عائشة في المدوّنة التراثيّة… إمرأة الظّهور بين المتعالي والتّاريخيّ

حظيت عائشة بنت أبي بكر، أشهر نساء محمد، بالحظ الأوفر من التدوين في كتب الحديث والطبقات، مقارنة بزوجاته الأخريات. اكتسبت فاعليتها التاريخية من ثلاثة عوامل: الحبّ الغامر للرسول لها؛ حضورها كمحدّثة ومفسّرة لعدد من الآيات القرآنية؛ دورها في معركة الجمل بما شكلته من منعطف درامي في تاريخ الإسلام المبكّر.

في “عائشة في كتب الحديث والطبقات” (المركز الثقافي العربي، بيروت، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الرباط، الطبعة الأولى، 2014)  تدرس الباحثة التونسية، المتخصصة في اللغة العربية وآدابها، فاطمة قشوري، موقع عائشة في مدوّنة الحديث وكتب الطبقات، ساعية إلى فكّ الترابط بين التاريخ والأسطرة. لقد أضفى الضمير الجمعي السنّي/ التراثي الكثير من التبجيل على زوجة الرسول، أحبّ نسائه إليه، فكان لزاماً على الباحثة التجرّد من ذلك الموروث لقراءة شخصية عائشة خارج سياقات التقديس، بغية التعامل العلمي مع موضوع دراستها.

أبحر العمل في عالمين قد يراهما البعض متعارضين: عالم المرأة وعالم الحديث والرواية، طارحاً الإشكالية التالية: ما هي معالم صورة عائشة وهي المرأة، وهي واحدة من حلقة من عرفوا بالصحابة، وهي من اللواتي حظين بكثير من المصنفات في شأنها؟ تستند قشوري إلى بعض كتب الطبقات والأخبار، فعادت إلى طبقات ابن سعد وتهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني وسير أعلام النبلاء للذهبي، أمّا في المؤلفات الحديثيّة، فاعتمدت على مصنّفين: أوّلهما موطّأ مالك، وهو أقدم المصنّفات؛ وصحيح البخاري، وكانت الغاية بيان ملامح عائشة كما حددتها مجالات المتون التي كانت على رأس إسنادها. ومن المصادر الأخرى المعتمدة كتاب ابن الجوزي “الموضوعات” و”اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة” للسيوطي، حيث رصدت الباحثة المسائل التي يستدعي فيها الوضّاعون عائشة لوضع الأحاديث على لسانها وإلى أيّ مدى تلتقي مع المدوّنة الصحيحة. وفي سبيل الإحاطة بحضور عائشة في مجال المستدرك من الحديث كان المصدر “الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة”  للزركشي.

الرّسول وعائشة: الإلهي والرّغبات البشريّة

تبدأ قشوري بحياة عائشة قبل الزواج بمحمّد. إنّ التعامل مع أي شخصية تاريخية إسلامية يمرّ، حتماً، عبر التعرف إلى النسب، ذلك أنّ الاهتمام بالأنساب كان قائماً عندما بدأ علم التاريخ الإسلامي يظهر إلى الوجود، بل ربّما كان النسب أسبق من التاريخ في التدوين. حازت عائشة على اهتمام أصحاب الطبقات على اختلاف مشاربهم وعصورهم (ص 13) وسعت الباحثة إلى تجميع المعلومات المتماثلة والأخرى المتباينة في ما يخصّ النسب. وفي ترجمته لعائشة جمع ابن سعد في “الطبقات” بين ترجمة لأبيها وأخرى لأمها. قدمها  بقوله: “عائشة بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي”. تلاحظ الباحثة أن ابن سعد يذكر ابن أبي قحافة بلقبه الإسلامي “الصديق”، وكأننا به يصبغ على عائشة الفضل ابتداءً، مثله في ذلك مثل ابن قتيبة  والبلاذري. ولم يخرج ابن حجر العسقلاني وهو المتأخر عنه بستة قرون عن هذه الدائرة، إذ اكتفى في ترجمته لها بقوله: “عائشة بنت أبي بكر الصديق تقدم نسبها في ترجمة والدها عبد الله بن عثمان رضي الله تعالى عنهم”. (ص 14).

تُجمع المصادر على وقوع حدث مولد عائشة بعد البعثة، إلاّ أنها لا تتفق في تحديده زمنياً. تذهب الباحثة إلى أن هذا الاختلاف مردّه الإشكال الكامن في تحديد سنّ عائشة عند زواجها بمحمد، فتنقل على لسانها قولها: “تزوّجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوّال سنة عشرة من النبوّة قبل الهجرة لثلاث سنين”. والحال، هل كان لمحمد رغبة في عائشة قبل أن يخطبها وكيف كان يعاملها؟ إن علاقة محمد بعائشة تمرّ بعلاقته بأبيها، وهي علاقة توطدت أكثر فأكثر باعتناق أبي بكر دين محمد، وسعيه الحثيث لإدخال أكبر عدد من أسياد قريش في الإسلام، خصوصاً وأنه نجح في ذلك، كما ناصره بماله، وكان له خير عون زمن شدة الدعوة (ص 17).

تتطرق قشوري إلى علاقة محمد بعائشة قبل الخطبة اعتماداً على ما أورده ابن سعد في طبقاته. شكلت الرؤيا التي رآها محمد والمتعلقة بعائشة وما تضمنته من أمر الزواج بها، المدخل الذي لجأ إليه ابن سعد؛ فاتجهت إلى أن تتّخذ طابعاً تقديسياً أو إلهياً؛ والحال فإنّ محددات العلاقة محكومة من الخارج بل من المتعالي، ما يعني –وفقاً لتحليل الكاتبة- تسامياً بمحمد عن الرغبات البشرية. تفصل قشوري الكلام حول خطبة عائشة بمحمد اعتماداً على عدد من المصادر من ضمنها “أنساب الأشراف” للبلاذري، من أجل إسقاط أو دحض الأخبار التي تجعل العلاقة إلهية المحدّدات (راجع: البلاذري، أنساب الأشراف، الجزء الثاني، ص 542).

شكل زواج محمد من عائشة مساراً للسجال لدى بعض المستشرقين والباحثين العرب نظراً لصغر سنّها. إنّ معظم الأخبار التي تناولتها قشوري في كتب الطبقات دفعتها إلى الاستنتاج، وسط كل الفرضيات المثارة في هذا الشأن، “أن الانتصار لسنّ ستّ سنوات للزواج وتسع للبناء هو محاولة تأكيد صغر سن عائشة وقدرتها على الاستيعاب من جهة وعلى عدم النيل من محمد لزواجه بفتاة صغيرة جداً أصغر من أصغر بناته”. (ص 33).

عائشة: حبيبة الرّسول والمرأة القائدة

تبحث قشوري في السنوات التسع التي قضتها عائشة مع محمد في بيت شهد توافد أخريات إليه. تركز بحثها على أربعة محاور رئيسة: عائشة في حياة محمد؛ علاقة عائشة بضرائرها؛ حادثة الإفك في القرآن ومدونة التفسير؛ عائشة بعد محمد ومعركة الجمل.

إنّ أهمّ ما يميّز عائشة عن غيرها من زوجات محمد أنّها لم تعرف رجلاً قبله، فهي البكر الوحيدة بين نسائه. جعلت من ذلك مفخرة لها وفضلاً. اتسمت علاقة محمد بعائشة بخاصية ترتبط بفارق السنّ بينهما، وقد أوردت المتون الواردة في ترجمة ابن سعد في طبقاته هذه العلاقة. عن عائشة قالت: “ولقد دخلت عليه وإني لألعب بالبنات مع الجواري فيدخل فينقمع منه صواحبي فيخرجن فيخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسرّ بهن عليّ”؛ “كان يقف ساتراً إياها حتى تنظر إلى لعب الحبشة بالحراب في المسجد، بل إنه يبقى حتى تملّ هي النظر إليهم (ص 39). تسجل الباحثة بعض الملاحظات على الأخبار المرتبطة بصورة عائشة التي تُظهرها بصورة الطفلة في البيت الزوجية، وتخلص إلى أن محمّداً أخفى بتفهمه لطفولة عائشة “حبّاً كبيراً”، فلقد فارقت منزل أبيها ولم تتعدّ التاسعة لتجد في محمد أباً يعطيها من الحنان والعطف الشيء الكثير (…) وجدت عائشة الزوجة – الطفلة في صدر محمد الزوج –الأب رحابة وحبّاً لم تعرفهما من قبل.

وفي ما يتعدّى الغيرة التي ظلّلت حياة عائشة تجاه زوجات الرسول ما دفعها إلى أن تكوِّن حزباً في مواجهة أمّ سلمة ومن والاها. يكتسب حادث الإفك ومعركة الجمل مفترقاً تاريخياً في حياة “حبيبة الرسول” الأكثر حيوية بين نسائه. تضع قشوري القارئ أمام المسرح التاريخي للحدثين المؤثرين بما يحويانه من معطيات ذاتية وعامة، تترابط عند تقاطعات عدة يتداخل فيها الخاصّ مع العام. لا تدّعي الباحثة الإتيان بجديد في إشكالية حادثة الإفك التي قلبت حياة عائشة، بل وحياة المسلمين عموماً، إن في وقت حدوثها أو بعدها، فالمراجع والمؤلفات التي بحثت فيها ذهبت في مجملها إلى الإقرار بما ورد في سورة النور من آيات تبرأة.

ترى قشوري أنّ الآيات التي اتفقت المنظومة السنية على اعتبارها المبرّئة لعائشة لا ترضي انتظارات الباحث وتساؤلاته؛ فالخطاب جاء عاماً لا يخصّ عائشة، وإن كان تقديم الحادثة تحت مسمّى “الإفك” هو انتصار مبدئي لها في مواجهة المتقوّلين عليها. وقد بقي النص وفياً لبداياته، إذ طالب المتقوّلين عليها بشهود أربعة. ولكن كيف يمكن ذلك وما تقوّلوا عليها إلا لبقائها مع رجل لوحدها. فالبراءة إذن لم تتأتِّ بالتدليل على عفّتها وإنّما بحكم من المتعالي بكذّب ما روي عنها من جهة وتعذّر الإتيان بالشهود من جهة أخرى. (ص 53).

تتناول قشوري علاقة عائشة بعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وما قادت إليه من أحداث جسيمة كان لها عظيم الأثر في الخريطة السياسية والفرقية في الإسلام. تشير إلى أن تدخّل عائشة في الحياة السياسية في بداية عهد عثمان لم يكن ذا بال، إلا أنه بدأ باستفزازها، وإن من غير قصد، بأن أنقص لها من عطائها مساوياً إياه بعطاء سائر نساء محمد على خلاف ما فعله عمر. ولا يعود الأمر إلى حبها للمال وإنما لشعورها بالانتقاص من قدرها بين ضرائرها (…) فلقد تعوّدت ارتفاع قدرها عند زوجها ومن بعده أبيها ومن ثم عمر، فكيف لعثمان أن يفعل بها ذلك (ص 61-62). أخذت عائشة على الخليفة عثمان أنه أسرف من بيت المال على قرابته وأهله الشيء الكثير، وقد تهاون بأمور الدين بعد الشدة التي عرفها المسلمون مع عمر. ومن بين الثائرين عليه كان يقف علي وعائشة حتى أنها خرجت على الناس تقول: “اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً”.

يورد المسعودي في “مروج الذهب” خبراً يقول في آخره: “المرأة التي أرادت أن تكون أمير المؤمنين” قاصداً بذلك عائشة بنت أبي بكر. فهل كان لعائشة طموح سياسي ورغبة قيادية؟ وإذا صحت هذه الفرضية لماذا غيبت المرويات والمدونة الحديثية هذا الطموح وعملت على طمسه؟ ترتكز قشوري على كتاب “عائشة والسياسة” لسعيد الأفغاني في تحليل علاقتها مع علي بن أبي طالب. يلفت الكتاب إلى أن محددات هذه العلاقة تعود لسنين طويلة مضت. كان “علي وزوجه فاطمة بنت الرسول يحاولان حمل الرسول صلى الله عليه وسلم على التخفيف من حبّه لعائشة” (…) أمّا الغلطة التي لم يكن باستطاعة عائشة أن تغفرها لعلي والتي حولت المشاعر الطيبة إلى مشاعر حقد، وإن دفين، هي إشارته على الرسول بعد حديث الإفك بتطليقها. (ص 63). وبعد أن كانت تقف ضدّ عثمان، أصبحت لا تدّخر جهداً في المطالبة بالثأر له حتى لامها الناس على ذلك (ص 64).

في تحليل “معركة الجمل” تهتم الباحثة في حدود تدخل عائشة فيها من خلال ما جمعته من أخبار في كتب الطبقات والتاريخ. عملت المنظومة السنّية على تقديم المعركة تحت هالات مختلفة الأبعاد؛ واتجهت إلى الأسطرة حيناً وإلى السعي لإسقاط المسؤولية عن عائشة أحياناً أخرى. يبرز كتاب الطبقات لابن سعد أحد عشر حديثاً تدور في فلك الإحساس بالذنب لدى عائشة بعد خروجها في معركة الجمل نذكر منها: “وددت أني إذا متّ نسياً منسياً”، “يا ليتني لم أخلق يا ليتني كنت شجرة أسبح وأقضي ما عليّ”.

إن كتب التاريخ التي أخرجت عائشة من تهمة التحريض على إهراق دماء المسلمين تنتصر لفاعلية المرأة في التوبة والندم من جهة، وتقلص حضورها السياسي من جهة أخرى. لقد ارتسمت شخصية عائشة ضمن ثنائيات متضادّة: الطفلة/ المرأة؛ الثائرة/ الساكنة؛ القائدة السياسية/ المرأة النادمة؛ الأنثوي الفاعل/ الأنثوي المهزوم؛ امرأة الظهور/ امرأة الخدور.

عائشة في مدوّنة الحديث: الحضور المتألق

احتوت المدونة الحديثيّة على مساحات واسعة خُصِّصت للسيدة عائشة شملت صحيحها وموضوعها ومستدركها. لكن المصنفات حصرت دور عائشة بــــ “المرأة الراوية” ولم تولِ اهتماماً وافياً بــــ”المرأة المفسّرة” لآيات قرآنية عدة.

تدرس قشوري فضائل عائشة من خلال المدوّنة الحديثية وبعض المصادر الأخرى. تستدعي سنن الترمذي الذي يرتفع بعائشة شيئاً فشيئاً عن البشر “بفضل من الله لا بعلمها”(…). وتتساءل كيف ترتفع امرأة إلى هذه المصافّ؟ هل يعود ذلك إلى حبّ محمد الشديد لها، أم أنّ عائشة هي التي صنعت هذه الصورة، ذلك أن المتون التي تحمل هذا المعنى غالباً ما تكون هي راويتها؟ ترى الباحثة أن كل هذه الفضائل تبدو مسحوبة عليها لترسيخ أهميتها في المنظومة السنية، واتضح ذلك من خلال هالة التقديس والتضخيم التي أضفاها العديد من الفقهاء ومدوني الحديث وفي مقدمتهم ابن حزم.

تلاحق قشوري مرويات عائشة من خلال مدونة الصحاح، واعتماداً على “موطأ” مالك الذي قُسِّم إلى أبواب فقهية، تلفت النظر إلى أنها لم تظفر سوى بمرويّ واحد لعائشة في كتاب النكاح، وهو الباب الذي كان من المتوقع أن تتتالى فيه مرويّاتها، استجابة لما حاولت المنظومة السنية ترسيخه عن صورة عائشة في أذهان متقبليها (ص 81). أمّا مرويات عائشة من خلال الجامع الصحيح للبخاري فقد سجّلت تطرّقها إلى جلّ الأبواب الفقهية، التي شملت خمساً وثمانين كتاباً من جملة ثمانية وتسعين كتاباً بالجامع أي بنسبة تفوق الستة والثمانين بالمئة، وهي نسبة تكشف بوضوح أهمية حضورها المتأتية من ثقة صاحب المؤلف بما يُنقل عنها من أحاديث (ص 88).

روت عائشة في القرآن تفسيراً وبياناً لفضائله واحد وستين حديثاً. وخلافاً لاستدعاء عائشة بشكل كثيف حول المرأة وجسدها أو حدود تعاملها مع زوجها، تبين قشوري من خلال قراءة دقيقة لمرويات عائشة “أنه على الرغم من ضخامة مروي عائشة حول جسد المرأة وطهارته والذي يصل إلى ثمانية وأربعين حديثاً أو ذلك الذي يختص بكل ما يتصل بالمرأة تزويجاً وتطليقاً، فإنّ مرويّها في الصلاة بدقائقها وتفرعاتها يصل حداً لا يمكن إغفاله أو تجاهله. فهو يمثل ما يناهز تقريباً ضعف المرويّ عن جسد المرأة. وهذا في نظرنا أمر هامّ من وجهتين: أولاً لأنّ هذه النسبة تعكس بوضوح دخول المرأة راوية مجالات قد يعتقد الكثيرون خطأ أنها حكر على الرجل، وثانياً لأنّ هذه النسبة تدحض المحدّدات الوحيدة البارزة في صورة عائشة كما توارثناها منذ المؤلفات الأولى وحتى الدراسات الحديثة (ص 89). أحصت الباحثة أربعة وخمسين مروياً لعائشة في تفسير القرآن ووضعت ثبتاً لهذه المرويات للبحث في موضوع الآيات التي تعرضت لها بالتفسير، بغية تأكيد دورها كمفسرة، والتي غالباً ما تجاهلته كتب طبقات المفسرين في حين ظهر في الطبقة الأولى من مؤلفات طبقات الفقهاء.

وقع اختيار الباحثة على كتاب “الموضوعات” لابن الجوزي و”اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة” للسيوطي لرصد مدى الزيادة أو النقصان في عدد الأحاديث والتي رأس سندها عائشة من القرن السادس إلى بداية القرن العاشر. وجاء تتبع الأحاديث المروية على لسان عائشة في كليهما لدرس الموضوعات التي استدعى فيها الوضّاعون عائشة لإكساب قولهم مشروعية مستمدة من سلطة اسمها.

وضعت قشوري ثبتاً إحصائياً في مستدركات عائشة (استناداً إلى الزركشي). استدركت على ثلاثة وعشرين محدِّثاً، بلغ عدد الذكور منهم واحدا وعشرين بنسبة تفوق الواحد والتسعين في المئة. أما الراويتان فهما فاطمة بنت قيس وأزواج النبي.

نجحت فاطمة قشوري في تحقيق أمرين: الأوّل، زعزعة الصورة الأحادية المتناقلة عن عائشة، المرسخة في المدوّنة السنية، والقائمة على اعتبارها راوية المرأة، بحيث أثبتت بقراءة هادئة حضورها كمفسّرة للقرآن، متجاوزةً المرويات المنقولة عنها في مسائل الزواج وعلاقة المرأة بجسدها وزوجها. والثاني، إسقاط النزعة اللاتاريخية عن عائشة والتي تبدتّ في بعض كتب الطبقات لاسيما علاقتها مع محمد نبيّاً وزوجاً.

شهدت الدراسات النسوية المتخصصة بأدوار النساء في الإسلام المبكّر تطوراً لافتاً في السنوات الأخيرة، حققت قفزات علمية تخطت الطابع المفارق للتاريخ، باعتمادها على مناهج العلوم الاجتماعية الحديثة، وقد استطاعت فهم هذه الحقبة المؤسّسة، بعيداً من الأنماط التراثية المستعادة التي طبعت عدداً لا يستهان به من الكتب المدرجة في هذا الحقل المعرفي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق