أوفيليا

 

إهداء

إلى هاملت

العَالِق في دَهاليز البَطريركيَّة

مِن تجرِبَتي المائيَّة

 

(مُقدِّمة)

دَفعتُها في قاربٍ صَغيرٍ

في ثَلمِ هذا النَّهر

دونَ خجلٍ أو خوفٍ

مِن أن يَراني أحد

أو أنْ أمسَكَ مُتلبِّسةً بالجَريمة.

دفعتُها هَكذا ووارَيْتُها الماء

لأنّها كانَت شبه نائمة

أو إنْ شِئتم شبه مائتة

وأنا لم أعُدْ أقوى على إزعاجِها

ولا إيقاظِها أو حتَّى اللعبِ مَعَها.

دفعتُها هكذا ووارَيْتُها السَّحاب

لأنّها كانتْ مَدفوعَةً دوماً

وأنا لم أعُدْ أقوى على هزِّها أكثر.

رحلَتْ كما رَحَلَ مُوسَى

رُبَّما هي أيضاً كانَتْ تنتظرُ أحداً ما؛

ابنةَ فِرعَوْن أو الـمَسِيح

لينشُلَها

ولم يأتِ أحد.

رحَلَتْ في زورقٍ صَغيرِ

ولنْ تعودَ أبداً كمَا كانَتْ.

وأنتَ عَليكَ أنْ تَرحَلَ أيضاً

فلا فائِدةَ منَ الانتِظَارِ أكثر.

 

(النّبوءَة)

البارِحَة استحمَمْتُ بدَمِي
البارِحَة استحمَمْتُ بثيابِي
كانَتْ لي صَديقة

هيَ الأخرى استَحَمَّت بالدّم
ولا أدري عنهَا شيئاً الآن.
هل استَفاقَتْ؟
هل أيقنَتْ؟
هل عَاينَتْ وَجْهَ الله؟
والآن أعاينُ وجْهَ الحَلّاج الـمُنير
عندما استَحمَّ هو أيضاً على خشبةِ الصَّليب
لا لشيءٍ إلّا لأنّهُ الحَلّاج
له بَصْمةُ السَّماءِ للأرض
وعلى وجهِه إكليلٌ مِن غار
تسرْبَلَ في مُحيّاه حبورُ شوقٍ
أخذَ يتفتّقُ للقياه
وصوتُ حالِه كحَالي يقول:
استَحمَمْتُ بالدِّماء بثيابي
وكانَتْ سباحَةً مُبارَكة
استَحمَمْتُ بالشَّوق
استَحمَمْتُ بالعِشق
بوهجِ الحُبّ الـمُستنير

فوقَ جَسَدي العابِر
هكذا كُنّا
وهكذا كانَ القِران
بلونِ القمَرِ الأحمَر
والآن أبحثُ عن تبريزي
لأنّي أعلَمُ أنّهُ الشَّمس.
كانَ هطولاً بلونِ البنفسج
صارَ هطولاً بلونِ البنفسج.

 

(الزَّفاف/القبر)

ولِدْتُ مِن القمرِ الأحمرِ الكبير
على الجنبِ اليمينِ من جَسدِكَ يا حبيب

وكانتْ وِلادة ً قدَريِّة
ولدتُ من عَينيك يومَ اكتنزَ القمَرُ في وجنتيك
قلمي يسيلُ على شِراعٍ من صُنعِ يديك
ولِدْتُ في ليلةٍ قمريَّة
وكانَ لونُ أهدَابِها من لونِ شَفتيك
بطعمِ التّوتِ البَرّي والعَقيق
قصيدتي عُريٌ استحَالَ سمفونيَّةً
اختلطَتْ في حُبورِ مَا كانَ وكُنّا
حروفُها تعرّشَتْ مِثلُ داليةٍ

وبحرُها مِنْ ذهبٍ خالصٍ
جاعلاً من أحشائي بيتاً للعناقيد.

 

 (العازريَّة)

وسَألتُ القمَرَ الأحمَرَ عنكَ،
قالَ إنّكَ نازِف.
وتبحّرتُ باللّيلِ طويلاً
أرصدُ صوراً لنا
قالَ إنّكَ مُسَافر.
وهَجَرتِ الليلكةُ رَسْمَها
لـمّا عَرفَتْ أنكَ نادِم.
وسَمِعْتُ الـمَطرَ يَسقُطُ
لؤلؤةً لؤلؤة
كمَا لو كَانَ يُقامِر.
وسألني الحَارِسُ عَنّا
قلتُ لا أعرِف
رُبّما هوَ حائِر.

 

 (الهاملتيّه)

اوه-فيليا

يا لجذوَةِ الحُبّ

يَهمِسُ مُستعِراً

في عيونِ الطّبيعة

وممرّاتِها الأنثويَّة.

اوه-فيليا

تسْري في أعناقِ الشَّجر

تلاطفُ أعوادَ الخيزران

مثل ترنيمةٍ مُحمّلةٍ بندًى

مِن حَدائقِ الشَّجن

فتقبّلُ وَجه مَذبحٍ

تَوسّطَ خِلوةً

تحوّلَتْ إلى مَأتم.

اوه-فيليا

هكذا تكونُ تَهليلةُ الكون

عندمَا نقعُ في الشَّبكة الواهِية –

من مَقطعين –

كمنْ يَستعيدُ صدى

من نظرةِ ناركيسوس الجليديَّة

في الـمَقطعِ الأول

ويعدو خوفاً من الإلهة القمريَّة

وقد أصبحَ فريسةً للكِلاب

في الـمَقطعِ الثاني.

استمعْ جيداً إلى غنائها

يتناغمُ مع الكلّ

يَطفو ثم يَعلو

يُداعِبُ عِفّتنا

على إيقاعِ النيمف

فنسدِلُ أقنِعتَنا

لئلّا يُخدشَ حياؤنا

على اعتبارِ أنّنا نجزَع

و نخافُ الله.

لا تحسَبْها اختارَتْ حلّاً سَرِيعاً

ففي سُكونِ نومِها

وتوقيتِ انسِحَابها

لغاتٌ وألغازٌ لن تعرِفَ عَنها شيئاً

لكنَّها سَتبوحُ بها

وحينها لنْ يكونَ عليك

سِوى الاستسلام

واستِلام الهَديّة.

هكذا كانَ الجسد

ورقتَها الأخيرة

لتعلنَ عِصيانها

على هزائِمكَ الـمُتتالية

وخذلانِ هذا العَالم.

لتخُطّ رِسَالتها

بماءِ هذا الكون

حِبراً وحَبلاً سِريّاً

لا يفهَمْه سِوى الشّعراء والأطفال

لتكشفَ وتكتشفَ هُويّتها

مرّةً وإلى الأبَد

فتتقلّدَ أسراره

الـمُتلاطَمة

وتُصبحَ أمينة

الـمُستودَع الكوني

حارسةَ الكائنات

المرئيّة وغيرِ المرئيّة

وجميعَ العوالم

وسيّدةَ العُبور

شفيعةَ الـمُحبّين

والـمُنتحرين.

هكذا وجدَ الخلودُ

سريرَه الوَردي

على شفتيها

النحيلتينِ الباردتين.

وهكَذا ودّعَتْ ما كانتْ عليه

الفيليا في هيئةٍ بشريَّة

وأمسَتْ رُوحَ الماء
روحَ الأنثى الكونيّة.

 

(الخزان الجمعي)

هلّا نظرتَ إلى عينيها

هناكَ يتوقّفُ الزّمان والـمَكان

إلى حِين

هلا تمعّنتَ المياهَ الـمُحيطةَ ببؤبؤ العَين

المِياه الـمُحيطة بجسَدِها النَّحيل البارِد

هناكَ يَخبو وجودكَ ويَنعَدِم

الوجودُ بمعناه الضيِّق.

للميّتِ أيضاً نبضٌ آخر

وعِلّةٌ أخرى

يتلاعَبُ بوجودِكَ

ويَستهزِئ بكَ

ويَملؤكَ بِمَا كانَ وما سَيكون

هكذا كانَ في البدء:

العَمَاه

المِياه الأولى

والكونُ حبيسُ فلكٍ خَشَبيّ

في المِياه الأمينوسيِّة

رَهْنُ الـمَجهول

تُرَاه مَخاضُ مَنْ كَان؟

هل ولَدَتِ المِياه الخَالق؟

ومَنْ دَعا الأشياءَ بأسمَائِها؟

لا عَليك

لقدْ جَمعَنا الـمَاء تحتَ سقفٍ واحد

رَغماً عنَّا

ورُبّما نكونُ قطراتِ الدَّمعِ

في مَجرى عيونِ الخليقة.

علينا أنْ نثقَ بالسَّاعةِ الكونيّة

لأنَّه بِها اجتمَعْنا

وإليها رَجِعْنا.

اقترِبْ

اقترِبْ أكثر

وتحسَّس الـمُحيطَ جسَداً

تذوّق الـمِلحَ تحتَ لِسَانكَ

يحرُقُ شفتيكَ

واستسلمْ

دعِ الـمَاء يُوحِ إليكَ بمَكنوناته

من خَلائقَ وعُزلة

هل يتحقّقُ النَّدى من اجتمَاعِ الـمَاء والـمِلح؟

وهل هذا ما نحنُ عليه أو ما سنؤولُ إليه؟

هل ثمّةَ مِلحٌ في قطراتِ الـمَطر

مثلَ حَبّاتِ الدّمع؟

ولماذا تُلِحُّ على تناولِ الثلج وتتجنّبُ عَصيرَ السّماء؟

قد يكونُ الثلجُ المَنَّ في الصَّحراء

لكنّ الـمَطر، الـمَطر هوَ كلُّ ما لكَ لترى وجهَكَ

الـمَطر حَيثُ تغتَسِل وتنسَى نفسَكَ

الـمَطر حيثُ تخضَع وتنغمِر

لكنَّ الثلجَ ليسَ كذلك،

الثلجَ ليسَ كذلك.

 

خاتِمَة:

متلْ مُوسَى وقتْ زتّو بالمي

كانْ بحاجِة لفرصَة تانية

لحتّى يشقّ البَحر الأحْمَر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق