كيف سقينا «الإلحاد» / أحمد الغمراوي وخضر سلمان

بل عن الأرض نتحدث!
يحكي وثائقي الجزيرة، في سبع سنين، قصة التحولات القاسية التي عاشها شبان وشابات مصريات ومصريون بتأثير أحداث ثورة يناير وما تلاها من خيبات. يضع الفيلم، كما لو أن الأمر بديهي، تقابلاً بين من أصبحوا ملحدين، ومن أصبحوا مجاهدين، بصفتهما صيغتين من عدم الوسطية. هذه رسالة الجزيرة، ولا جديد في الأمر بهذا الخصوص، لكن هناك الكثير مما يتوجب قوله انتصاراً لمُستغَلّين أقوياء، واجهوا النَهَمَ الوضيع لكاميرات الجزيرة بقوة الكلمة والموقف، فحدث أنَّ الفيلم الذي بدا كما لو أنه يهدف لتنظيم عملية «رجم» بحق رفاقنا الملحدين، قد تحول إلى قذفة حجر موفقة في عين مجتمع فاسد: كل الذين ظهروا في الفيلم قالوا ما يعتمل في نفوس شبان لا حصر لعددهم على امتداد العالم العربي.

تقول إحدى بطلات الفيلم: «أنا مؤمنة بالثورة… عارف لما حد يقول مؤمنة؟ أول حاجة بتيجي في بالي الثورة… الثورة هي اللي ولدتني… فعلاً أنا قبل الثورة كنت بنت تافهة جداً، مش مهتمة بأي حاجة، مش فاهمة أي حاجة».

يروي الفيلم روايته بطريقة الأفلام الوثائقية الأمريكية الجديدة مثل vice والآخرين، حيث يجب أن نعرف المقدم ونحبه ونتفاعل مع مشاعره، وأن نخوض التجربة بعيون صاحب العمل البريء المندهش. وفي هذا السياق جاء تنظيم عملية الرجم: أن نناقش الشبان «الملحدين» المصريين، ترى هل هم مرضى لنعالجهم؟ ربما، فلا أحد لا يؤمن بالله، والشعب المصري «متدين بطبعه»، بل و«أكثر شعوب الأرض تديناً» حسب إحصائية أميركية اعتمدها الفيلم كمعلومة. هل هم كفرة لنقوم على هدايتهم؟ هل الحل أن نطرح على طاولة النقاش «مشكلة» الإلحاد؟ أم إن تجاهلها كافٍ لنفيها؟

وبين الراجمين الحديثين، لدينا أيضاً من يتفهم «الملحدين» ويشفق عليهم، هم الذين ابتُلعوا في العدمية وانهيار الإيمان وانعدام القيم. وإذن لربما أن الإيجابية الوحيدة للفيلم أنه أحيا نقاشاً عاماً، ومع أن ذلك النقاش لم يكن منتجاً تماماً، إلا أن شيئاً خطيراً حدث، في الفيلم وبه.

غلبت الدوغمائية وانغلاق الأفق على معظم آراء المعلقين على الفيلم، ونخص هنا المعلقين الإسلاميين، لكن نظرة إلى الطريقة التي تعامل بها «مؤمنون» فيهم من هشاشة الإيمان ما هو واضح لكل عين، تخبرنا أنّ مجرد ظهور الملحد، وجوده ووجود كلمته، كان كافياً لتهديد ذلك الإيمان، وبهذا فهو هشّ.

لقد واجه الذين ظهروا في الفيلم مجتمعا فاسداً ومريضاً، واجهوه مرتين ومرات، حين أعلنوا انشقاقهم، وحين أكدوا انشقاقهم، وحين ردوا على الراجمين، ردواً سلفاً: كان الفيلم مزدحماً بالقول، وستحاول هذه المقالة، فضلاً عن الإضاءة على قوة هذا القول سياسياً، ستحاول نقد النقد الذي أحياه الفيلم.

الأربعة، سنّة وإسراء وحسن، وشاب آخر لم يذكر الفيلم اسمه، كان يعمل مع الداعية عمرو خالد: الجميع قادمون من منابت مُحافظة وطبقوسطوية، وسياسياً كانوا متأثرين باتجاهات معينة داخل التيار الإسلامي، ثم انقلبوا على تأثرهم هذا بالخروج جذرياً على الدين، وتقرير الإلحاد والنشاط في مجموعات يسارية.

سنرى في النصف الثاني من الفيلم أيضاً، بالمقابل، ثلاثة من الشبان، منهم إسلاميون مستقلون ومنهم منتظمون في أحزاب إسلامية، هالَهم ما عاينوا من «انهزامية الإخوان» إزاء القمع الأعمى الذي تعرضوا له وكانت «رابعة» ذروته، فانتهى بهم رفضهم للسلمية السياسية الذليلة إلى الجهاد؛ «ده الحل» رافعاً بذراعه الكلاشن، «مش إني أبقى ماسك في درع السلمية، درع السلمية ما بيقيش من الرصاص، أبداً…»، يقول المجاهد الذي قلبُهُ «مساكن شعبية» كما نقل لنا عن أمه، ولم يذكر لنا الفيلم اسمه أيضاً.

أمام «استكانة الإخوان» بعد رابعة، «طلّقَ» الشبان الذين سيصبحون مجاهدين، طلاقاً، «القريةَ الظالمَ أهلُها»، وانتووا الهجرة في سبيل الله: «رسالتنا للنظام المصري لا تحملها الكلمات، رسالتنا مع النظام المصري لا يحملها إلا السلاح»، يقول مروان.

لنقد ما أثمره الفيلم من أفكار، يمكن القول إن من الواضح للجميع ربما، أن النقاشات في أوساط الإسلاميين كانت أدنى إلى الشورى والمزايدة، منها إلى المناقشة الجدية، فالمعلقون الإسلاميون اصطفّوا صفاً، كلٌّ بأسلوبه ومن منظاره، في وجه «مشكلة» الإلحاد، ولنقد الكيفية التي تعامل بها الفيلم مع هذه «المشكلة»: هل من الجيد أنه أثارها، هل أسهم في حلّها. وذلك في عدم احترام صفيق، لحق الإنسان في اعتقاد ما يشاء، وفي اعتبارٍ لـ«ضلالته» ونفيٍ لـطبيعيته.

بذلك لم تُنتج مناقشات الإسلاميين نقداً مفيداً، يستوي في ذلك تعليق رجل الدين المحافظ وجدي غنيم، الذي استنزل اللعنات على كل من أسهم في الفيلم، وتعليق المقدّم الكوميدي أحمد البحيري، الذي أبدى تعاطفه مع هؤلاء الشبان «الضائعين» في متاهة العدمية وانعدام المعنى، واعتبر أن لا ذنب لهم، كما استفاض في إفهامنا كيف يمكن أحياناً أن يكون الجهاد قراراً باطنياً بالانتحار «الحلال»، في معركة عبثية، ويعني هنا الحرب السورية؛ ذلك رغم أن أياً ممن ظهروا في الفيلم لم يكن يحمل ذلك الذي يسميه نيتشه ودولوز «الوجدان السيء» أو «الوعي السيء»؛ إنهم إيجابيون، إثباتيون، متطلعون ومتصالحون وليسوا انتحاريين أبداً، إلا لو صدّقنا أن عمليةً انتحاريةً يخوضها مجاهد، هي انتحارٌ للفرد يصوغه لاوعي مضطرب ومريض، كل مرة.

ولعل من الواضح أيضاً، مبدئياً، أن صانعي فيلم الجزيرة لم يطمحوا لأكثر من هكذا نقد ديني ومحافظ في جوهره، فتركيز المقدم والمخرج على إظهار الصدمة أمام تصريحات الشبان «الكفَرة»، كان مسلياً ومضحكاً أكثر منه مقنعاً بالنسبة لأي مشاهد عادي الذكاء، خصوصاً أن هذه الصدمة تواصلت بلا انقطاع حتى آخر لحظة من الفيلم. ذلك رغم أن المقدّم، بعد أن يقول «عن السماء إذن نتحدث»، يتابع بصوت يسعى إلى بعث الرهبة: «قررتُ ابتلاع دهشتي قليلاً، والاقتراب أكثر من عالمهم»، بينما تنتقل الكاميرا إلى البار الذي يشرب فيه حسن مع أصدقائه. طبعاً لم يبتلع صديقنا دهشته، لم يقدر على ابتلاعها، إنهم كفار، كفار حقيقيون ماثلون أمامه!

تهافتُ الفيلم يتجلى أيضاً كما سلف، في التأطير الدرامي لحالات الشبان الطارئين على الإلحاد، كمقابلٍ موضوعي للشبان الطارئين على الجهاد. ويشهد الواقع، على أن التقابل والخصومة بين الناشط السياسي «الملحد» ورفيقه الذي يصلي، هي من صنع الإعلام أكثر منها خصومة تفرض نفسها على المشهد، وهنا لا ننفي دور الاختلاف الإيديولوجي، بل نقول إنه وعلى الأرض، قاتل الاثنان معاً، لأوقات طويلة زمانَ الحلم الثوري. في النزال على الأرض ضد سلطة العسكر، تخندق شباب من كامل الطيف الثوري مراتٍ عديدة: يساريون حزبيون ومستقلون، وتحالف شباب الثورة وحركة ستة إبريل «الجبهة الديمقراطية» القادمين من خلفيات حقوقية ونقابية، مع «حازمون» السلفيون المؤيدون للداعية السلفي حازم صلاح أبو إسماعيل، فضلاً عن نشطاء جهاديين غير منظَّمين، وآخرين من المنضوين في تكتلات صغيرة مثل «حراس الشريعة» و«جبهة الدفاع عن المسلمين الجدد». لا نسعى هنا إلى تمجيد «وحدة» الثوار، بل نريد تحطيم الصور المسبقة المليئة بالاختزال، والتي يكرسها الإعلام التقليدي، والجديد، على حد سواء، حول شباب الربيع العربي، نافياً بتكريسه هذا، إمكانية رؤية أي قدرة ثورية حقيقية تصدر عنهم، وعارضاً إياهم كرد فعل سلبي وحالم، دائماً، على قوى سلطوية قاهرة هي الفاعل السياسي الوحيد في الأحداث.

لن يقول لك أحد كم أزّمناهم، وكم اجتمعوا وارتجفوا وأرعبهم مستقبلنا الممكن الذي صغناه على الأرض: مستقبلنا الذي يدشنه ذهابهم إلى الجحيم جميعاً، شرطة ورجال مال وسياسيين فاسدين ومثقفين دولتيين. هل أردنا الخلاص وكانت خلاصيتنا محدوديتنا؟ ربما، لكن إرادة الخلاص صنعت ممكنات ثورية وفعلت ما عجز الجميع عنه لأجيال، خلخلت أركان جهاز الدولة وألجأته إلى التغيُّر، الأمر الذي كان انتصاراً حقيقياً دفع نضال العموم إلى الأمام، قبل أن تبتلع البرجوازية العسكريتارية الجو وتنتصر الثورة المضادة.

ربما بدل رومانسيتنا الخلاصية، كان أفضل لنا لو أردنا إرهابهم فقط، لربما كان ذلك واقعياً أكثر، ولربما كانت قدرتنا على إقحام الثورة في المشهد لتكون أقدر. أما عن وحدة الثوريين في الميدان، فالحال كان التالي: أحداث العباسية، حيث كان رفض أي انتخابات تحت حكم المجلس العسكري هو الهاجس الوحيد لجميع المعتصمين أمام وزارة الدفاع عام 2012.

مع إقصاء «أبو اسماعيل» من السباق الرئاسي أقرّ «حازمون» بضرورة منع حصول الانتخابات تحت سلطة العسكر، لأن من شأن ذلك وأد احتمال فرض مرشح للثورة قادر على كسب المعركة، ولأنه سيكون يوماً للعسكر لا محالة لو حصلت الانتخابات تحت سلطتهم. هكذا اتفق «حازمون» مع الشعار الذي رفعه مبكراً شابات وشبان ثوريون في 2011 قبل الانتخابات البرلمانية: «لا انتخابات تحت حكم العسكر»، ثم أصبح هذا المطلب مطلباً لجموع الثوار المشاركين في أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء. أقرّ «حازمون» والمنخرطون معهم بأهمية التحرك تحت هذا الشعار الجامع.

بالتوازي مع خطورة المطامح التي جسدها الاعتصام أمام وزارة الدفاع في «أحداث العباسية»، عملت الماكينة الإعلامية الفلولية على شيطنة كل ما من شأنه المسّ بهيبة المؤسسة العسكرية، وقيلَت أشياء كثيرة غير صحيحة لشعبٍ يحب أن يصدق، ومن جهتهم، فاقم الجهاديون الأمور حين زار الاعتصام محمد الظواهري، شقيق أيمن الظواهري، واستعرض أنصارَه والرايات القاعدية.

ناشد إعلاميون «أهالي العباسية» على التلفزيون، التصدي للإرهاب الإسلامي في الاعتصام، الاعتصام الذي تروي شهادات من عاشوه أنه شهد ثباتاً مشرِّفاً قاوم خلاله ناشطو الثورة حتى الساعات الأخيرة. أما على الإعلام الرسمي والفلولي، فقد كانت المشكلة بين الدولة وتنظيم القاعدة. انقضت الساعات الأخيرة بدموية، حيث فُضَّ الموقف بعد قتل عشرات المعتصمين وجرح المئات.

كان يوم جمعة، وكانت الدعوة للاعتصام قد جاءت من ائتلاف شباب الثورة، وكانت الخطة تشمل أن يتم تأمين خط انسحاب، بسبب خطورة الموقف هناك أمام مركز القمع، وزارة الدفاع. قرر الجيش فضّ الاعتصام والتظاهرة الحاشدة، مغلقاً خط انسحاب الثوار ومحاصراً إياهم تمهيداً للتصفية الجماعية: ستموتون هنا، من سيبقى ومن سينسحب، وسيتم «التعليم» عليكم.

في نهاية الأمر، وكما يعرف الجميع، انتصرت الثورة المضادة. ولم يكن افتراءً أبداً، في رأينا، وصفُ «القرية الظالم أهلها»، الذي استخدمه أحد المجاهدين الذين تحدثوا في الفيلم، إزاء نموذجٍ صارخ لمجتمع بدا كما لو أنه راغبٌ بالفاشية، وأنه منساقٌ وراءها بأغلب فئاته، ومستجيبٌ بإيجابية لخطاب الإعلام الفلولي الذي أعلن أنه جزء من معركة «مصر» ضد الإخوان، ثم انسلّ من تحالفه المعلَن بمجرد أن أمسك السلطة، لتفترّ في النهاية أنياب دولة العسكر النخرة عن ابتسامة الرضى.

الكل كانوا حطب الثورة المضادة.

«أصلي»
أصلي، كلمة واحدة تحت رسم بسيط لوجه شهيد أو معتقل، وبدون اسم حتى. كانت تلك حملة من أعمال الجرافيتي التي لونت وجه القاهرة الكالح خلال وبعيد ثورة يناير، لكنّ أحداً من أصدقاء ورفاق الشاب حسن البنا، أحد شخصيات الفيلم، والمعتقل منذ قرابة العام في سجون السيسي، لن يستطيع اليوم أن يصنع له شيئاً كهذا، لأن الغرافيتي وكل شيء آخر تقريباً ممنوع في مصر هذه الأيام، ولأن الثورة كما يعلم الجميع قد هُزمت هزيمة نكراء.

على الهامش، من المثير معرفة ما هو ممنوع أيضاً: مقاهي الرصيف، تلك التي تكثف المدينة في واحدة من أكثر صورها حيوية وإيجابية، والتي يصعب تذكر مصر من دونها. إن «وسط البلد» اليوم هو مكان مغلق يستحيل فيه العمل العام أو اجتماع البشر لغير تسيير الأعمال، السيارات والبشر يسعَون سعيهم الأبديّ الذي لا فكاك منه، ولا شيء آخر يحدث. التظاهر يحتاج لرخصة وأما «القعدة ع القهوة» فلا يمكن استصدار رخصة لها، هي ممنوعة مطلقاً في قلب المدينة. أُغلقت «تكعيبة»، وأماكن جميلة أخرى كان يرتاح فيها القادمون من «التحرير»، في شارع طلعت حرب وقصر النيل وشامبليون ومنطقة البورصة.

تعلم السلطة المصرية تماماً كم كانت تلك الأمكنة ذات يوم مساحة دافئة ومثمرة وخلاقة، وكم شهدت من النقاشات والتخطيط. أعد المناضلون القدامى والجدد خططاً تهدد سلطة الأمر الواقع، وبالنسبة للدولة، كان يجب التعامل مع كل هذا. في مصر اليوم لا نقاشات ولا أمل يُنظر في الأفق، ويستحيل أي شيء آخر سوى السعي اليومي المأساوي للملايين لتأمين الحد الأدنى من المعيشة والسَّتْر.

بالعودة لقضيتنا، من هو حسن البنا؟ هو الشاب الإخواني الذي شاء أبواه أن يكون سَميَّ مؤسس حركة الإخوان؛ «أبي وأمي إخوان، أصدقائي في الحي أبناء كوادر الإخوان في الحي، ولطالما كان بديهياً لي أن الناس كلها إخوان. كنتُ حسن المنشغل بإحقاق الدين، ومهجوساً بدور الإسلام في قيادة العالم، أو (أستاذية العالم) حسب التعبير الإخواني». حسن الذي أظهره لنا الفيلم يشرب ويدخن ويناقش بثقة موقفه من إله آبائه، هو ضحية الفيلم مرتين، مرة حين تم استغلال قصته لصنع فيلم رديء يريد أن يؤدي رسالةً سلطوية، ومرة حين استمات وأهلَه وأصدقاءه في التواصل مع «الجزيرة» مراتٍ لمنع عرض مشاهده في الفيلم، لما سيرتب عليه من أخطار، هوَ المعتقلَ في سجون النظام منذ فبراير 2018. نشرت الجزيرة الفيلم كما هو، في استخفاف فاجر بحياة وسلامة إنسان.

في مديح الكفر، في هجائكم جميعاً!
كان هناك نقد غير إسلامي أيضاً، بخصوص تجربة الملحدين الذين ظهروا في الفيلم، مُمثَّلين بإسراء، التي قالت باسمةً، مانحةً للمذيع المتلهف للإثارة ما يريد أن يسمعه: أنا كافرة.

أن تقول إلحادك بلغة الدين، بدا للبعض إلحاداً ناقصاً وطفولياً لا يقطع مع الدين، لعجزه عن إنتاج خطاب بعد ديني في تعبيره عن موقفه الجذري. يتفق القائلون بهذا، مع رأي للفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفري، الذي صنع «نفي اللاهوت- فيزياء الميتافيزياء» كتاباً يحتفي بالفلسفات الإلحادية القوية والمطموسة في تاريخ الفلسفة الأوربية، ويقدم حججاً قوية ضد الدين وانتشاره الدموي وقمعيته عبر التاريخ.

يطمح أونفري إلى تحقيق حلم فيلسوف فرنسي ستيناتي إباحي، جورج باتاي، في إقامة علمٍ يكون بغنى وكثافة علم اللاهوت، هو علم نفي وجود الآلهة: نفي اللاهوت. قضى «باتاي» صاحب الفكرة حياته الفكرية متأثراً بأكثر من دين سماوي إلى أن أخلصَ للدنيا بصفتها أحلى من الجنة. بخصوص نقد إلحاد أصدقائنا، يرى أونفري هو الآخر أن إلحاداً بعدَ ديني، لم ير النور بعد، وأنه عمل فكري واجتماعي واجب التحقيق. يتقاطع أونفري مع سلافوي جيجك أيضاً، في رؤيتهما للإلحاد بصفته تراثاً أوربياً خلاقاً ومجيداً يجب بعثه والفخر به، في عالم من الأديان والدجل الهوياتي.

ثمة ملحوظة مهمة لأونفري فحواها أنه في الوقت الذي يوجد فيه اسمٌ لكل انزياح صغير في موقف المرء من احتمال وجود إله: فهناك الديني واللاديني والربوبي واللاأدري.. إلخ، يقابل ذلكَ فقرٌ فادحٌ في المصطلحات التي تصف عالم نفي وجود الإله. ملحد، كلمة واحدة باهتة محمَّلة بالحكم الأخلاقي المسبق، صنعها المؤمنون أكثر مما اختارها «الملحدون».

لنتفق أن الدافع الديني ليس دافعاً فطرياً أولياً، بل خليطاً من الدوافع الإنسانية الغريزية الأصلية والطبيعية، تلك التي يسميها اسبينوزا غريزة البقاء، أو إرادة الحياة في ترجمات أخرى، ويسميها نيتشه إرادة القوة، تلك التي تقع في «ما وراء الخير والشر»، وراء الأخلاق والأنا ومنطقها، حيث يقبع الواحد منا عارياً إلا من أنفاسِه التي تجعل منه حياً، ومن بهيميته ودوافعه الأولى، هناك حيث يوجد «الحقيقي».

فكرتنا الخاطئة عن واحدية أو «ذرية» الدافع الديني (كما تُتصوَّر الذرة شيئاً غير قابل للقسمة أو التجزؤ، واحداً لا يتفكك)، هذه الفكرة الخاطئة تفرض تالياً مبالغة في تقدير أصلية الدافع الديني ودوره، وأيضاً مبالغة في تقدير ما هو ضده: أي الإلحاد. بخصوص الإلحاد، المبالغة تكمن في البديهية المتسللة إلى رؤوس الجميع، التي تعتبر «الإلحاد» لحظة حصلت، تتعلق بتغير الموقف من الله.

ولكن ما الصحيح إذن؟

في فيلم سابق، ظهرت إسراء «الكافرة» بعدسة نيويورك تايمز، ليحكي الفيلم عن معاناة فتاة مصرية في محاولتها الاستقلال عن أهلها، في المسكن وأسلوب الحياة. يصور الفيلم إسراء وأصدقاءها في بحثهم عن شقة، كما نرى والدتها وأخاها يدافعان عن موقفهما الرافض لخلع ابنتهم الحجاب، والرافض لتبنيها معتقدات غريبة. يقول شقيقها دفاعاً عن نفسه، بخصوص أنه ضربها حين خلعت الحجاب، ولاحظوا أن أخونا لا يبدو عارفاً بالدين أو مهتماً به وهو يحاول الالتصاق بالدافع الديني: «إنت دلوقتي عايش في مجتمع، يبقى كلامو يمشى علينا… يعني نتخانق مع المجتمع… مش ها ينفع» ثم يقول في مكان آخر من الفيلم: «الكارثة مش إن هي تقلعه، الكارثة إن هي تقول دا مش فرض… يعني بتشكك!! ودا في حد ذاته يبقى كارثة. إن أنت تبدأ تشكك فكلام اللي خلقك دا كارثة في حد ذاتها… كدا إنت داخل في سكة تانية خالص». كان لشخصٍ متدين أن يستخدم كلمات أدلَّ من «كارثة»، لكنه ليس هذا الرجل. أنتَ تدافع عن الله إذن، ولست تمارس سطوتك المهدَّدة بألسنة مجتمع لا يرحم؟ يالك من مؤمن!

كما أن والدة إسراء لم تكن بعيدة عن موقف ابنها: «أنا كل اللي قالقني، هل لو صبحت أنا ميتة، هل هاتحاسب على إسراء ولا مش هاتحاسب على إسراء؟ لأن أنا مش قد عذاب ربنا». ولكن، هل الأمر كذلك حقاً عند أم إسراء؟ وهل يُفهم الكلام، أي كلام، بحرفيته، خاصة في مواضع كهذه؟ أليس أدنى إلى منطق الحياة العبثي وغير الممنطَق أنها «مش قد دعم ابنتها» في وقوفها «ضد المجتمع» كما عبر أخوها، لا أكثر، لكنها تبرر ذلك بالدين؟ إننا جميعا بشر، في النهاية، وتكويننا النفسي مبدئياً واحد.

ولا يعني ذلك لنا أبداً أن المؤمنين مخادعون، وبالعكس تماماً فالإلحاد ليس شيئاً إن لم يكن إيماناً بشيء ما، ويجب الإيمان بما هو أمامنا ويغمرنا ويدفعنا: الحياة والأرض. لا يعني ما سبق، إذن، أن المؤمن خدّاع، ولكن ذلك يعني، فقط، أن لكل إنسان عالمه وظرفه وخصوصية مواقفه غير القابلة للسبر، وما يراه ويعتبره صواباً وحقائقه التي تنبع من تصوره للأشياء وتفاصيل كامنة في منظوره، ما ينفي إمكانية إطلاق أي تعميم مهما كان، إلا على سبيل المبالغة والتوكيد البيانيّ، وهذا ينطبق على كل كلام وكل جهد معرفي.

الكفر بالمجتمع، بهكذا حياة وبهكذا نموذج نفسي- اجتماعي، هو المسألة إذن، وليس الله ولحظة فراقه، فعلى النقيض مما يدعيه الفيلم: «عن السماء اذن نتحدث..»، لا يتحدث الحيّ عن الموت بل عن الحياة، ولم يكن الموت وما وراءه أبداً، ولا الله وما له، هاجسَ أحدٍ من أبطالنا، الملحدين والمهاجرين إلى الله؛ إنهم جميعاً كافرون بأوضاع يعيشونها، وهذا الكفر بالجميع هو في رأينا ما يجمع أبطال الفيلم المجاهدين الثلاثة، بأبطال الفيلم الملحدين الأربعة، والذين أراد لنا صناع الفيلم أن نرى فيهم طرفي نقيض.

منشقون فرديون عن مجتمع فاسد، وجدوا سلامهم الداخلي في التصالح مع الحياة. بالنسبة لرفيقنا الاشتراكي (الذي لم يظهر اسمه في الفيلم) كانت المسألة هي: الاشتباك مع الواقع. لقد عمل مع الداعية عمرو خالد ناشطاً خيرياً، حين لم يكن يعرف بوجود شيء آخر في العالم الواسع.

يعرض لنا المخرج، بالتزامن مع شهادة الرفيق والناشط الخيري السابق، مقاطع عمرو خالد في أبهى حلله، بفخر مخصي يقطر براءة برجوازية يقول: «عملنا مشروع محاربة المكيفات» (والمكيفات هنا هي المخدرات، طُرُق الكيف)، والعبارة التي يفترض بها أن تعلق في الأذهان وكتبت على ملصقات صغيرة في ذلك المشروع كانت: «لا تؤذينا بدخّانك»، وحسب شهادات أصدقاء عاصروا الحملة العظيمة، ألُصقت الملصقات في كل زاوية أو ركن يدخن فيه الشباب في فضاء الجامعة، ياللخراء! كان لدى القائد الخيري أيضاً مشروع «حُماة المستقبل، لمحاربة المخدرات»، و«مشروع جمع الملابس وتوزيعها».

لاحقاً، في الميدان، تأثر رفيقنا بدعاية الشبان الماركسيين، الأمر الذي صرّح عنه في سياق حديثه: لقد ربحت الثورة رفيقاً نجيباً. إنه منتصر على ذاته وعلى أنانيته البرجوازية التي تحيله دائماً إلى الموات، ومنتصر على سيرورة الاغتراب، إنه يحارب البرجوازية ومنظماتها ودولتها: لقد بات الآن يحارب العدو حقاً، وينشط في الدعاية الثورية، بعد أن كان يحارب الدخان ويهدر نهاراته ولياليه في توزيع الملابس وحشد الدعم لعمرو خالد.

هو وجميع الشابات والشبان الذين تحولوا إلى إعلان الإلحاد، قادمون جميعاً من بيئات محافظة، سلفيون وإخوانيون وناشطون خيريّون. ونقول «إعلان الإلحاد» وليس الإلحاد، لأن فعل هؤلاء الرفاق برأينا، لم يتمثل في تغيير قناعتهم من الإيمان إلى إنكار وجود «الخالق» كما يرى صانعو الفيلم، فهذه لحظة لم توجد غالباً ووجودها ليس شيئاً؛ إلحادهم ليس ضد الله ولا يتعلق به: إنه صرخة برية، زأرة roar (على اسم نشرة ثورية ناطقة بالإنكليزية، وأيضاً ربما بالمعنى الذي في أغنية كاتي بيري؛ roar ازأري!).

أهمية الإلحاد كفعل –ونعني بذلك المجاهرة بـ«الكفر»- في مجتمع هو مصر، أنه شيءٌ لا يُغتفَر، فحقاً أن المجتمع المصري من بين أكثر المجتمعات حرصاً على الدين والتدين، وقد أحب فريق الفيلم أن يستهلوا عملهم الإشكالي، أو الذي أُريد له أن يكون إشكالياً، بهذه النقطة، فبدأ الفيلم بالإشارة إلى إحصائية لمنظمة «جالوب» الأميركية للإحصائيات، خلاصتها أن الشعب المصري هو «الشعب الاكثر تديناً على وجه الأرض». لسنا في صدد معنى هذا الحكم الرنان الصادر عن منظمة أميركية، رغم أن الفيلم صدّر هذا الحكم بصفته مسلَّمة، مستعيناً بإحصائيات أخرى لا ترجّح شيئاً، عملياً، كان قد قام بها فريق الجزيرة بالتوازي مع إنتاج الفيلم، حول نسبة الملحدين في مصر، ومؤيدي العنف المسلح، ومن يرون الحجاب فريضة.. إلخ.

لقد تمَّ خداعُنا!
ما العمل؟ يبرز قوياً السؤال، ما الذي يتوجب فعله في هذه اللحظات «الحاسمة من تاريخ أمتنا»: وهي حاسمة فعلاً فـ«أكثر لحظاتنا صمتاً هي أكثر لحظاتنا صخباً» يقول نيتشه، الملحد الكبير: أكثر لحظاتنا صمتاً هناك حيث تشتعل المعارك الكبيرة في برّية خافيتنا، وحيث نواجه ذواتنا عرايا تحت وطأة الأقدار الكاسحة، ونتمزق بصمتٍ، وتحت هذا الضغط نولد.

حين نزلنا جميعاً إلى الميدان اكتشفنا هول الفاجعة: لقد تم خداعنا، لقد كنا حبيسي قواقع قيل لنا إنها العالم، لم يصلنا من وهج العالم غير الظلال والآن ينبغي عناق النار الكبيرة، الالتحاق بالعالم الحقيقي بالأرض، بالآخر بالمختلف، في الميدان رأينا ماركسيين مؤمنين أكثر منا، وليبراليين ودولتيين وأناركيين… والجميع يتكلم بحرية.

إن اللحظة النفسية التي دفعت إلى هذه الثورات الفردية الصغيرة الكبيرة مدفوعةٌ بدافع شعوري عنيف جداً، هو شعور الواحد منا بأنه تعرض للخداع، حين عاش نصف عمره سجيناً.

عدم وعي أصدقائنا بوجود طرق أخرى للتنشئة ووجود مجال عام أصلاً تتدفق فيه هذه التنوعات، هو سمة رئيسية للطبقة الوسطى المحافظة في مصر، دينياً واجتماعياً. وقد عبرت إسراء عن ذلك بطلاقة: «بتعامل مع الناس كأني من ورا سور، معرفش ناس. أنا مش بتعامل مع ناس، أنا بشوفهم في التلفيزيون بس (…) مش بشوف غير ناس شبهي». انخراط إسراء في المجال العام جاء مع الثورة، «الثورة هي اللي ولدتني من جديد، فعلاً أنا قبل الثورة كنت بنت تافهة جداً، مش مهتمة بأي حاجة ومش فاهمة أي حاجة». تماماً مثل أي بنت أنتجها هذا العفن الفكري، وجبَ عليها أن تتمرد لتكون ما تشاء، حرةً في عقلها وجسدها. ولو لم «تكفر» إسراء وتشكك في كل ذلك الخراء، كانت لتبقى تلك العصفورة الحبيسة، وما كان للبرجوازي الأزهري الطيب أن يأتي بجيش عماله وترسانة كاميراته ليصنع فيلماً مثيراً، تتوسطه مثل قلادة؛ إسراء الحرة، وسنّة الطيبة كأنها قلب، وحسن الليبرالي، وربيب «عمرو خالد» الاشتراكي.

انطلقت إسراء في حياة مستقلة مقاومةً كل الضغوط بما فيها الإيذاء الجسدي المتكرر من أسرتها، وانتصرت ولم يوهنوا عنادها. لم يكن ممكناً أن تستمر في البقاء في الخانة نفسها وعلى الكوكب نفسه مع أولئك الذين جرّموا ثوار محمد محمود، فقد رأت الهول: الرفاق يتساقطون قتلى بالرصاص الذي يتماطر عليهم، والعيون مفقوءة عمداً بأسلحة القناصين، والأجساد مُعلَّماً عليها. كان الإخوان يريدون السلطة، وباعوا أنفسهم باكراً جداً للشيطان. لم يكن مهماً كل ذلك الدم الذي سال في محمد محمود، إذ إن الإخوان كانوا في ذلك الوقت مستعجلين على الانتخابات، بعد تواطئهم في اتفاقيات سرية مع العسكر لاستلام السلطة. تحت حكم العسكر حصلت الانتخابات، وكان الإخوان، أكبر قوة سياسية معارضة في مصر، يصفون الثوار بالحمق جهاراً نهاراً.

استطاع جميع الرفاق قول بيانهم رغم أن صانعي الفيلم جاؤوا بنية استغلالية واضحة تريد تجيير قصصهم لحساب فيلم تريده الجزيرة إشكالياً وفق فهمها القاصر. نرى الاستغلال جلياً في طريقة كلام المقدم مع «سنّة»، وهو يحاول قسراً جرّ تجربتها إلى منطقته لتبدو ملحدة أخرى في السياق التعميمي الساقط الذي يكرسه الفيلم. كان واضحاً أن مشاهد كثيرة اقتُطعت من كلام سنّة، خصوصاً بشأن قصتها مع زوج حيوان يضربها ويحول حياتها إلى جحيم. ذُكر الأمر في الفيلم عَرَضاً مرة واحدة، فهو ليس مهماً، المهم هو النقاب وخلعه، والله والإلحاد.

لم تكن سنّة، الفتاة العفوية والبسيطة، ملحدةً كما أُريدَ لنا أن نراها، وإنما كانت، لو توجّب أن يوجد اسم لهذا: لا-اكتراثية، وهذا ما يتضح من قصتها. لم يبدُ على سنّة التي تربت على يد معلمة سلفية وعاشت في أوساط السلفيين وبقيت منقبةً، أنها قد اشتبكت مع الله، كان نقابها وتدينها السلفي اقتداءً بمعلمة دروس الدين، التي كانت سلفية، وكانت سنّة لوقت طويل لا تشاهد غير قناة «الناس» السلفية.

صورٌ لسُنّة بالحجاب ثم النقاب. تقول بشغف مستعاد وهي تتذكر: «كنت أفضل أسمع اسمع وأتعلم اتعلم»، من لحى قناة الناس وقناة الرحمة السلفيتين تدعوانك لـ«ربنا» بشتى الاستعراضات الشعبوية والذكورية الممكنة. بدأت سُنّة التزامها في دروس الأخوات التي كان يرسَل إليها الأطفال قبيل مراهقتهم، لإراحة أهلهم قليلاً ولإلزامهم دينياً، كان ذلك تقليداً سائداً في أوساط الطبقة الوسطى المصرية المحافظة. الأخوات قولبوها وفق تراث وجب بعد ذلك أن تجحده سُنّة الشجاعة. في سن السابعة وبعد ضغط من أمها، ارتدت الحجاب وفي السادسة عشرة ارتدت النقاب. كان مفترضاً بالنقاب حسب سنّة، أن يريحها من «القرف بتاع واحد يبص.. وكده»، فالعاديُ في مصر هو التحرش، ولا يحدث التحرش بالنظر فقط: في مصر ستُلمَسين يا أخيّة يا التي كرامتها كرامتنا، لا تذهبي هناك، اخرجي من هناك.

بعد الثورة القادمة ستكون الأمور أفضل… هذا وعد، وعدٌ لا يمزح.

ارتدت سنّة النقاب في السادسة عشرة، لأن بنت السادسة عشرة الجميلة هي طبعاً فريسة مرغوبة لكل مهووسي لمس قضبانهم أمام العابرات، ولمس العابرات أيضاً.

ومع تركيز المقدم على النقطة المتعلقة بالنقاب، ستشرح سنةّ أن نقابها كان خطأ يجب تصحيحه: «اكتشفت إني لبستو عشان كنت خايفة، واكتشفت إن النقاب لا يحميني». حدث ذلك بعد أن تعرضت للتحرش بسبب نقابها من شبان في المترو استباحوها بدعوى أنها «إخوان»، قبيل الانقلاب في ذروة الصعود المزدهر المستمر للفاشية محمولة على جناح الثورة المضادة، خلعوا عنها نقابها ومزقوا ملابسها دون أن يتحرك أحد من العبيد في المترو المزدحم.

لم يكن ذلك سبباً وحيداً، فكل شيء كان يفعل فعله في تجذير إرادة الجحود بكل ذلك، وقد عانت سنّة كما أسلفنا معاناة استنزافية أخرى بعد معاشرة زوج نذل يضربها بموجب حقه الإلهي في القوامة عليها.

كان رد سنّة أن تخلع النقاب و«تهجر» الله وأهلها وحياتها السابقة التي بدت فجأة كما لو أنها ليست حياتها ولا تمثل لها شيئاً يستحق التمسك به أو الحفاظ عليه. لا يبدو أن في الأمر همّاً فكرياً بقدر ما أن فيه رغبة ملّحة وواضحة وعارمة في الجحود، ويبدو غريباً وقوياً رد فعل «سنّة» أو شكل ثورتها، وقد كان أحرى بسلفية حقيقية أن تهاجر «إلى» الله، في العراق أو سوريا أو ليبيا بعد هذه الحادثة، وتلتحق بالإخوة المهاجرين، لا أن تنفضّ عن الله، ولكن ذلك لم يحدث، رغم أنه حدث مع كثيرين وكثيرات.

ليه يا بنفسج
كانت الرفيقة أروى صالح قد كتبت كتابها القنبلة: المبتسَرون- دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية، بنّية أن تقدم «للأجيال القادمة التراث الذي يتوجب عليهم أن يجحدوه». نُشرَ الكتاب في التسعينات، لكن أحداث شارع محمد محمود أعادته إلى الأذهان والأيدي، وقرأه الرفاق مثل نبوءة. كانت أروى على حق في كل حرف وهي تشرّح جثة اليسار المصري وترينا الأورام والأمراض والوصولية والذكورية والانحطاط الذي آل إليه جيل بأكمله، والذي سنرثه نحن، جيل بدأ مسيرته بالكثير من الاستعداد النضالي والآمال، ليعجن عُقده بعد ذلك وسلطويته وانتهازيته بالأوهام الإيديولوجية وشعارات التحرر، ولنرى في النهاية ذلك الشيء الناقص، الجيل المبتسَر، الخراب المنحطّ.

وُصِفَ كتاب أروى صالح بأنه تحليل ماركسي نسوي جذري لجيل الحركة الطلابية والخصائص النفسية والاجتماعية لذلك الجيل، تلك الخصائص التي شدّته إلى رجعيةٍ كامنة فيه. يوم نشر الكتاب رُشقت أروى بكل ما يمكن اختلاقه من تهم، بينها أنها شخص مختل عقلياً ونفسياً. لقد آلمتهم، فقد كانوا يقرؤون خزيهم الذي يحتالون عليه نفسياً واجتماعياً بشتى السبل، وسبلهم في الاحتيال على ذواتهم تلك، هي ما يجعل منهم، كارهي أروى هؤلاء، برجوازيين ووضيعين، كما وصفتهم بالضبط.

انتهى المثقفون الثوريون حملة قيم التحرر الاجتماعي، كما فصّلت أروى، في النهاية، إلى «مهرجين على طاولات النخبة المالية والسياسية المصرية»، أو جامعي أموال مع باب السادات المفتوح الذي افتتح طرقاً جديدة للفساد. كان جيلاً مريضاً حقاً ومبتسَراً فعلاً، ولم يقل ذلك أحد غير أروى: كانت أروى وحيدةً، هي الأقلية الأقل في مصر، الجذرية التي على حق، أدانت ثمرةً حامضة، شيئاً ناقصاً، جيلاً قاصراً، وما كان لذلك النقد أن يحصل لولا يدها وقلمها الخلاق. عاشت حياة شغوفة وحالمة وماتت بشرف: منتحرةً، قامت بما عليها أمام حياة وهبتها الحلم ذات مرة، ورحلت دون أن يخون قلبها الخفاق ذلك الحلم.

في رسالتها المعنونة «ليه يا بنفسج بتبهج وانتا زهر حزين»، التي نُشرت كملحق بالكتاب، تقول أروى: «لقد مسّه سحر الحلم مرة، وستبقى تلاحقه دوماً ذكرى الخطيئة الجميلة: لحظة حرية- خفّة تكاد لا تُحتمل لفرط جمالها- تبقى مؤرقة كالضمير وملهمة مثل كل لحظة مفعمة بالحياة والفاعلية، ومؤلمة، فالواقع أن سكة اللي يروح ما يرجعش ليست سكة ثالثة، وإنما هي كامنة في قلب اللحظة التي تقامر فيها بوجودك لتتبع الحلم… ويستوي بعد ذلك أن تسير في سكة السلامة أو الندامة، فأنت حتماً لن تعود أبداً نفس الشخص الذي كنتَه قبل أن تبلوك غواية التمرد، وليس فقط لأنه جميل، فلأن التمرد لحظة حرية استثنائية استثار كل ما فينا من نبالة وأيضاً أهاج كل ما فينا من وحشية، وحين اتخذ المنحنى مسار الهبوط، كما يحدث عادة في النهاية، بقيت صور فظاظتنا التي ارتكبناها والتي ارتكبت في حقنا على السواء دون غطاء يداريها الآن، دون سياق تاريخي يبرر…».

نُشرت هذه الرسالة بصفتها آخر «وثيقة» صادرة عن أروى صالح، و«الوثيقة» بين قوسين هو توصيف أروى، ساخرةً، وهي تخبرنا أنها استجابت، بنشر الرسائل في الكتاب، لنصيحة صديق «مثقف» أعلمها بالخاصية التوثيقية لما في تلك الرسائل.

وإذن، بصفتنا جيل «الميلينيالز»، وريث آباء أنجبوا بتفاؤل أطفالاً، وكانت «تربيتنا» همّهم و«صنعتهم»، حيث كانوا المربين الحريصين على كل تفصيل؛ وبصفتنا أبناء البرجوازيين السبعيناتيين الذين أغلقوا أبواب بيوتهم وقلوبهم، وأنجبوا أطفالاً وشحنوهم بالكثير من الواجبات والمثالية؛ وفي ظروف «صحية» مبالغ فيها نشأنا، وخافوا علينا من الهواء والعدوى والجراثيم والأفكار؛ في ظروف صحية مرضنا بالعدمية: ما نراه واجباً علينا اليوم، بالكلام كجيل، أن نبدع عالماً جديداً وأن نكون بدائليين.

والبدائلية تعني القطيعة الناجزة مع عالم فاسد، والثورة الثقافية والتمرد كقيمة، إننا لا ملحدون ولا «يساريون» ولا «ليبراليون»، لأن كل هذه التنميطات التي يحب الناس أن يفهموا الأمور وفقها، تلغي خاصيتنا الأهم: استقلاليتنا، وذلك بالمعنى الأوسع للكلمة. إننا في استقلاليتنا الفكرية واستعدادنا الكفاحي وإيماننا بالمستقبل، عالمٌ جديدٌ يتماثل للانبثاق من قلب تجربتنا. إننا insurrectional، تمرديون.

تشحذنا «أبلة» أروى بالأسئلة، ويعود تأريخها للفشل وكيفياته ليؤرقنا اليوم، نحن الحالمون الذين أهدتنا أروى شهادتها عن إرث يجب علينا أن نجحده. خلال الثورة المصرية لعب عمل أروى دوراً في توعيتنا أثناء الهزيمة، وعلى goodreads سترى تقييمات وعروضاً بالمئات للكتاب، هي رقم مرتفع بالنسبة للكتب الأخرى على الموقع، وسترى رفاقاً يخبروننا كم ساعدتهم أروى القوية في تجاوز محنة الهزيمة، في فهم الهزيمة وتجديد إمكانياتهم في تحقيق ما يريدون، في إيقاظ إمكانية الحلم. وعلى طريقة صانعي فيلم الجزيرة، إليك هذه «الحقيقة»: إن 86% ممن قرؤوا الكتاب قد أُعجبوا به! لنستنتجْ من هذه الإحصائية ما نشاء يا شركاءنا الإيديولوجيين.

وكجيل أيضاً من المهم اليوم، إخلاصاً لإرث يناير، الإنصات لأكثر الأصوات جذريةً في محاولة نقد التجربة، بما فيها وجهة النظر التي تؤكد أنه ومنذ أن انعقد المجلس العسكري «انعقاداً دائماً لحماية الشعب» في أول اجتماع له مطلع فبراير 2011، وتبعه نزول الجيش إلى الأرض: مذّاك بدأ العمل الجدي للالتفاف على الثورة ووأدها. قبل انعقاد المجلس، نزل الجيش إلى الميادين في 28 يناير، في وقت مبكر، ثلاثة أيام بعد الثورة، وفي موقعة الجمل كان الأمر واضحاً تماماً: فقوات الجيش التي كانت تؤمّن بوابات الميدان هي التي أفسحت الطريق أمام جموع البلطجية المسلحين بالسلاح الأبيض والخيول والجِمال، ليفتكوا بالمتظاهرين والمتظاهرات.

أحرق المتظاهرون عربات الجيش التي كانت تنقل الذخيرة للشرطة أمام المتحف في مدخل شارع عبد المنعم رياض. رغم ذلك، وجد الجيش في نفسه الوقاحة الكافية ليكرس حضوره حامياً للشعب بمباركة من يهتفون: «الجيش والشعب إيد واحدة»، فيزيد محاوطة الميادين وتدعيمها بالجنود بدعوى حماية من فيها.

تأقلم العسكر مع المرحلة بسرعة، وكان المجلس العسكري خصيم الثوار منذ لحظة انعقاده التي مثلت بداية رمزية لمشروع الدولة المصرية الجديد: هزيمة الثورة واستعادة السيطرة. وكان يجب بأي ثمن أن يرحل المجلس العسكري، وقد قدم الأبطال في الشوارع الدم سكباً على مذبح هذا الواجب.

بانعقاد المجلس العسكري، كان كل ما يحدث بين الدولة و«الشعب» يمكن وصفه بأنه صيغة تأقلم الدولة مع المرحلة: التخلص من مبارك واستعادة التوازن والسيطرة، وإنهاك المجتمع المدني وتقطيع أوصال الحراك، وتقليم نفوذ الإسلاميين وتأثيرهم الشعبي، وقد نجحوا في ذلك، وفيما هو أكثر.

من جهتنا لن نكبر، على الأقل لن نكبر كما كبروا: سنبقى أحراراً -أطفالاً- لن نغلق أبوابنا أمام الحلم، ولن نعلّم أولادنا المذلة ولن نورّثهم الخراء، سنسمي أطفالنا إسراء وسنّة وحسن البنا وأروى وكارل ماركس، سننجب أطفالاً يجيدون الحرية ويعيشون بقوة، يتعلمون من الحياة بذكاء وتواضع وحسّ ثوري، ويفكرون في كل شيء، في التفاوت الطبقي والتسلط الذكوري والمجتمع التراتبي، في الله والجسد والحياة والحب والثورة والعدل والحرية.

عن موقع الجمهورية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. أحمد عزيز الحسين

    يا له من عرض نقدي يأخذ بالألباب .

أضف تعليق