل عن الفوارق الأساسية. كالألفاظ التي وضعها الفلاسفة القدماء، من غير ماصدقات تؤكدها، مثل لفظ “المحرك الأول” الّذي استخدمه أرسطو.[xv]
  4. أوهام المسرح: وهي الناشئة مما تتخذه القضايا و النظريات والمذاهب الفلسفية المتوارثة عن الفلاسفة من مقام ونفوذ. فهذه كلها يتلقاها الناس عن الفلاسفة القدماء، كما يتلقى المشاهدون في المسرح كلمات الممثلين التي تلقى عليهم من عل، دون نقد و تمحيص، كالنظريات التي جاء بها أرسطو وتوارثتها الأجيال.[xvi]

والمفارقة، هي أن بيكون الّذي كان من أشد المتحمسين للمنهج التجريبي، تحدث عن أسسه بطريقة نظرية، دون أن يمارس ينفسه التجريب ممارسة فعلية، فهو لم يكن مجرباً، ولا باحثاً مستكشفاً، بل كان متأخراً من الناحية المعرفية عن علوم عصره، فلم يضطلع على اكتشافات هارفي للدورة الدموية، ولا مكتشفات غاليليو المعاصر له. وانشغاله بالعلم التجريبي اقتصر على إجراء بعض التجارب القليلة، كان آخرها هي التجربة التي أودت بحياته حين حمل مقداراً من الثلج ليجرب أثر التبريد في وقاية اللحوم من العفن، فأصيب بنزلة شعبية لم تمهله غير أيام.[xvii] لقد فهم التجربة بمعناها القديم، رغم أنه ادعى تصحيح منهجية العلم الحديث، فنادى بتجريبية حسية، لذلك بقي استقرائه استقراءً أرسطياً، لا يرقى إلى مستوى التحليل، هذا على الرغم من أنه طرح نفسه كهادم للتفكير الأرسطي القديم ومتجاوزاً له. إن الأداة الجديدة التي وضعها ليتجاوز بها أداة أو منطق أرسطو، لم تفلح بالفعل في تجاوز أرسطو، فعلى الرغم من أنها أكدت على عنصر الملاحظة، فإنها اعتمدت على التصنيف وحده، وعلى الفكرة القائلة أن مراعاة التدقيق اللازم كفيلة بإيجاد المكان المناسب لكل شيء، وهذا لا يصح في الواقع إلا في البحث الإحصائي، أما فيما يتعلق بصياغة الفروض العلمية، فلم تكن محاولة بيكون مصيبة هنا، كما أن رفضه للقياس قد أدى به إلى التقليل من أهمية الاستنباط في البحث العلمي [xviii].

تلك المنهجية المتعصبة للتجريب و الملاحظة دون الفرضيات التأملية، قادته لمفاهيم متطرفة فرقته عن عالم كغاليليو، فعلى سبيل المثال كان بيكون ثابت الجنان في عدائه للفرض الكوبرنيكي حيث يقول ” لا يجب أن تضع نظريات، بل افتح عينيك و لا حظ بغير انحياز، وعندها لن يخامرك شك أن الشمس تدور حول الأرض! ” لاحظوا ذلك بالمقارنة مع غاليليو، الّذي رفع آيات التقدير والثناء لكوبرنيكوس، ومن قبله أرسطرخوس، لامتلاكهما الجرأة الكافية على وضع نظريات تأملية، تتجاوز كل ما كنا نعتقده عن طريق الملاحظة، بل وتتناقض معه.[xix]

لقد كان بيكون يعتقد أن أي طبيعة من الطبائع، ترد في النهاية إلى ترتيب معين آلي لدقائق المادة، بمعنى أن هذه الدقائق حين تنتظم في وضع معين، أو حركة معينة، ينجم عن هذا الانتظام الميكانيكي، طبيعة معينة من الطبائع، وأن هذه الطبيعة تتمثل في موضوعات متعددة، مثلما يتمثل البياض في الثلج وفي زبد الماء وفي مسحوق الزجاج، ومثلما تتمثل الحرارة في النار، وفي أشعة الشمس وفي الجسم الحي. كما كان يعتقد أن الأشياء كلها تتكون من عدد محدود من الطبائع، وأن معرفة هذه الطبائع سوف يتيح للإنسان أن يعرف الكون كله، وأن يسود عليه ويتحكم فيه.[xx] وهذه نتيجة لازمة عن تركيزه المتطرف على الاستقراء والملاحظة بمعناها الضيق، دون الاستعانة بالنموذج الاستنتاجي والفرضيات، التي شكلت أساس الفلسفة الديكارتية.

ديكارت والمدرسة العقلانيّة

يقرّ العقلانيون – تأثراً بديكارت – أن الاستقراء يستند إلى مبدأ العليّة، لكنهم يجعلون من هذا المبدأ مبدأً عقلياً أولياً سابقاً على التجربة، وكامناً في العقل سلفاً وبشكل قبلي، وهو ما يسمونه باسم (المعرفة القبلية السابقة على التجربة). إن المفهوم العليّ – كمبدأ منطقي – يوجد فقط في العقل بشكل قبلي، مما يعني بأن المبادئ والقوانين العقلية لا تكون إلا تحصيل حاصل، فالعقل لا يستقل بنفسه، إلا بالعلوم الصورية التحليلية، كالمنطق والرياضيات.

يعود هذا التصور إلى الفيلسوف الفرنسي  رينيه ديكارت (1594 – 1650) ومن خلاله وضع أسسه الفكرية عن الكون المادي وآليته، من منطلق الفكر التصوري العقلاني، الّذي لا يشابه بحال الاتجاه التجريبي الّذي تبناه نيوتن، إذ كان الغرض العملي من العلوم عنده، هو تسخير الطبيعة لخدمة الإنسان. وقد كانت بحوثه في البداية تهدف – مثلها مثل بحوث كبلر و غاليليو – إلى التعبير الرياضي عن قوانين الطبيعة، لكن فكره ما لبث أن اتجه بعد ذلك في اتجاه مغاير تماماً، نحو فكرة رياضة كلية لا تشغل نفسها البتة بالموضوعات الجزئية التي تدرسها الرياضيات السوقية، من أعداد وأشكال وتراكيب وأصوات، ولا تلقي بالاً إلا إلى النظام والقياس. النظام الّذي تلزم بموجبه عن معرفة الحد معرفة الحد الآخر، والقياس الّذي تقارن بموجبه الأشياء ببعضها بعضاً على أساس وحدة واحدة.[1][xxi]

لقد بدأ ديكارت في رفض أسس العلم المدرسي القديم، إذ نجده يقول في معرض نقده لكل من أفلاطون وأرسطو وتلامذتهما، من حسيين وشكاك، بالقول ” أن النزاع الكبير الّذي نشأ بين تلاميذ أرسطو وأفلاطون، إنما كان مداره أن يتبينوا هل ينبغي أن توضع الأشياء كلها موضع الشك أم أن هناك أشياء يقينية، وهو خلاف أفضى بالفريقين إلى ضلال بعيد، لأن فريقاً ممن ذهبوا إلى الشك قد وسعوا نطاقه وجعلوه يمتد إلى أفعال الحياة بحيث أنهم  أهملوا استعمال الحيطة والتبصر في سلوكهم، وأما من ناصروا مذهب اليقين، فقد افترضوا أنه يعتمد على الحواس فاطمئنوا كل الاطمئنان إلى ذلك، حتى يقال أن أبيقور بلغت به الجرأة في أقواله أن صرح خلافاً لجميع الاستدلالات التي توصل إليها علماء الفلك، بأن الشمس ليست أكبر حجماً مما تبدو لنا في الحواس “[xxii].

كما انتقد ديكارت المنطق الأرسطي مبيناً أن أقيسته وأكثر تعليماته الأخرى، هي أدنى أن تنفع في أن تشرح للغير ما نعرف من الأمور، لا في تعلم تلك الأمور. ولا تكمن طرافة ديكارت في الاهتمام العملي البعيد عن القواعد والمبادئ الأرسطية وحسب، بل كذلك في ربطه بين المسائل الفيزيائية والمسائل الرياضية، كما فعل غاليليو قبله، ويصرح ديكارت بذلك برسالة إلى الأب مرسين “إنني أعترف لو كانت نظرية غاليليو خاطئة، فإن كل أسس فلسفتي خاطئة أيضاً”.

وفي كتابه “أسس الفلسفة” نجد أفكاره الأساسية في الفيزياء، إذ بحث ديكارت طبيعة العالم المادي، وقدم تفسيراً صحيحاً للقصور الذاتي، وافترض أن الأجسام المتحركة تميل إلى الاستمرار في الحركة على خط مستقيم، وليس في دائرة كما افترض غاليليو.[xxiii]

كما كان من أوائل المفكرين الّذين حاولوا التخلص من الفهم السائد للطبيعة الخارجية، ورد مظاهرها إلى نظام محكم موحد من القوانين التي أساسها الحركة وحدها، وكان بهذا المنطلق المبشر الأول للفيزياء الميكانيكية. ومنذ اللحظة التي بدأ فيها فضول ديكارت يكبر، نجد أن اهتمامه قد صُرف صوب مشاكل ومسائل فيزيائية، وليس صوب مسائل ميتافيزيقية، لذلك فإن التخلي عن الصور الجوهرية، بدأ في المجال الفيزيائي عند الفلاسفة، وبإحالة ديكارت الثقل إلى الحركة، فإنه رفض صورة الثقيل في الفيزياء باعتبارها عقيمة، كما دحضها في الميتافيزياء باعتبارها متناقضة. كما أن تفرقته بين المادة والروح، وتحديده للمادة بالامتداد، قد دفعه إلى تصوير الكون الفيزيائي في صورة ميكانيكية خالصة، فأصبح الكون عنده ملاء مندمج لا خلاء فيه، وفي مثل هذا العالم، لا يمكن للحركة أن تؤثر في جسم إلا عن طريق اتصاله، أو احتكاكه بجسم آخر في دوائر مغلقة [xxiv]، وهي التي سميت بنظرية الدوامات.

فالجسم عنده ممتد، والمادة امتداد، وما دام الجسم والمادة في امتداد في الجوهر، فإن كل امتداد وكل مكان هو جسم أو مادة، وبالتالي فإن العالم هو مادة ممتلئة، ليس فيه فراغ أو خلاء، وهو بذلك ينفي التأثير عن بعد، وينسف بشكل مسبق أسس قوانين نيوتن الفيزيائية في الجاذبية التي ستلي فلسفته. ففي عالمه كل عليّة هي فعل عن طريق الاتصال، إنه الدفع في الملاء، فلا يمكن أن يتحرك جسم ممتد إلا عن طريق دفع أجسام أخرى، وهو بهذا يقدم أساس التفسير الميكانيكي للحركة. فيقول ” ليس جوهر المادة أو الجسم قائماً في كون الشيء صلباً أو ثقيلاً أو أنه يؤثر في حواسنا على نحو ما، و إنما فيما له من جوهر ممتد في الطول والعرض والعمق، بحيث لا يختلف الجسم الّذي جوهره الامتداد، عن المكان الّذي يكون ممتداً فيه”[xxv].

ورفضه للتأثير عن بعد، قاده بالضرورة لرفض التصور القديم عن الذرات في العالم، أي الأجزاء التي لا تتجزأ، التي تحدثت عنها المدرسة الذرية اليونانية، وبشكل خاص ديمقريطس، ففي حين نجد أن التصور الديكارتي يتفق مع الذري بإرجاع الكيف إلى كم، يكون الخلاف بينهما في أن ديمقريطس والفلاسفة الذريين، حاولوا إرجاع الكيف إلى كم منفصل قوامه ذرات عددية منفصلة، ليؤسسوا لما يسمى بالآلية الحسابية. في حين أن ديكارت قد أرجع الكيف إلى كم متصل قوامه الامتداد، ليؤسس للآلية الهندسية. حيث أصبح المكان والامتداد بالنسبة له، هما الحقيقتان الأساسيتان للعالم، والحركة هي أصل لكل تغير، فحعل من الطبيعة مجرد آلة ضخمة، و فسر جميع الحركات فيها، تفسيراً رياضياً خالصاً، وهذا معنى جملته القائلة “أعطني امتداداً و حركة لأبني لك العالم”.

وبرفضه للفراغ، اقترح ديكارت فكرة مفادها أن كل مواد الحياة اليومية كالهواء، أو الماء، أو الزئبق مختلطة مع مادة أكثر بساطة، تمثل سائلاً يملأ كل الثغرات ولا يسمح بوجود فراغ. وبالتالي هناك سائل كوني ممتد ما وراء الغلاف الجوي للأرض عبر الكون كله، والكواكب في أفلاكها تحملها دومات تدوم وسط هذا السائل، كشرائح الخشب التي تحملها دوامات الماء في المجرى المائي. وقد قاده ذلك للاستنتاج أن كوكب الأرض لا يتحرك واقعياً، بل هو ثابت بالنسبة إلى السائل الّذي يسكن فيه، وأن هذا الرابط من السائل هو تيار متحرك حول الشمس [xxvi]، وهو ما يعد إرهاصاً لفكرة المادة ضمن الزمكان الّذي تحدث عنه أينشتاين في النسبية العامة.

إن ماهية المادة هي “الامتداد”: ويلزم عن ذلك أنها لامتناهية في الصغر كما في الكبر – وبالتالي يتعين نبذ فكرة ذرات ديقريطس اللامنقسمة،  وعالم أرسطو المتناهي في آن واحد – وأنها واحدة – أي ينبغي نبذ أي تمييز بين المادة السماوية ومادة العناصر الأرضية التي انطلق منها أرسطو – وما الجسم إلا جزء محدود من الامتداد، ولا يتمايز جسمان واحدهما عن الآخر إلا بشكلهما ووضعهما. فعندما نفترض أن أولهما في وضع السكون، وعندما لا يكون موقع الثاني بالإضافة إلى الأول واحداً في لحظات شتى، يقال أنه في وضع الحركة. إن قوام الطبيعيات، رد جميع أفاعيل الأجسام وخاصياتها التي تستبين لنا بالتجربة إلى تركيب من أجسام معلومة ذات شكل ووضع إضافي، وذات حركة محددة، وهو تركيب يشابه ذاك الّذي يمكن لنا أن نعاينه في الحيل الميكانيكية التي يخترعها الإنسان.[xxvii] إذ يصرح أنه لا يرى أي فارق بين الآلات التي يصنعها الحرفيون، وبين مختلف الأجسام التي تتولى الطبيعة وحدها تركيبها، عدا أن أفاعيل الآلات هي رهن بتراكب بعض الأنابيب والنوابض أو غيرها من الأدوات التي لا بد وأن تكون متناسبة بصورة أو بأخرى مع أيدي من يصنعها من الناس، لذلك لا بد و أن تكون كبيرة بما فيه الكفاية لتقع حركاتها وأشكالها تحت النظر، على حين أن الأنابيب والنوابض التي تسبب أفاعيل الأجسام الطبيعية هي في العادة مستدقة في الصغر فلا تقع في متناول حواسنا.

وبالتالي فإن الجسم آلة ميكانيكية، ليست إلا شيء من الأشياء قد بلغت حد الكمال في صنعه، وهي آلة جميع تروسها ليست في حاجة إلى وجود محرك خارجي، لذلك إذا ما نظرنا إلى الإنسان من حيث هو جسم، نجده آلة ميكانيكية كالحيوان سوءً بسواء.[xxviii] والفارق هو أن الإنسان يتمتع بجوهر ثاني يميزه عن الحيوان، هو الفكر أو العقل، ذلك الجوهر الثاني أخرجه من القسر الميكانيكي الديكارتي إلى حد ما، وعليه فإن كافة الظواهر المادية، عضوية كانت أم غير عضوية، قابلة للتفسير الميكانيكي.

والمنهج الديكارتي يقوم على أساس استنتاجي، ينطلق من الحقائق التي تدلنا عليها البداهة العقلية، التي نستنتج منها نتائج تدلنا بدورها على استنتاج نتائج جديدة، حتى نصل إلى براهين نفسر من خلالها العالم الطبيعي. وهذا لا يمكن أن يكون بدون الفلسفة، التي اعتبرها أرقى مراتب المعرفة، وشبهها بشجرة جذورها الميتافيزياء، وجذعها الفيزياء، وأغصانها المتفرعة منها هي العلوم الطبيعية والتطبيقية، التي ترجع إلى ثلاثة أذرع رئيسية: هي الطب والميكانيك والأخلاق، فأرجع بذلك جوهر الفكر الفيزيائي، إلى أساس ميتافيزيقي تأملي، تنشأ عنها كل العلوم العامة والخاصة. ولإصلاح العلم وضع ديكارت تصوره الشهير للشك المنهجي من خلال كتابه (مقال في المنهج)، الّذي أحدث فيه  ثورة فكرية قد لا تقل عما أحدثه منطق أرسطو قبله. و قد بدأ ديكارت من مفهوم الشك المنهجي كأساس لبلوغ الحقيقة الأساسية التي هي الفكر، حيث وجد أن أساس العلوم وأكثرها يقينية، هو علم الرياضيات ممثلاً ببديهياته العقلية التي اعتبرها فطرية، لا مجال للتجربة أو للخبرة فيها، لذلك يرى أنه كلما اتجهنا نحو البساطة، واقتصرنا في نشاطنا العملي على النور الفطري، كلما كان وصولنا إلى الحقيقة أكثر أمناً ويسراً. ولتبسيط فكرته، اقترح أن نستبدل تعليمات المنطق الكثيرة والمعقدة، إلى أربعة قواعد سهلة وبسيطة من المستطاع تطبيقها بنجاح في كل أنواع البحوث النظرية، وتلك القواعد هي:

القاعدة الأولى: قاعدة اليقين: وتنص على ألا أقبل شيئاً على أنه حق، ما لم أعرف يقيناً أنه كذلك، أي يجب أن أتجنب التهور والأحكام المسبقة، وألا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثل أمام عقلي بجلاء ويقين، بحيث لا يكون لدي أي مجال لوضعه موضع الشك.

القاعدة الثانية: قاعدة التحليل: التي يقول فيها أنه ينبغي أن نقسم المعضلة التي ندرسها إلى أجزائها البسيطة بقدر ما تدعو الحاجة إلى حلها على خير وجه.

القاعدة الثالثة: قاعدة التأليف: ونصها أنه يجب أن أسير بأفكاري بنظام، بادئاً من أبسط الأمور وأسهلها معرفة، ثم أتدرج قليلاً حتى أصل إلى معرفة أكثر تعقيداً وتركيباً.

القاعدة الرابعة: قاعدة الاستقراء التام أو الإحصاء: التي تنص أنه يجب أن أعمل في كل الأحوال من الإحصاءات الكاملة والمراهنات الشاملة، مما يجعلني على ثقة تامة أني لم أغفل شيئاً.[xxix]

بتلك القواعد ذات التوجه الرياضي الاستنتاجي، حاول ديكارت أن يقوم الفكر وينظم المعارف، مستبعداً أثر التجربة تماماً من جدول أعماله. ولعل الغاية الأساسية لوضعه تلك المصادرات، هي التوصل للقول بيقين وجود الأجسام من خلال الكوجيتو المعروف لديه “أنا أفكر فأنا موجود”، حيث أستنتج وألح على يقين وجود العالم من خلال وجود الذات.

لكن على الرغم من تبني التصور العقلاني بشكل واضح، فإن ديكارت لم يهمل تماماً الفكر التجريبي، بل ألح على ضرورة اللجوء إلى التجربة، للتأكد من صحة النتائج، ليس فقط في بداية البحث، وإنما في نهايته أيضاً، لكنه وعلى خلاف التجريبيين، لم يعتبر التجربة كافية بذاتها، وهو في الواقع يعتمدها لا من أجل القياس والاكتشاف، بل من أجل التحقق مما قرره العقل الّذي اعتبره أساس المعارف.[xxx] فالتجربة عنده ليست كما هي عند بيكون، الأداة الوحيدة للوصول إلى النتائج القاطعة، وإنما هي وسيلة من وسائل العقل المختلفة، التي يستعين بها للتحقق من النتائج التي نصل إليها في العلوم، وهذا ما أكد عليه في كتابه “مقال في المنهج” فإذا انطبق ما في العقل مع ما في التجربة، كان هذا دليلاً على صحة الاستنتاج، لذلك نجده يعاتب غاليليو وطريقته التجريبية التي لم تبحث عن الأسباب الأصلية للأشياء، بل بحثت فقط في أسس بعض الظواهر المعينة على انفراد، لذلك رأى أنه يبني أفكاره دون أساس.

ويصنف ديكارت المعارف إلى ثلاثة أنواع بحسب مصدرها التي استمدت منه، فيقول أن بعض هذه الأفكار ولد معي، والبعض الثاني غريب عني جاءني من الخارج، والبعض الثالث أخلقه أنا بنفسي. فمن هذه الأفكار، ما هو عارض مصدره الحواس، ومنها ما هو مصطنع يظهره الخيال، ومنها ما هو فطري مستمد من داخل النفس قبل اتصالها بالعالم الخارجي، حيث تكون هذه الأفكار في الذهن بشكل قبلي وعفوي، وكل نوع من هذه الأنواع له قيمة في المعرفة.

فالأفكار الحسية عرضية، وقيمتها إن وجدت فهي ضئيلة لا تمثل المعرفة الصحيحة و الدقيقة للأشياء، ولا تصلح لأن تكون أساساً لمعرفة علمية دقيقة، نظراً لكونها نوع من الإدراك الحسي الخادع، كالفكرة التي نستمدها من الحواس عن الشمس، والتي هي من الناحية العملية أبعد الأفكار عن حقيقتها.

أما الأفكار المصطنعة الخيالية، فلا قيمة لها من الناحية الموضوعية، ولا تصلح كأساس لمعرفة علمية، من حيث أنه لا وجود لها في الواقع المادي، وإنما هي من نتاج خيالنا فقط كفكرتنا عن حيوان مجنح.

أما الأفكار النظرية العقلية الفطرية الموجودة قبلياً، فهي التي تؤلف الحياة العقلية العملية، وهي تتضمن المسلمات والبديهيات الرياضية والمنطقية، والمبادئ الأولية في الفلسفة.[xxxi]

إذا المنهج العقلي الاستنتاجي، والمستند على المعارف الأولية الفطرية، هو الّذي يقدم لنا المعارف الحقيقية عن العالم، أما التجربة فتأتي في المرتبة الثانية، على اعتبار أن الحواس قد تخدعنا، في حين أن العقل واحد عند الناس جميعاً، وهو الشيء الوحيد الّذي يجعلنا كائنات مميزة عن الحيوان، وهو أكثر القسمات عدلاً بين الناس، حيث وحّد ديكارت بين الفكر العقلي والوجود، فأنا أفكر لأنني موجود، ولأنني موجود أنا أفكر. وهذا يقين أولي.

إن اليقين الديكارتي يبدأ من حقيقة وجود ذات مفكرة، وهو بذلك يرد المعرفة إلى الذات، والوجود إلى العقل، بعملية أطلق عليه اسم “الشك المتهجي” حيث يقول “ما كنت في شكي مقلداً الاأدريين الّذين لا يشكوا إلا لكي يشكوا، ويظلوا دائماً حيارى، أما أنا فإنني على العكس من ذلك، يرمي مقصدي إلى اليقين، وإلى أن أدع الأرض الرخوة والرمل لكي أجد الصخر الصلصال، وأنه لو افترضنا أن شيطاناً خبيثاً يمنعني من معرفة الحقيقة ويضللني، فإنه مهما بلغ من القوة، لا يستطيع منعي من التوقف عن التصديق ولا يقدر على أن يفرض علي شيئاً، كوني موجوداً ما دمت أرى بأني شيئاً من الأشياء. ولكن أي شيء أكون؟. حسب ديكارت أنا أكون موجوداً بمجرد التفكير، إذاً أنا شيء مفكر، وبما أنّي مفكر فأنا موجود. تلك حقيقة يقينية، وحقيقة وجودي تفترض حقيقة العالم المادي.

وقد أراد ديكارت أن يمد يقينه الاستنتاجي على كل العلوم، فيقول أن “أكثر ما أرضاني بالإضافة لأنني كنت أشعر في تطبيق هذا المنهج، أن عقلي كان يتعود شيئاً فشيئاً على تصور ما يتصوره بشكل أشد وضوحاً وأقوى تميزاً، وإنني إذا لم أقصر هذا المنهج على مادة معينة، فقد كان لي الأمل أن أطبقه تطبيقاً مفيداً على معضلات العلوم الأخرى كما فعلت بالجبر……إن العقل يريني أنه ينبغي لي ألا أكون أقل رفضاً للأمور التي لم تبلغ مرتبة اليقين التام مني للأمور الفاسدة حقاً”[xxxii]. ويخالف ديكارت هنا مرة أخرى المنهج التجريبي، مؤكداً على دور النور الفطري، الّذي هو العقل في نظرية المعرفة، حيث يتحول العالم و معارفه، إلى تصور استنتاجي عماده العقل المفكر والإدراك، على اعتبار أن الأجسام لا تُعرف بالحواس أو بالمخيلة، وإنما بالإدراك وحده، وهي لا تعرف لأنها تُرى وتُلمس، بل لأنها تُفهم وتُدرك بالذهن. حيث يقول:” لقد لاحظت في أحوال كثيرة أن هناك فرقاً كبيراً بين الموضوع ومعناه، فأنا أعبر في ذهني مثلاً على معنيين للشيء متباينين تماماً، أحدهما يصدر عن الحواس ويندرج تحت باب المعاني التي تأتيني من الخارج والتي تريني، مثلاً الشمس في غاية الصغر، والأخرى تستمد من أدلة علم الفلك، أي من بعض المبادئ التي خُلقت معي، أو صنعتها أنا على وجه ما، أرى بها الشمس أكبر من الأرض أضعافاً كثيرة، ومن الثابت أن هاتين الصورتين عن الشمس لا يمكن أن تكونا متشابهتين معاً للشمس عينها، والعقل يدلني إلى أن الصورة المستمدة من الخارج مباشرة، هي أبعد ما تكون عن الحقيقة” [xxxiii].

وبالتالي فإن أساس الفكر العلمي يكون مبرراً عند ديكارت في إحدى الحالات الثلاث التالية:

  1. عندما تكون النتائج التي نستخلصها منه بالاستنتاج مشابهة لتلك الظاهرة، حتى لو كان هناك احتمال بأن عنصراً آخر خفياً هو السبب الحقيقي في حدوث الظاهرة، فيكفي أن يكون الفرض يفسر الظاهرة، بشكل مرضي ومقبول. حيث تتجلى هنا براغماتية ديكارت.
  2. عندما تكون النتائج التي نستخلصها منه بالاستنتاج، متسقة تماماً مع ما يحدث في الطبيعة، كاتساق القيم التي تعطى للمجهول في المعادلة الرياضية مع باقي عناصرها، فيكون اليقين ناتج هنا، عن عدم تناقض الفرض الّذي يقترحه العقل، مع القوانين الأخرى.
  3. عندما يتبين لنا أنه لا يمكن تفسير الظاهرة بغير ما فسرناها به، وفي هذه الحالة نكون أمام يقين في مستوى اليقين الرياضي، ويكون اليقين ناتج عن كون الفرض نفسه قد يتحول إلى قانون لا يمكن استبداله بغيره.

لقد تميز منهج ديكارت بوضوح مبادئه، ويقين نتائجه، على نحو ما هو معروف في الرياضيات، التي تنطلق من البسيط الواضح، إلى المركب الغامض، بنظام محكم. فالعالم يتميز بصفة جوهرية هي الامتداد، وهو من حيث طبيعته الجوهرية الأولى، كم مستقل قابل للتمدد غير محدد، وقابل للقسمة غير المتناهية في المقدار الهندسي المتجانس ذي الأبعاد الثلاثة الّذي لا فراغ فيه، والصورتان المعبرتان عن المقدار، هما الشكل والحركة، وهما كافيتان لتفسير كل ما نلاحظه من ظواهر، والعالم لا غائية فيه، وإنما تسوده الضرورة الآلية الميكانيكية الصارمة. والطبيعة هي نظام مُقونن قابل للرقابة، والمعرفة من قبل العقل، والقوانين الفيزيائية الأرضية تصلح للتطبيق على جميع أشكال العالم المادي بأسره، لأنه عبارة عن نظام واحد متناسق يمكن أن نفسر كل ما فيه عن طريق قوانين الطبيعة، أما التجربة، فهي ليست إحساس مباشر بحادثة مجهولة واستقراء لها، بل هي استبصار عقلي لحقيقة نستنتجها استنباطياً بواسطة التجربة. لكنه في الواقع باعد بذلك بين الفيزياء، والتجربة، لدرجة أن العلم عنده، يتحول تأمل فلسفي ميتافيزيقي رياضي خالص، مهمته التوصل لحقائق يقينية شمولية وعامة، وذلك كله يعود بالأساس لرغبة ديكارت إرجاع الفيزياء إلى الفكر الفلسفي الميتافيزيقي، حيث جعل فيزيائه تخدم ميتافيزيائه، ذلك أن البداهة العقلية الرياضية التي اعتبرها أساس اليقين، هي عنده لاحسية.[xxxiv] فعلى عكس فيزياء نيوتن الّذي يلح على ضرورة عدم افتراض أي شيء قبل البرهنة عليه، والتأكد منه بالتجربة، من خلال جملته الشهيرة:”أنا لا أفترض بل أبرهن”.  نجد ديكارت يشترط أن تكون المبادئ واضحة وضوحاً تاماً في العقل، وأن تكون الأشياء الأخرى مستنتجة منها، بحيث يمكن معرفة المبادئ الأولى بدون النتائج الثانية، ودون أن يكون العكس صحيح.

لقد كان ديكارت وثوقياً تفاؤلياً، يعتقد بالعلم و قدراته على أن يحمي الإنسان من الأمراض والشيخوخة، حتى أنه عندما مات في السويد أعلنت صحيفة أنفرس خبر وفاته بهذا التعبير ” مات في السويد أحمق كان يقول أن باستطاعته أن يعمّر ما شاء “[xxxv].

*********

[i]رولان أومينيس: فلسفة الكوانتم، ترجمة: أحمد فؤاد باشا – يمنى طريف الخولي، عالم المعرفة، الكويت، عدد 350، 2008، ص    100.

[ii]غنار سكيربك – نلز غيلجي: تاريخ الفكر الغربي من اليونان القديمة إلى القرن العشرين، ترجمة: حيدر حاج اسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2012، ص 339.

[iii]اميل برهييه: تاريخ الفلسفة ج4، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط2،1993، ص 36 – 37.

[iv] كارل بوبر: أسطورة الإطار (دفاع عن العلم و العقلانية)، ترجمة: د: يمنى طريف الخولي، عالم المعرفة، الكويت، عدد 292، 2003، ص  110-111.

[v]حبيب الشاروني: فلسفة فرنسيس بيكون، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط1، 1981، ص 128.

[vi]حبيب الشاروني: فلسفة فرنسيس بيكون، مرجع سابق، ص 32 – 33.

[vii]حبيب الشاروني: فلسفة فرنسيس بيكون، مرجع سابق، ص 122.

[viii]حبيب الشاروني: فلسفة فرنسيس بيكون، مرجع سابق، ص 132.

[ix] محمد عابد الجابري: مدخل إلى فلسفة العلوم (العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط3، 1994، ص 238.

[x]اميل برهييه: تاريخ الفلسفة ج4، مرجع سابق، ص 48.

[xi]حبيب الشاروني: فلسفة فرنسيس بيكون، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط1، 1981، ص 78 – 79.

[xii]الكسندر ماكوفلسكي: تاريخ علم المنطق – ترجمة: نديم علاء الدين – إبراهيم فتحي، دار الفارابي، دمشق، ط1، 1987، ص 342.

[xiii]حبيب الشاروني: فلسفة فرنسيس بيكون، مرجع سابق، ص 54 – 55.

[xiv]حبيب الشاروني: فلسفة فرنسيس بيكون، مرجع سابق، ص 57 – 58.

[xv][xv]حبيب الشاروني: فلسفة فرنسيس بيكون، مرجع سابق، ص 59.

[xvi]حبيب الشاروني: فلسفة فرنسيس بيكون، مرجع سابق، ص 60.

[xvii]حبيب الشاروني: فلسفة فرنسيس بيكون، مرجع سابق، ص 54.

[xviii]رسل  برتراند: حكمة الغرب ج2، ترجمة: د: فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عدد 365، ط2 ، 2009، ص57 – 58.

[xix]كارل بوبر: أسطورة الإطار (دفاع عن العلم والعقلانية) – مرجع سابق، ص 132.

[xx]حبيب الشاروني: فلسفة فرنسيس بيكون، مرجع سابق، ص 98.

[xxi]اميل برهييه: تاريخ الفلسفة ج4، مرجع سابق، ص 73.

[xxii]رينيه ديكارت: مقال في المنهج، ترجمة: محمود أحمد الخضرى، دار الكتاب العربي، القاهرة، ط2، 1968، ص 17.

[xxiii]جون جريبين: تاريخ العلم ج1، ترجمة: شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عدد 389، 2012، ص 155.

[xxv] كارل بوبر: أسطورة الإطار ( دفاع عن العلم و العقلانية )، مرجع سابق، ص 142.

[xxvi]جون جريبين: تاريخ العلم ج1، مرجع سابق، ص 158 -159.

[xxvii]اميل برهييه: تاريخ الفلسفة ج4، مرجع سابق، ص 109.

[xxviii]جانييه، بول – سياي ، جبرييل: مشكلات ما بعد الطبيعة، مرجع سابق ص 170.

[xxix]ديكارت رينيه: مقال في المنهج، مرجع سابق،  انظر من 92 إلى 98.

[xxx]الجابري محمد عابد: مدخل إلى فلسفة العلوم (العقلانية المعاصرة و تطور الفكر العلمي)، مرجع سابق، ص 263.

[xxxi] أنصاف حمد: المعرفة والتجربة (دراسة في نظرية المعرفة عند ديفيد هيوم)، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 2006، ص 40.

[xxxii]ديكارت رينيه: مقال في المنهج، مرجع سابق، ص 115.

[xxxiii] رينيه ديكارت: تأملات ميتافيزيقية  في الفلسفة الأولى، ترجمة: د. كمال الحاج، منشورات عويدات، بيروت، ط4، 1988، ص 110.

[xxxiv]الجابري محمد عابد: مدخل إلى فلسفة العلوم (العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي)، مرجع سابق، ص 265.

[xxxv]ديكارت رينيه: مقال في المنهج، مرجع سابق، ص 192.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق