الحلقة المفقودة في ولادات متعسرة (5 من5 )

تاسعا / من التّحديث إلى الريعيّة

يخلص عصام الخفاجي بعد تحليله النّقدي لعمليات المقارنة الّتي مرّ بها كلّ من المشرق وأوروبا، وهي عمليات متشابهة في البنى الاقتصاديّة الاجتماعيّة والسياسيّة، وفي كلّ ما يرتبط بها من هويات وصراعات وقوى اجتماعيّة، وتشابه مسارات حركة  الصيرورة والتطوّر، إلى تحدي كلّ نظريات التبعيّة بمختلف تلويناتها وهي تقف عقبة معرفيّة في وجه الأسئلة النقديّة الّتي تشكّك في كلّ هذا التراث النظري الّذي بني على أساس مغالطات معرفيّة وتحيزات إيديولوجيّة سياسيّة فرضتها شروط تاريخيّة اجتماعيّة للوعي والبنى، وسياقات تفاعلات الصراعات الداخليّة والخارجيّة، إلى درجة  ترسّخت كحقائق  وإجابات موضوعيّة نهائيّة لما حدث ويحدث في العالم عامّة والعالم الثالث خاصّة، وبشكلّ أدق في المشرق، كمجتمعات لها طبيعتها وهويّتها وخصوصيتها الاستثنائيّة الّتي لم ولن تستطيع أن تعرف نفس العمليات الرأسماليّة، لأنّ أوروبا الاستعماريّة غيّرت حركة التطوّر الداخلي لمجتمعاتنا وسيّدت الاستغلال لصالح تطوّرها في الوقت الّذي تسبّب  في تخلف في بلداننا. وهكذا تمّ إلقاء المسؤوليّة كلّها على الاستعمار والامبرياليّة دون أن تكلّف نفسها عناء البحث عن تفسير لآليات السّيطرة والهيمنة بما يتجاوز فعل النّهب وخلق الطبقات الحليفة، إلى محاولة مقاربة البنى الاجتماعيّة غير النّاضجة رأسماليا وكيف تستبطن الآثار الخارجيّة، وما تتميّز به الرأسماليّة الغربية من ضرورة اجتماعيّة اقتصاديّة تستلزم الزيادة في الإنتاج. هذا هو الفرق بين النّهب المنتج والنّهب الاستهلاكيّ للغزو القديم، وهذه الشّروط الاجتماعيّة الاقتصاديّة في طبيعة إنتاج يزداد بشكلّ مستمرّ هي ما تفتقر إليه بلدان المشرق وهنا يكمن حسب الخفاجي سرّ تخلفها، حيث لا يلقي اللّوم كلّيا على الإمبرياليّة وما تريده، بل يحاول أن يفسّر سبب التّبادل غير المتكافئ بعدم تكافؤ الإنتاجيّة الكامن في آليات اشتغال البنى الاجتماعيّة وليس خارجها بمعنى ” أنّ التراكيب الاجتماعية المحدد في المناطق المتعرضة للاستغلال هي الّتي تعين وتقرر أشكال علاقات الملكية والتّنظيم الاجتماعي الّتي يمكن أن تتبلور تحت تأثير الإدماج المكثف في السّوق العالميّة.”53بهذا يتّضح مدى مسؤوليّة إنتاجيّة العمل على التّخلف أو إطلاق عملية تطوّر رأسمالي.

لتفسير التّباين بين البلدان المتقدمة والبلدان المتخلف يستند الباحث إلى تحليله النقدي للمساهمة الّتي قدمها لويد رينولدز من خلال التّمييز بين النّمو الأفقي: ” وضعا تمتص فيه الزيادة السكانيّة للمجتمع كلّ طاقته الإنتاجيّة المتصاعدة من دون وجود نزوع لارتفاع متوسّط الفرد” والنّمو المكثّف”  حالة تزداد فيها طاقة الإنتاج أكثر من زيادة السّكان بشكلّ ملموس بحيث يكون ثمّة ارتفاع مستمرّ في متوسط دخل الفرد.” 54 فيبين مدى حدود ومحدوديّة هذا المخطط القائم على الاعتباطيّة والتّبرير، خاصّة في تعامله مع الكثير من المعطيات والوقائع بمعزل عن سياق اجتماعي تاريخي رأسمالي لانفصال المستويات الاقتصاديّة والسياسيّة والإيديولوجيّة. كما أنّ هذا المخطط يعجز عن رؤية ما يفسّر عمليّة النّمو في الآليات الاقتصاديّة للرأسماليّة، أي الزيادة المستمرّة والمنتظمة لمتوسط إنتاجيّة الفرد وليس زيادة الإنتاج بأي شكلّ كان55. وفي غياب هذا المعطى للزيادة في الإنتاجيّة يتحوّل توافر العملات الصعبة إلى كوابح لانطلاق الرأسماليّة والتّحديث في المشرق. وعلى العموم يوضّح الباحث أنّ هذا المخطط صار اليوم متجاوزا بسبب تخطي أغلب البلدان للنّمو الأفقي وتحقق بعض النّمو في متوسطات دخل الفرد وفي السّياق نفسه ناقش عصام الخفاجي طروحات أرثر لويس الّتي لا تأخذ بعين الاعتبار الشروط التاريخيّة الاجتماعيّة في تحليل قضيّة التّحوّل الاجتماعيّ واختزاله في مسائل تقنية خارجيّة تجاريّة أو دولتيّة.

في محور هام حول معضلة المشرق غير الرأسمالي أكّد الباحث على ما أشار إليه سابقا وبتحليل نقدي من ضرورة سيادة الرأسماليّة لتحقّق البرجوازيّة المشرقيّة أهدافها في انتقال الأفراد إلى مواطنين متساوين في إطار طبقات حديثة، بعد تحلّل العلاقات الإنتاجيّة والاجتماعيّة قبل رأسماليّة، إلّا أنّ واقع التّحولات المشرقيّة وفي شمال إفريقيا ظلّ عاجزا عن تحقيق الانتقال إلى سيادة الرأسماليّة في تحقيق الاستثمار الصناعي دون أن يكون مبرّر نقص الموارد الماليّة وسيادة الأنظمة الدولتيّة التسلطيّة سببا في تفسير هذا العجز في التّحول الحداثيّ.

وتبعا لهذا المحور ناقش بتفصيل فرضيّة دور تدخل الدولة، الّتي طرحتها بعض الكتابات، في عمليّة التطوّر والتّحديث في الكثير من البلدان في العالم، ليخلص من ثمّ إلى مناقشة الأسئلة الغائبة الّتي يخفيها تفسير عدم صعود الرأسماليّة في المشرق انطلاقا من فرضيّة تدخل الدولة. وتبعا لهذا النّقاش يرى عصام الخفاجي أنّه رغم النزوعات الكونيّة في تشابه المسارات بين المشرق وأوروبا في العبور إلى الحداثة إلّا أنّ المشرق عجز عن تحقيق ذلك لجملة من العوامل من ضمنها المناخ السياسي والاقتصادي الدولي بعد الحرب العالميّة الثانية، الّذي تميز بانتعاش نسبي، بالإضافة إلى عامل اقتصاد الريع النفطي وما وفّره من موارد ماليّة للدول النفطيّة وغير النفطيّة” أنّ هذا المصدر في إنتاج وتوزيع الثروة هو ما ترك بصماته العميقة على عمليات إعادة إنتاج بنى المنطقة الاجتماعيّة، واسبغ على دولها تسميّة ” الدول الريعيّة ” لإبراز الطّابع الاستثنائي لأدائها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.”56  إلّا أنّ  فهم وتفسير الآليات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة  هو الّذي بإمكانه تحديد طبيعة البنى والصراعات والعلاقات بين الإنتاج الريعي والسّلطة والطبقات وهو ما غفلت عنه الكثير من الكتابات، أي فهم آليات اشتغال اقتصاد الريع، كاقتصاد غير صناعي لا ينتج ما يستحق التّصدير بما يعني عدم وجود طبقات منتجة تشكلّ ضغطا على الدولة في عمليّة الإنفاق. هذه هي خصائص اقتصاد التّخلف، حيث مهما تراكم رأس المال الريعي فإنّ للبنية الاجتماعيّة الدور الحاسم في كيفيّة استخدامه، وفي عدم قدرته على ضمان استمرار الإذعان، خاصّة حينما يعجز عن مقايضة حريّة المواطنين بالامتيازات الماديّة، الشّيء الّذي يؤدّي إلى انهيار العقد الاجتماعيّ الريعيّ.

عاشرا / الحلقة المفقودة، المستوى الإيديولوجي، ماذا عن الرّأسمال الفكريّ الثقافيّ الرمزيّ؟

” وكانت هذه الحالة، الجديدة للغاية في التّاريخ، من التربية السياسيّة الهائلة لشعب عظيم والّتي قام بها بكاملها رجال الأدب، هي الّتي أسهمت ربما أكبر اسهام في منح الثورة الفرنسيّة عبقريتها الخاصّة وفي أن يخرج منها ما نراه الآن.” ألكسي دوتكفيل

نعتقد بأنّ الغائب الأكبر في هذه المساهمة المتميزة في نظريّة التشكيلات هو المستوى الفكري السياسي الإيديولوجي، صحيح بأنّ المفكّر الباحث عصام الخفاجي حاول باقتدار معرفي نقدي تحليل وتفسير الكثير من السيرورات الاجتماعيّة الاقتصاديّة والسياسيّة في المشرق وأوروبا مؤكّدا على أعمدة السّلطة في المعرفة والإذعان، حيث لا يتيسر فهم التّشكيلات وتحوّلاتها بدون الإلمام بجدلية الحماية والإذعان.” تحليل التّشكيلات مستحيل من دون تحليل أشكال الإذعان.”57 وذلك في إطار الحدود التاريخيّة لمستوى المعارف وما يرتبط بها من تطوّر تقني في الاتّصال والتّواصل. مبينا الدور الكبير الّذي تقوم به الإيديولوجيّة في صيرورة  البنية الاجتماعيّة، ومنبها إلى ديناميتها الفاعلة البعيدة عن الفهم السّاذج لنظريّة الانعكاس السلبي الّتي سادت طويلا في الكثير من الكتابات اليساريّة والماركسيّة على وجه الخصوص.” دور الإيديولوجيات في رصّ مختلف التّشكيلات الاجتماعيّة فالطرق الّتي يرون فيها مواقعهم في الكون وعلاقاتهم ببعضهم الأخر مشروطة بالمستوى العام للتطوّر التقنيّ والحضاريّ والاقتصاديّ، هذه الرّؤى ذات دور حاسم في تشكيل المعايير القانونيّة والأخلاقيّة والسياسيّة الّتي تربط النّاس العاديين ببعضهم وتنظم علاقاتهم بالحكام وهي حاسمة كذلك في تحديد نوع البنى السياسيّة الاقتصاديّة الّتي يعيشون في ظلّها ، كما أنّ الإطار الفكري الناجم عن المحددات المذكورة أعلاه يحدّد الأمر الأهم المتعلّق بنطاق التطوّر العلميّ التكنولوجيّ والتّغير الفكريّ“58 أثبتنا هذا النّص الّذي هو مجرّد عيّنة لرؤية منهجيّة توجّه الباحث على امتداد صفحات كتابه الشائق الّذي يستحق شقاء القراءة، وهو يحاول تأسيس مساهمته في قراءة التّشكيلات، لكي نؤكّد على السّؤال الملح الّذي رافقنا طيلة قراءتنا للكتاب: لماذا غاب مستوى المقارنة في رصد هذه الرّؤى، و التّحولات الفكريّة والثقافيّة وما يرتبط بها من تطوّر تقني في الاتّصال والتّواصل، خاصّة وأنّ هذه الدراسة ” تحاول أن تبيّن أنّ للإيديولوجيّة دورا حاسما يتوسّط عمل كلّ التّشكيلات.”59؟ كأنّنا نقول بسؤال آخر ألا يكمن فهم أحد أسرار اختلاف نتائج التّحول البرجوازي وعسر ولادة التطوّر الرأسمالي في المشرق في المستوى الإيديولوجي للرّأسمال الثّقافيّ الرمزيّ، أي في الإطار المعرفيّ تبعا لتفاعل العلاقة بين حقول الإنتاج الماديّ والحقل الإيديولوجيّ؟ طبعا نحن واعون بخطورة الانزلاق إلى التربة الإيديولوجيّة للرّؤى الثقافويّة في فهم تشابه واختلاف سيرورة نتائج التّحوّلات، لكن هذا لا يعفينا من مقارنة نوع التّحولات الّتي عرفها الرّأسمال المعرفيّ والفكريّ الثقافيّ الرمزيّ على مستوى البنيات التعليميّة والأدبيّة والفكريّة الفلسفيّة والعلميّة والثقافيّة عموما في تفاعله مع المعطيات الماديّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة في العبور إلى الحداثة كما رصدها وحللها بتفسير نقدي المفكر عصام الخفاجي. أي أنّ تحوّلات المشرق بعد الثورات وما نتج عن ذلك من مظاهر اهتزاز الأطر الاجتماعيّة والثقافيّة والقيميّة التقليديّة، وما احتضنته حركة تطوّر المدينة من تناقضات ومفارقات وظواهر جديدة، وفي المعايير القانونيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، لم تجد كلّ هذه التّحولات ما يسندها على مستوى المؤسّسات والبنيات التعليميّة والأطر الاجتماعيّة والفكريّة، وعلى مستوى الوعي والنّخبة المنتجة الفاعلة ذات الأفق المستقبلي، المعبّر عن درجة إلمامها المعرفي بجدل التاريخيّ الاجتماعيّ وما تتطلّبه المرحلة الرّاهنة من إجابات موضوعية تؤسّس منطلقاتها في الحاضر بعيدا عن المتخيّل الماضوي المجيد.

فإذا كان الباحث يقارن باستمرار بين المشرق وأوروبا، وبشكلّ خاص ومميّز بين الواقع الاجتماعيّ التاريخيّ المشرقيّ والواقع التاريخيّ الفرنسيّ في كلّ ما يتعلّق بصيرورة العبور إلى الحداثة في حقولها الماديّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة فإنّه يهمل الإطار الفكري المعرفي المؤطّر لهذه التّحولات في كلّ من المشرق وأوروبا. بمعنى هل هذا التّشابه في المسارات والنّزوعات الكونية يعفينا من رؤية مدى تشابه أو اختلاف البنيات الأساسيّة الإيديولوجيّة في مستويات المعارف والوعي والمؤسّسات الحديثة وما يؤسّس لها تعليميا وفكريا وثقافيا وتقنيا؟ فنحن إذا عدنا مثلا إلى هذه المستويات كما تناولها ألكسي دوتكفيل في دراسته للثورة الفرنسيّة نقف على الفرق الشّاسع ليس فقط على مستوى المضامين المعرفيّة والأدبيّة والفكرية الّتي كانت تشكلّ التمثيل الإيديولوجي لتحوّلات الثّورة، أو لتحوّلات العبور إلى الحداثة، بل أيضا على مستوى الرؤى الجذريّة في التّعبير عن التّحوّل العميق إلى الحداثة، بنوع من القطع والحسم مع الماضي في بنياته الماديّة، وروابطه الاجتماعيّة، وفي الأسس الرمزيّة والرؤى وأنماط التّفكير والدّلالات والعلاقات،” يعتقد الجميع أنّ من الملائم إحلال القواعد البسيطة والأوليّة، المستمدّة من العقل ومن القانون الطبيعيّ، محلّ الأعراف المعقدة والتقليديّة الّتي تنظم مجتمع زمنهم.”60 في الوقت الّذي كان المشرق يتعثّر تحوّلاته إلى الحداثة في شروط معرفيّة ماضويّة بالأساس، وفي مستويات تعليميّة متدنية غارقة في الأمّية والجهل، وبمعزل عن حاضنة معرفيّة فكريّة لنخبة من أهل الفكر والأدب، كما هو الشّأن في الثورة الفرنسيّة، حتّى تشكلّ براديغما جديدا للعبور إلى الحداثة .” لم يعد بمستطاع أحد أن ينازعهم- الكتاب- حول هذا الدور. والحقيقة أنّ الارستقراطيّة في عنفوانها لا تقود المصالح العامّة فحسب، إنهّا توجّه الآراء أيضا، وتقدّم الموقف للكتاب، وتضفي الشرعيّة على الأفكار. وفي القرن الثّامن عشر، كان النبلاء الفرنسيون قد فقدوا تماما هذا الجانب من سيطرتهم، ولحقت الثّقة بهم بمصير سلطتهم: إنّ المكان الّذي كانوا يشغلونه في حكم العقول صار شاغرا، وكان بمستطاع الكتاب أن ينطلقوا إلى ذلك المكان بكلّ حريّة وأن يملأوه وحدهم بلا منازع.”61 لم يكن هذا ليحصل لولا التّحولات الّتي مسّت البنيات التعليميّة، والوعي والرأسمال المعرفيّ والفكريّ الثقافيّ الرمزيّ في أوروبا، حيث ظهرت منذ القرن الخامس عشر ثورة تعليميّة فكريّة فلسفيّة الّتي تخطّت حدود الفكر الأوروبي إلى محاولة الإلمام بالكثير من التراثات الأخرى، وفي هذا السّياق برزت الدراسات الاستشراقيّة والموسوعات. لهذا ليس غريبا أن يكون لهذا التّحول النّوعي المعرفيّ الفكريّ الإيديولوجيّ انعكاس فاعل على المستوى السياسيّ الاقتصاديّ والصناعيّ في العبور إلى الحداثة. في الوقت الّذي استمر المشرق رغم تشابه المسارات في التّحولات الاجتماعيّة الاقتصاديّة في نكرانه للواقع، فقد ظلّ سجين متخيّل عصر نهضة لم يكن له أساس تاريخي اجتماعي معاش في تمثيل التّوسط الإيديولوجيّ لتحقيق التّحول البرجوازي الحداثي المؤهّل للتطوّر الرأسماليّ. صحيح بأنّنا كنّا نتشابه في الكثير من المعطيات الانتاجيّة لكنّنا كنا نختلف في درجة وعي العالم في لحظته التاريخيّة ومرحلته الحضاريّة، وما يتطلبه من رؤى مستقبلية بفضل رافعة التعليم والفكر والثّقافة وكلّ ما يندرج في أفق الرأسمال الفكر الثّقافي  بتعبير بيير بورديو. أتّفق مع الكثير من المعطيات المعرفيّة والمنهجيّة النقديّة الّتي تمكن الباحث من طرحها برؤية عميقة تتجاوز الكثير من البديهيات الإنغلاقيّة الّتي سادت زمنا طويلا بتعبيرات إيديولوجيّة سياسيّة مختلفة يجمعها العداء الأحادي للغرب والتّنصل من مسؤوليّة واقع التّخلف الّذي نرزح تحت وطأة عذاباته في كلّ المجالات والقطاعات، وفي كلّ مستويات الحياة الاجتماعيّة، كما أرى  خلاصات  ونتائج المفكر الباحث منسجمة مع فرضياته ومنهجيّة صياغاته العلميّة. صحيح أنّ بلداننا كانت لها النزوعات الكونيّة نفسها، مع تشابه كبير في المستويات الماديّة، إلّا أنّ مستويات التطوّر المعرفي  التعليمي والفكري الثقافي  كان لها الكثير من الوزن في إنتاج النّزوعات والاتّجاهات والتّطلعات نحو التطوّر من خلال تثبيت مكتسبات التّحول البرجوازي القانونيّة والسياسيّة وجعلها واقعا ملموسا في علاقات الإنتاج الاجتماعيّة ممّا عمل على تعظيم وتوسيع فرص التّطوّر الرأسماليّ.” وإذا نحن فكرنا الآن في أن هذه الأمة الفرنسية نفسها، الغريبة إلى ذلك الحدّ على شؤونها العامّة والمحرومة من الخبرة، والمعرقلة إلى ذلك الحدّ بفعل مؤسّساتها، والعاجزة إلى ذلك عن إصلاحها، كانت في الوقت نفسه في ذلك الحين، بين كافّة أمم الأرض، الأمّة الأكثر ثقافة والأكثر عشقا للأدب، فإنّنا سنفهم بلا صعوبة كيف صار الكتاب هناك قوّة سياسيّة وانتهوا إلى ان يكونوا هناك القوّة السياسيّة الأولى.”62

نشير إلى هذه الحلقة المفقودة في الكتاب ونحن نستحضر بأنّ العامل الاقتصاديّ في تعبير ماركس وأنجلز ليس اقتصاديا خالصا لأنّ السلعة لا تكتسب قيمتها من طبيعتها المادية، بل “علاقة اجتماعيّة معينة بين النّاس تكتسي عندهم شكلّا خياليا للعلاقة بين الأشياء. “63إنّ العامل الاقتصادي ليس محدّدا وحيدا، بل يكتسب هذا الطّابع انطلاقا من علاقة جدليّة من التّرابط والتّفاعل، وفي هذا الصّدد يقول أنجلز في رسالة إلى بلوخ 1890 ” العامل المحدد في التّاريخ حسب التّصوّر الماديّ للتّاريخ وفي نهاية الأمر إنتاج وإعادة إنتاج الحياة الواقعيّة لم نجزم قط أنا وماركس أكثر من هذا فإذا شوّه أحدهم هذا الموقف معتبرا أنّ العامل الاقتصادي هو العامل المحدّد الوحيد فهو يجعل منه جملة فارغة مجرّدة غائبة. الوضع الاقتصادي هو القاعدة ولكن مختلف عناصر البنية الفوقيّة…تفعل أيضا فعلها في مجرى الصراعات التاريخيّة وتحدّد شكلّا بطريقة بارزة مسيطرة في حالات كثيرة.”64

ومن جهة أخرى نرى نوعا من القلب المعكوس في المنهجيّة النقديّة عند الأستاذ عصام الخفاجي فهو ينتقد بصرامة علميّة، وهو محقّ في ذلك، الكثير من التّصورات والطروحات النظريّة والممارسات السياسيّة الّتي تعلّق خيباتها وهزائمها على الآخر، خاصّة الغرب الاستعماري والإمبريالي، منبها إلى ضرورة تحمّل مسؤوليّة إنتاج معرفة بالواقع الحيّ في بنى تركيبه الاجتماعي وما يعتمل فيه من صراعات وديناميات، لكن في هذا الإعلاء من قيمة المسؤوليّة الداخليّة لما نعيشه ونتخبّط فيه من هزائم وأزمات يمكن أن يبرئ الخارج من قسط مهم من مسؤوليّة وضعنا الرّاهن، ولنا فيما يحدث اليوم في العراق وسوريا …أكبر دليل ماديّ على ضرورة توسيع المنظور ورؤية كلّ الوجوه بدل إعادة إنتاج النّقد المعكوس. فكما أنّنا في أمسّ الحاجة إلى الأخذ برؤية ومنهج متعدّد الأبعاد النقديّة، أي دون الاكتفاء بمنهجيّة أو مقاربة وحيدة، بدءا بحساب نقدي عسير مع الذّات، في مسؤوليتنا، إزاء الوضع الكارثي الّذي نرزح تحت مآسيه، لكن دون أن ننسى أنّنا جزء من مصالح الآخرين الّذين لا يكفون عن إعادة إنتاج الأشكال السياسيّة المكرّسة لواقع السّيطرة والهيمنة ضمانا لأهدافهم ومصالحهم.

********

الهوامش:

53-ص 562.

54-ص 564.

55- ص 567.

56-ص 584.

57-  ص 273.

58-ص 289.

59- ص 273.

60- أليكسي دو تكفيل: النظام القديم والثورة الفرنسيّة، ترجمة: خليل كلّفت، المركز القومي للترجمة، ط1، س 2010، ص 268.

61 ص 272.

62- ص 276.

63 – كارل ماركس: مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، ضمن كتاب سوسيولوجيا الثقافة، الطاهر لبيب، ص30.

64 – ماركس وأنجلز: الأعمال المختارة ضمن كتاب سوسيولوجيا الثقافة، الطاهر لبيب، ص 33.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق