«أزمنة الرصاص» في المغرب تشعل حرب المذكرات السياسية؛ بحثًا عن الحقيقة الضائعة

تحوَّلَ الانهماك في إصدار المذكرات، السياسي منها على وجه الخصوص إلى قضية تمارس طغيانها على المشهد الفكري والسياسي المغربي. لم يعد إصدار المذكرات يقتصر على الأدباء فقط، إنما امتد ليطول القادة والزعماء السياسيين الذين لم يسبق لهم الانغمار في ممارسة الكتابة أو الإبداع، وهو ما قاد إلى «حرب كلامية»؛ كل طرف فيها يدعي الحقيقة والموضوعية. والواقع أن هذه الوفرة لا يمكن عدّها عاملَ سلبٍ، من منطلق كون التعدد في بيان واستجلاء الحقيقة، وبخاصة فيما دُعي بـ«أزمنة الرصاص»، يقود إلى كتابة التاريخ السياسي لمرحلة يطبعها الالتباس والغموض لعوامل سنأتي على ذكرها؛ إذ التعدد مفتاح للمقارنة، كما للتأويل؛ بحثًا عن الحقيقة.

بيد أن من يتأمل مستعيدًا ومستقرئًا تاريخية «أدب المذكرات» في المغرب، يستوقفه متن واسع أسهم بالكتابة والتأليف فيه بداية الفقهاء والعلماء، ومن هؤلاء من كان منخرطًا في الحقل السياسي، إلى الساسة والأدباء على السواء. ويحق أن نذكر من بين الفقهاء والعلماء «محمد داود» الذي صدرت مذكراته في جزأين (على رأس الأربعين/ على رأس الثمانين)، ثم العلامة «عبدالله كنون» في مذكراته الموسومة بـ«مذكرات غير شخصي»، والشيخ «المختار السوسي» في ذكرياته المعنونة بـ«معتقل في الصحراء». على أن الناظم الأساس لهذه المذكرات سرد تفاصيل حياتية دقيقة محددة في الزمن والمكان، إلى ذكر المرجعيات التي أسهمت في تكوين الشخصية ثقافيًّا وفكريًّا. ونجد من بين الذين وازوا بين الانخراط الفقهي والعلمي والسياسي الزعيم والعلامة «علال الفاسي» الذي أصدر مذكراته عن «منفى الغابون»، وهي المذكرات التي وظفها الروائي والقاص «عبدالكريم غلاب» في آخر عمل روائي ظهر له «المنفيون يعودون».

وفي هذا المستوى بالتحديد، ترد مذكرات الفقيه والسياسي « أبو بكر القادري» التي اختار وسمها بـ«مذكراتي في الحركة الوطنية» وتقع في أربعة أجزاء تحقق التركيز فيها على نشأة الحركة الوطنية، إلى المراحل التي قطعتها بحثًا عن الحرية والاستقلال. أما من الساسة الذين نشروا مذكراتهم مبكرًا، فنجد السياسي والكاتب «محمد بن حسن الوزاني» في مذكراته «حياة وجهاد» وتقع في ثمانية أجزاء، ثم زعيم الريف «عبدالكريم الخطابي» وركز في مذكراته على سنوات النفي في فرنسا «مذكرات لا ريونيون»، إلى مذكرات «المحجوبي أحرضان» وصدرت في ثلاثة أجزاء باللغة الفرنسية تحت عنوان: «مذكرات»، ثم مذكرات كل من عبدالرحيم بوعبيد «شهادات وتأملات»، وبنسعيد آيت يدير «هكذا تكلم بنسعيد».

بيد أن ما يثير في هذه التجربة، تجربة كتابة وتدوين «المذكرات»، أننا نقف في هذه المدونة على نماذج أسهم في تأليفها كُتاب جمعوا بين الممارسة الأدبية، السياسية والفقهية، ونذكر من هؤلاء الروائي والقاص «عبدالكريم غلاب» و«عبدالهادي بوطالب» الذي شغل أكثر من منصب سياسي في أكثر من حكومة على عهد الملك الراحل «الحسن الثاني».

إن ما يوحِّد هذه الآثار التي شكلت النواة الأساس لـ«أدب المذكرات»:

أولًا- أن كُتّابها تمرسوا بالكتابة والتأليف. ثانيًا- أن القضايا التي عبروا عنها جمعت بين الذاتي؛ الأدبي والسياسي. ثالثًا- أن اختيار القول وتصريفه في «أدب المذكرات»، تنويع على أجناس قد يكونون انخرطوا فيها. رابعًا- على أن الفورة الحالية في هذا الجنس الأدبي سياسيةٌ أساسًا، ولم يؤثر عن معظم مؤلفيها الانخراط في الكتابة والإبداع.

يقود استجلاء نشأة «أدب المذكرات»، إلى ضرورة تحديد العوامل التي دعت لذلك. من ثم يحسن إيراد عاملين رئيسين. يرتبط الأول بالمتمرسين بالكتابة والإبداع، والثاني بالذين عبروا عن آرائهم ضمن مذكرات سياسية من دون الانخراط في حقل الكتابة.

تعرية الحقيقة قبل انطفاء الحياة
أ _ لقد مثل «أدب المذكرات» للمتمرسين بالكتابة والتأليف، محفلًا تَأتَّى من خلاله ترجمة مواقفهم وآرائهم حول العديد من القضايا كما سلف. من ثم عوض «أدب المذكرات» كجنس أدبي مجاور، «السيرة الذاتية». إذ لم يؤثر عن الكثير كتابة سيرة ذاتية بالتحديد الدقيق، حتى إن الروائي «عبدالكريم غلاب»، توزَّعت تفاصيل سيرته على امتداد أكثر من نَصٍّ روائيٍّ، وأعتقد أن آخرها دل عليه نص «الشيخوخة الظالمة».
المحجوبي أحرضان

ب _ على أن مذكرات السياسيين ممن خبر بعضهم عالم الكتابة، من دون أن يصدر له مؤلف ما، تتحدد عوامله في التالي: أولًا- الموقع السياسي: فأغلب هؤلاء شغلوا مناصب سياسية رسمية أو غير رسمية، أو أنهم انتموا لأحزاب سياسية يمينية أو يسارية، وحال الزمن وتدوين مذكراتهم في حينه. ثانيًا- الموقع الاجتماعي: وتلعب فيه الأخلاقيات دورًا رئيسًا، حيث التكتم على الأسرار وحفظها، يحول دون البوح وكشف المسكوت عنه في الظرف ذاته. ثالثًا- العامل النفسي: ويمثل في نظرنا الأهم؛ إذ إن معظم السياسيين الذين ظهرت مذكراتهم لم يمتلكوا جرأة التعبير في مرحلة حكم الملك الراحل «الحسن الثاني»، خوفًا على حيواتهم ومواقعهم السياسية والاجتماعية. رابعًا- عامل الزمن: ويتجسد في كون من ظهرت لهم مذكرات سياسية تقدموا في السن، وبات يركبهم هاجس خوف من نوع ثانٍ، ويتمثل في الموت، إضافة إلى ضرورة تعرية الحقيقة الغائبة قبل انطفاء شعلة الحياة.

إن هذه العوامل مجتمعةً على تقاطعها وتداخلها، تضع بين يدي المهتمين والمؤرخين كما مر معنا مادة ثرية لكتابة تاريخ الحياة السياسية في المغرب التي تراجعت بشكل فظيع، حيث سادت «الشعبوية» ضدًّا للممارسة السياسية الحقة، فلا يمكن مثلًا المقارنة بين الزعيم «علال الفاسي» و«شباط» (حزب الاستقلال)، كما لا يمكن ذلك بين «عبدالرحيم بوعبيد» و«لشكر» (حزب الاتحاد الاشتراكي). ولقد لعب «المخزن» دوره في الهيمنة على المشهد السياسي وإفراغه من محتواه.
عبدالكريم غلاب

إن السؤال الذي يتولد بناءً على السابق: هل ما يتحقق تلقيه هو تجسيد لـ«أدب المذكرات»؟ وليتحقق تشكيل تصور عن الالتباس الأجناسي، نشير بدايةً إلى الصورة التي جاءت عليها هذه المذكرات سواءٌ للذين تمرسوا بالكتابة أو العكس. من ثم يحق إيراد التصنيف التالي: أولًا- مذكرات في صيغة حوارات. ثانيًا- مذكرات عبارة عن تجميع لكتابات متناثرة. ثالثًا- مذكرات كلف بتدوينها طرف غير المعنيّ بها. فالصيغة الأولى تتجسد في الحوارات المطولة، ويتكفل بإنجازها صحافي أو كاتب، ويجري تبويبها بالاحتكام لمكون الزمن، كما لأهم المحطات الحياتية التي مرت بها الشخصية المعنية بالحديث أو الموضوع، والتي قد تمتلك كفاءة الكتابة والإنجاز. ونمثل بـ: «نصف قرن من السياسة» (عبدالهادي بوطالب)، و«كرسي الاعتراف» (عبدالحق التازي)، و«مسار حياة» (عبدالكريم الخطيب)، و«النضال الديمقراطي في المغرب، رهانات الماضي وأسئلة الحاضر» (إسماعيل العلوي)، و«مذكرات مناضل»، ثم «الصحراء هويتنا» لـ(محمد اليازغي). ويحق القول بأن هذه الشخصيات تبوأت مناصب سياسية وحكومية، وقد يقف وراء اختيارها صيغة الحوار وعدم الكتابة المباشرة، غياب إلمامها بتقنيات كتابة المذكرات، أو تنصلها من مسؤولية الكتابة خوفًا. وتتقاطع الصيغة الثانية والأولى في كون الطرف الموكول له مسؤولية الإنجاز هو غير الكاتب، وتختلف من منطلق أن المعنيّ بالمذكرات يحوز كتابات لم يكن يقصد إلى تجميعها، وبعد تقدمه في السن تولى المهمة طرف ثانٍ. ونمثل بمذكرات «أحاديث في ما جرى» للوزير الأول في الحكومة الانتقالية «عبدالرحمن اليوسفي»، إضافة إلى «شهادات وتأملات» للمناضل والزعيم السياسي «عبدالرحيم بوعبيد». واللافت في التجربتين أن الشخصية المعنية تخبر صنعة الكتابة. وأما الصيغة الثالثة، فنستدل عليها بـ«مذكرات» لـ«المحجوبي أحرضان» وهو شخصية أمازيغية دعيت بـ«الزايغ» ويقصد بها المتمرِّد، وشغل «أحرضان» أكثر من منصب سياسي.
المهدي بن بركة

إن ما يمكن ملاحظته على هذا التصنيف مما يعكس بالفعل الالتباس الأجناسي: أولًا- غياب الاطلاع على نماذج من «أدب المذكرات»، على الرغم من التنصيص «مذكراتّ». ثانيًا- التداخل والتكرار الذي يَسِمُ الوقائع والأحداث، والدالّ على خاصة «النسيان». واقتضى من بعض الشخصيات إرفاق صور بمذكراتهم. ثالثًا- عدم التفريق بين ما يعد «مذكرات» وما يعد «يوميات»، وهو المنزلق الذي سقط فيه الصحافي «محمد لبريني» في مذكراته «الكهف والرقيم». تبقى إضافة مهمة، إلى أن من هذه المذكرات ما كُتب باللغة العربية، ومنها ما دُوِّن باللغة الفرنسية وترجم إلى الإسبانية والإنجليزية.

قضايا وشهادات وتحامل على شخصيات رحلت
يمكن القول بأن المعنى المعبر عنه في غالبية هذه المذكرات، هو معنى سياسي أساسًا، إلا أن طريقة تصريفه لا تتم بطريقة مباشرة، إنما بالانفتاح على قضايا الذات في نشأتها وتكونها وما خاضته من مقاومة وصراعات. من ثم يحق الحديث عن قضايا ذاتية: ويتداخل فيها أدب المذكرات والسيرة الذاتية؛ إذ يَعمِد صاحب المذكرات إلى سرد تفاصيل عن المراحل التي مرت بها شخصيته. والملاحظ أن معظم هؤلاء الزعماء والقادة ينحدرون من أوساط فقيرة، ومنهم من لم يتابع دراسته، إنما انخرط مباشرة في المجال التجاري والصناعي. وقضايا سياسية: وتتحدد في المقاومة. ويمكن تقسيمها إلى شقين: أ- يرتبط الأول بمقاومة المحتل الفرنسي أو الإسباني، وهي مرحلة ما قبل الاستقلال. ب- والشق الثاني بما بعد الاستقلال، حيث الدعوة إلى التغيير: وهي دعوة سادت في السبعينيات ولربما قبل ذلك، متأثرة بالمد الاشتراكي والشيوعي الذي طال أكثر من نظام. والمشاركة في السلطة وإدارة الشأن بما تقتضيه من تغييرات دستورية، إلى إرساء لقواعد مجتمعات مدنية. ولحرص على تثبيت مبادئ حقوق الإنسان، وإشراك المرأة في الشأن السياسي والاجتماعي، والدعوة إلى المصالحة، وما تفرضه من جبر للضرر.
عبدالهادي بوطالب

وتجسد غالبية هذه المذكرات المحن والصراعات التي أدت ببعض إلى الاعتقال وما ترتب عليه من إعاقات وأمراض مزمنة، ثم الموت والإخفاء القسري والاختطاف الذي دلت عليه قضية «المهدي بن بركة» الذي اختُطف من قلب باريس عام (1965م)، لتبقى تفاصيل وخيوط القضية مجهولة بالرغم من مطالب الجمعيات الحقوقية مغربيًّا ودوليًّا بالكشف عن ملابسات الحادث. بيد أن ما يسم بعض المذكرات من سلبيات يتمثل في التحامل على شخصيات وافها الأجل المحتوم، ولم يعد ثمة من يتجاسر على قول الحقيقة بعد ما يزيد على عشرين سنة. ونمثل هنا بتحامل الصحافي محمد البريني على شخصية المفكر المغربي والعربي الشهير محمد عابد الجابري، والوارد في مذكراته «الكهف والرقيم» (2018م): «لم أستغرب حين لمست أثناء المناقشة، أن الدكتور الجابري لم يكن على اطلاع تام فحسب على ما كان يجري في دائرتي اليوسفي والفقيه البصري، وإنما كان شريكًا نشيطًا فيهما، وواحدًا من صانعي قرار الإطاحة بي من دائرة الجريدة. لم يغظني ذلك أية إغاظة. فعابد الجابري كان معروفًا بعلاقته الوثيقة بالفقيه البصري، وبتمسكه به ودفاعه عنه، وباقتناعه بمشروع «الكتلة التاريخية» وبتحمسه له حتى إنه وضع لتلك «الكتلة التاريخية» نظرية متكاملة وروج لها». (ص/187)
عبدالرحمن اليوسفي

والتحامل نفسه يطالعنا في الكتاب/ الحوار الموسوم بـ«الصحراء هويتنا» (2018م) لمحمد اليازغي، وكان كاتبًا أول لحزب الاتحاد الاشتراكي، كما شغل مناصب رسمية عدة، وذلك بخصوص الفقيه محمد البصري أحد قادة الاتحاد. والواقع أن هذه الشخصية لم يُتَحْ لها حق الدفاع عن ذاتها؛ إذ ألبست تهم متعددة في أكثر من مذكرات. يقول عنه: «وهنا أذكر أن الفقيه محمد البصري قدم هؤلاء الشباب إلى معمر القذافي، الذي أراد استعمالهم في صراعه مع الحسن الثاني، عبر تقديم الدعم لهم، سواء بالمال أم بالسلاح»، (ص43)، ويورد أيضًا: «أعتقد أن المتسبب الحقيقي في الدعم الليبي للبوليساريو هو الفقيه محمد البصري، الذي قدم الشباب الفارين من المغرب على طبق من ذهب للقذافي الذي كانت علاقته متوترة بالملك الحسن الثاني، وكان معلومًا صراعهما الخفي»، (ص45).

إن صور هذا التحامل كان يحق الجهر بها في الزمن ذاته، لتتأتى معرفة الحقيقة التي تظل غائبة. والواقع أن هذه المذكرات كلها إنما تعكس صورة عن المواجهات والتطاحنات بين أقطاب اليسار أنفسهم، الذين يدعون للتغيير.

عن مجلة الفيصل

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق