ذكرى ولادة “عرار” ورحيله: شاعر العبث والحرية واللذة الهادرة /  صقر أبو فخر

قبل مئة وعشرين سنة، وبالتحديد في 25/5/1899، شهدت قرية صغيرة في سهل حوران تدعى إربد ولادة شخصية فريدة وغريبة كأنها هابطة من كوكب مجهول هي مصطفى وهبي التل. وقد اشتُهرت هذه الشخصية في ما بعد باسم عجيب هو “عرار”. وقبل سبعين سنة، وبالتحديد في 25/5/1949، توفي مصطفى وهبي التل، ودُفن في إربد التي باتت بلدة ضمن أراضي المملكة الأردنية الهاشمية. واليوم، بعدما صارت إربد مدينة، ها هي تحتضن رفات هذا الشاعر ومتحفاً باسمه. ولعل مصادفات التاريخ وتوافقات وقائعه هي التي جعلت يوم ولادة هذا الشاعر هو نفسه يوم وفاته (الوحيد الذي جعل ولادته في سنة 1897، لا في سنة 1899، هو “البدوي الملثم” يعقوب العودات، في كتابه “عرار شاعر الأردن”، عمان: الأهلية للنشر والتوزيع، 2009).
كانت حياته، وحياة والده أيضاً، سلسلة من الاضطرابات والمشكلات المتمادية التي تركت فيه ندوباً وجروحاً لم تلتئم؛ فوالده صالح المصطفى اليوسف التل رمى بنفسه مرة في بئر رومانية ليتخلص من نكد زوجته مريم الجابر المحيلان، فأنقذه قريب له حين أخبره وهو في قعر البئر أن جداراً سقط على زوجته، فخرج ليجدها مهشمة لكنها في قيد الحياة، فطلقها ثم تزوج غيرها. وعرار نفسه تزوج في 25/11/1918، حين كان مقيماً عند عمه علي نيازي التل في مدينة عربكير، منيفة بنت ابراهيم بابان التي أولدها، قبل أن يطلقها، إبنه وصفي الذي صار رئيساً

للحكومة الأردنية، واغتالته منظمة أيلول الأسود أمام فندق شيراتون في القاهرة في 28/10/1971. وفي سنة 1926 تعرَّف إلى سيدة حسناء تدعى شوما حرب الدحيات وتزوجها. وفي اليوم التالي لزواجه توجه إلى قرية أبو مخطوف للفصل في قضية عشائرية اشتجرت بين آل الهباهبة والسعيديين. ورفضت زوجته شوما أن ترافقه إلى مقر عمله الجديد، فأرسل إليها وثيقة طلاقها، وتزوج بعدها إمرأة تدعى عوف. ولما كانت زوجة والده تسيء معاملته، خصوصاً في مرحلتي الطفولة والفتوة، اتخذ لنفسه لاحقاً لقب “عرار” لأنه وجد في نفسه مثيلاً لعرار بن عمرو الأسدي الذي كانت زوجة أبيه تؤذيه بالكلام والسلوك (أنظر: أحمد أبو مطر، عرار الشاعر اللامنتمي، دمشق: دار صبرا، 1987).

شيء من سيرته
درس “عرار” في مكتب عنبر بدمشق أربع سنوات (1912-1916) بعدما أنهى في الأردن دروسه الابتدائية، ثم انقطع عن الدراسة سنتين (1916-1918) لخلافات مع والده. وعندما عاد إلى دمشق، وجراء تطاوله على الشيخ عبد الجليل الدرة، فُصل من الدراسة، فذهب إلى بيروت، وحاول متابعة دروسه في المكتب السلطاني. لكنه عاد إلى دمشق في سنة 1919، والتحق مجدداً بمكتب عنبر. وفي 28/12/1919 تظاهر الطلاب مطالبين بإقرار نظام الفتوة والتدرب على السلاح. وتعطلت مدارس دمشق أربعين يوماً حتى أُقر ذلك النظام. غير أن السلطات (الحكومة العربية الفيصلية) قررت نقل خمسة ممن قادوا التظاهرات والإضراب، إلى حلب، وكان من بينهم عرار وصديقه محمد صبحي أبو غنيمة. وفي حلب نال الثانوية في حزيران/ يونيو 1920. وفي ما بعد درس القانون دراسة خاصة، وقدم امتحاناً في ذلك ونجح، ثم التحق بالقضاء في الأردن، وتدرج في سلك الوظيفة حتى صار مساعداً للنائب العام في عمان.
بدأ حياته الوظيفية في سنة 1923 حين عُين حاكماً إدارياً لبلدة وادي السير، لكنه عُزل من منصبه، ونُفي إلى الحجاز بعدما اتهمته الحكومة بالمشاركة في ثورة الشيخ سلطان العدوان. وعندما أُعفي عنه في سنة 1925، عُين حاكماً إدارياً لبلدتي الشوبك ووادي موسى، وطُرد مجدداً إبان الاضطرابات التي وقعت في وادي موسى ضد الحكومة. وهذه المشكلات التي واجهت مصطفى وهبي التل، وغيرها أيضاً، جعلت هذا الشاب الذي كان يفاخر بحورانيته، والذي شارك في النضال السوري (والفلسطيني لاحقاً)، ينقلب إلى العصبوية الأردنية. ولعلنا نعثر على السبب في ما يلي: مع تأسيس إمارة الأردن والجيش العربي (الأردني) في سنة 1920 لحماية قافلة الحج الشامي وقوافل الحجيج من اسطمبول، وكذلك سكة حديد الحجاز،

تولى

السوريون ومعهم الفلسطينيون وبعض اللبنانيين، إدارة مرافق تلك الإمارة الجديدة. فأول حكومة في الإمارة، أي حكومة المشاورين ترأسها مناضل سوري من أصل لبناني هو رشيد طليع. وتولى السوري رضا الركابي رئاسة ثاني حكومة. وتتالت أسماء مثل مظهر رسلان (وزارات العدل والصحة والمعارف) وحسن الحكيم (المالية)، علاوة على خير الدين الزركلي. ويبدو أن كثيراً من رؤساء حكومات الأردن من أصول سورية أمثال طاهر حكمت والكباريتي والذهبي وآخرهم الدكتور عمر منيف الرزاز. لكن، مع عودة كثير من الشبان الأردنيين من الدراسة في دمشق وبيروت، بدأ هؤلاء يطلبون الوظائف لهم، ووجدوا أنفسهم أمام مزاحمة الشوام، فظهرت بينهم نزعة أردنية ما كانت معروفة في السابق، وكان مصطفى وهبي التل أحد أركانها. وهكذا ارتد “عرار” من شاب يُطرد من مدارس دمشق لمواقفه القومية ضد الأتراك والفرنسيين، إلى صاحب موقف إقليمي مفاجيء، ويرفع شعار “الأردن للأردنيين” تحت إكراه التحولات السكانية وطوفان التجار الشركس والموظفين غير الأردنيين الذين وفدوا إلى إمارة شرق الأردن مع بداية تأسيسها أمثال اللبناني فؤاد الخطيب الذي تولى منصب وكيل وزارة الخارجية في سنة 1926. لكن عرار لم يلبث أن نقم على الأردن جراء النفي والطرد والسجن، ونظم قصيدة هجائية نقتطف منها التالي:بصرمايةٍ بِعْهُ فما هو موطني
ولا أهلُه أهلي ولا أنا أردنيكانت عمان أثقل من جبل أُحُد على صدر عرار، فراح يهجوها بقسوة لا تستحقها مثل:لولا الهوى لم أُرِق دمعاً على طللٍ
ولا حننتُ إلى أطلال عمانِ
الحمد لله ليست مصر لي وطناً
وأشكر الله إني لستُ عمّانيوقال في غير قصيدة أخرى:عمّان يا بلدَ الدعارة
خُنتِ الأبيَّ فلستِ دارَه
ما كنتِ مكة في اليقين
ولست ِبجلقَ في الحضارةومن أشعاره الهجائية الهاذية الأبيات التالية:البردُ إربد والعمى عمانْ
والسلطُ سخطٌ والجفاء معانْ
ومادبا مزبلة ومكبها ذيبان
والكرك كرم وأهلها شجعان
وقد نُسبت إلى إبراهيم طوقان أبيات مشابهة مثل:
السلطُ سخطٌ والعمى عمانْ
ومادبا مزبلة ومكبها ذيبانْ
ومع ذلك رد عرار على إبراهيم طوقان بقوله:
لا السلطُ سخطٌ ولا العمى عمانْ
وللكلب طوق ولإبراهيم طوقانْ
كتب عرار مقالات سياسية في مجلة “الكرمل” الحيفاوية وعدداً من القصص التي كان يوقعها باسم “ابن جلّا” أو “مناصر”، كما كتب في جريدة “الأردن” (عمان) وفي “الميزان” و”الناقد” الدمشقيتين، فضلاً عن مقالتين في سنة 1925 نُشرتا في مجلة “مينيرفا” اللبنانية التي كانت تصدرها ماري يني عطا الله، نقد فيهما ترجمة أمين نخلة لرباعيات الخيام. وكان مصطفى وهبي التل قرأ الرباعيات بترجمة وديع البستاني الصادرة في سنة 1912، فأغرم بها، وتعلم الفارسية في سبيل ترجمتها، وعكف في سنة 1922 علىى ترجمتها مستنداً إلى معرفته الجيدة بالتركية، وإلى قليل من الفارسية. وكان قرأ الرباعيات بالتركية بترجمة حسين دانش ورضا توفيق، وترجم عرار 155 رباعية منها. وحسين دانش شاعر إيراني عاش في اسطمبول ودرَّس الأدب في كلياتها، وترجم 397 رباعية إلى التركية. أما رضا توفيق فهو أديب تركي كان يتقن التركية والفارسية والعربية.اللذة والحيرة والغجر
مصطفى وهبي التل، مثل عمر الخيام، صوفي إباحي، وباحث في الوقت نفسه عن يقين. ويقول عن نفسه: “إني رجل طروب، وإني في حياتي الطروبة أفلاطوني الطريقة، أبيقوري المذهب، خيّامي المشرب، ديوجيني المسلك، وإن لي فلسفة خاصة هي مزيج من هذه المذاهب الفلسفية الأربعة” (من رسالة “أصدقائي النَوَر”. راجع: البدوي الملثم، عرار شاعر الأردن، المرجع السابق، ص 161). واللافت في شعر عرار تحويله موضوع الغجر، أو النَوَر، إلى موضوع فني. بل أبعد من ذلك، حوّل حتى مسلك السرق الذي تميز به النور إلى موضوع شعري، وهو ما يكاد يندر في الشعر العربي في القرن العشرين. فالخمر لدى عرار يعادل وقوفه ضد التقاليد البدوية السارية. والغَجر يماثلون الحرية والانطلاق والتفلت من القيم الموروثة، فهم شعب من

النار والريح: شعب من النار لأن لديهم جماراً من الرقص لا تكف عن الاشتعال؛ وشعب من الريح لأنهم ما برحوا منذ تاريخهم القديم المجهول يتنقلون في جميع الأمكنة، وإلى جميع الجهات، فلا يهجعون في مكان واحد. إنهم شعب لا يقيم أي اعتبار للمكان، ولا يحترم حدود الدول. وترحالهم الدائم هو نوع من النزوع إلى إفناء الزمان. وهم، في بلاد الشام، يسمّون الزط حيناً والقرباط أحياناً. ومن كلمة الزط اشتُقت كلمة “جت” الأوروبية، ومنها Gitane أي الراقصة، وصورتها المشهورة ماثلة على علب سجائر الجيتان الفرنسية. ومنها أيضاً كلمة Gitano بالاسبانية التي تعني الراقصة الغجرية. وقد أبدع الأديب الفرنسي بروسبير ميريميه، أيما إبداع، في تصوير حياة الغجر ونزوعهم الدائم إلى الحرية في روايته المشهورة “كارمن”.
سُحر عرار بالنساء الغجريات، وكثيراً ما أطلق عليهن صفات عابثة ولاهية مثل “مكحلات النَوَر”، وظبيات وادي السير، وغزلان وادي اليابس، وصبايا وادي الشتا، وهي الأماكن التي كان الغجر يضربون خيامهم في أنحائها. وكان يقول إن تلك المضارب هي “كباريهات متنقلة” تشبه حانة إسحق السماوي في عمان ونادله ممتاز السماوي، أو حانة جمال قعوار في عمان أيضاً، أو بار أبو ناصيف. ومن الشخصيات التي أثارت الأخيلة في أشعار عرار الشيخ عبود النجار، وأصله من الطائف في الحجاز، الذي قدم مع الأمير عبد الله بن الحسين الأول، وصار

قاضياً شرعياً، وكذلك الهبر، وهو نوري مُلحِم (أي كثير اللحم) يدعى محمد الفحل (لمزيد من التفصيلات يمكن الرجوع إليها في: زياد صالح الزعبي، مصطفى وهبي التل، على هامش العشيات، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999، وزياد الزعبي، ومصطفى وهبي التل: قراءة جديدة، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2002).* * *عاش عرار عمراً قصيراً، لكنه كان زاخراً بالغرابة والتفلت، وتسربل دائماً بروح عاصفة وحواس متحفزة جنحت بأيامه نحو عالم عابث تتنفس الحواس فيه بحرية ونشوة. ولم يكن الشعر لديه غير نافذة للهروب من رتابة العيش في نطاق القبيلة، ووسيلة للتحرر من إيقاع المكان، وصوت لروحه المتوحشة. لذلك لم يلتفت كثيراً إلى مفرداته وإيقاع أشعاره وتجانس الحروف وأصواتها؛ فشعره هو مرآة حياته يرسله تلقائياً بلا تكلف، وبلا عناية وبلا تشذيب. ومن قصائده في الخمر التي أثارت الإعجاب والغضب في آن الأبيات التالية:

إنها رجسُ ولكن ربَّنا
شأنه عفو وإغضاء وصفحُ
وبفقهِ الدنّ متنٌ نصّه
هامشُ الكاس لمتن الروح شرحُ
فدعِ الشيخَ على منبره
يعظُ الناس وينهاهم ويلحو
قدّر الله علينا شربها
ليس خطاً قدرُ الله فنمحو

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق