مراجعة نقديّة للذّات في زمن المخاضات الصعبة (2)

في الموقف من التراث

الجذور تُقيّد وتأسر.. أم تُحرّر وتُطلق؟!.

سؤال إشكالي فعلا، إذ ثمّة من يدعو إلى القطع النهائي مع كلّ الماضي كحاضن أو كتربة نمت فيها الجذور الأولى لماضينا التراثي القديم بكلّ سلبه وإيجابه، كي نستطيع الانطلاق من جديد. وكنت أنا كاتب هذه السّطور، حتّى وقت قريب نسبيّا، من أشدّ الدّاعين إلى هذه الفكرة.
وثمّة من يقول: لا بد ّمن العودة للماضي قراءة ومعرفة وفهما لشخصيتنا التاريخيّة القديمة، فمن لا ماض له لا مستقبل له.

ربّما كان في الرأيين جانب من الصّواب، وجانب أخر من المغالاة. فالعودة إلى الماضي، لاسيّما بالنسبة لنا نحن العرب والمسلمين، دونها محاذير الجاذبيّة والانشداد العاطفي القوي إلى درجة الاستغراق، كتعويض عن غياب حالة حضارية حديثة فاعلة لنا.

كما أنّ القطع النهائي مع الماضي وجذور شخصيتنا في التّاريخ فيها جلد للذّات وإنكار أو تجاهل متعمد للتاريخ. كما يعني محاولة التّأسيس من فراغ في الوقت الّذي يهتمّ فيه كبار المؤرّخين والمفكّرين والباحثين في العالم بإرث هذا التاريخ وتراثه بمناهج علمية حديثة منذ قرن من الزّمن. وهذا ما يؤسّس لإشكالية في فهم السؤال وكيفيّة التّعامل معه.

لكن لنقارب سؤالنا هذا بسؤال بسيط الجواب:

هل نقطع الاهتمام مع جذور الشّجرة كي تكبر وتعلو وتثمر، أم نهتمّ أكثر بتسميد هذه الجذور وفلاحتها وسقايتها بشكل دائم؟.

ثمّة مثال مجتمعي بشري تاريخي كبير يناظر مثال الشّجرة المثمرة هذه.

فكرة عصور النّهضة الأوروبيّة، الّتي جاءت بعد حقبة ظلاميّة طويلة في أوروبا استمرّت 1000 عام منذ القرن الخامس الميلادي وحتّى القرن الخامس عسر الميلادي هي ما اتّفق على تسميتها بالعصور الوسطى الأوروبيّة، بدأت مقدماتها الأولى في القرن الخامس عشر على أساس إعادة الاعتبار لفترة الفكر الفلسفي الإغريقي اليوناني  القديم قبل سيطرة المسيحيّة على أوروبا في القرن الخامس ميلادي، وبالتّالي النّهوض بمجتمعات أوروبا من جديد بناء على هذا الأساس، الّذي تمّ تجاوزه معرفيا لاحقا بما لا يقاس، لكن دون أن يتمّ القطع معه أو إنكاره وتجاهله. فمنطق أرسطو الصوري والميتافيزيقي ونظريات أفلاطون في “المثُل” ما تزال تدرس باهتمام بالغ كمرحلة مؤسّسة للفكر الفلسفي الأوروبي والعالمي، ولهما تأثيرهما على العديد من أعمال المفكّرين في الغرب حتّى اليوم، دون أن يكون لهما أي دور مباشر في إنتاج العلوم الحديثة وثوراتها المتتابعة.

فالجذور الحقيقية للتّفكير الفلسفي والعقلاني الحداثي هي هناك في التّاريخ البعيد في فلسفة وأفكار فلاسفة بلاد الإغريق منذ القرن الخامس قبل الميلاد، بعد أن حاربتها الكنيسة الأوروبيّة كجذور تفكير وثني وقطعت معها حتّى القرن الثّالث عشر حين ظهر القديس – الفيلسوف (توما الأكويني 1225 – 1274م) الّذي حاول أن يعقلن الإيمان المسيحي بمحاولته التّوفيق بين فلسفة أرسطو والإيمان المسيحي.

أمّا عصور النّهضة الأوروبيّة فتعاملت معها كنتاج فكري فلسفيّ معرفيّ عقلانيّ مؤسّس، في الوقت الّذي تجاوزته لاحقا لكن دون أن تقطع معه أو تتجاهله. أي أنّها قامت بتحقيب تاريخي لتلك المرحلة التاريخيّة، ومن ثمّ تحقيب تاريخي لكلّ الحضارات السّابقة واللاّحقة لحضارة الإغريق، في الغرب والشّرق.

تصوّر حول الموقف من التراث-:

ما أودّ قوله جوابا على السّؤال الإشكالي الّذي بدأت به، وعلى ضوء ما أسلفت به من أمثلة تاريخيّة أنّه لا يمكن القطع المعرفي والتاريخي مع تراثنا العربيّ الإسلاميّ وتجاهله كما لا يجوز العودة إليه للتّباهي فقط أو مجرّد التفاخر الأجوف، أو للاستغراق الدّائم فيه.

كما أزعم، أنّه ليس من المفيد النّظر الانتقائي في التراث، بمعنى أن نشطره نصفين أو أكثر، بما يلائم أهواءنا وميولنا الدينيّة والمذهبيّة، أو متطلّبات أفكارنا الحديثة المؤدلجة مسبقا:

نصف مضيء يرضي ميولنا وأفكارنا، نقف عنده نفاخر به ونستمد منه، ونصف مظلم نكفره أو نهمشه ونسقطه.

التراث كلّ واحد في جدليته ومفارقاته وتناقضاته، في كلّ عناوينه الكبرى “فقه، علم كلام، فلسفة، تصوف وعلوم أخرى”. ولكلّ تفصيل أو مفارقة يندرجان تحت أحد عناوينه تلك، سياقهما اللّحظي التّاريخي الخاصّ الّذي أنتجهما.

من هنا تنبع، كما أفترض، أهميّة دراسته وفهمه كحلقة وصل نوعيّة بين حضارات سابقة له ولاحقة عليه، كحوض ثقافي تاريخي كبير صبت وتفاعلت فيه نتاجات ثقافيّة حضاريّة سابقة متعدّدة اكتسبت فيه طورا نوعيّا جديدا ومختلفا، لدرجة صارت حضارات وليدة لاحقة أو مجاورة تأخذ في بداياتها منه.
هكذا هو التّاريخ لا يستمر فيه إلاّ القوي، ليس بالسّيف فقط، وإنّما بدرجة أساسيّة وكبيرة القوي بإرثه الحضاري الثّقافي المدون والمكتوب المتعدّد والغني. فالحضارات الّتي تترك أثرا عظيما مكتوبا هي الّتي يبقى ذكرها شاهدا على التّاريخ في مفصل حضاري نوعي دونته. وإلاّ لماذا يتمّ حتّى اليوم ذكر “شريعة حمورابي” بافتخار على حساب الإشارة إلى قوّة سيفه وعظمته الشخصيّة كملك.
وهذه كانت حالة الحضارة العربيّة الإسلاميّة في العصر الوسيط إنّها حلقة في سلسلة حلقات تطور التراث الإنساني والعالمي عبر التّاريخ ولذا فهي ليست ملكا حصريا للعرب أو المسلمين الّذين أثبتوا منذ سقوط بغداد على يد المغول في القرن الثّالث عشر 1258م وحتّى اليوم أنّهم خارج التّاريخ، بل صارت ملك الحضارة البشريّة ككلّ كونها جزءا هامّا من تراث الإنسانيّة عبر التّاريخ.

فمعرفة التاريخ على هذا الأساس تتيح بداية إمكانيّة توازن جديد للشخصيّة المأزومة والمستلبة راهنا، والّتي تنتمي ثقافيا وروحيا إلى هذا التراث وتاريخه، كما تؤسّس بدورها لبداية وعي عقلاني موضوعي بالتاريخ وأحداثه ممّا يؤدّي إلى مبادرات خلاقة في صنع تاريخ جديد لها، ولعلّ الانفجارات المجتمعيّة العربية الرّاهنة بكلّ مخاضاتها الصعبة تشكّل المناخ الملائم لكلّ محاولات إعادة النّظر النقديّة بالذّات سواء على صعيد فردي أم جماعي فمجتمعي.

الاهتمام بالتراث ومعرفته هو اهتمام ومعرفة بالتّاريخ بدرجة أولى، تاريخ منطقتنا العربية كما هو تاريخ العالم في تلك الفترة، فالتّاريخ البشري حلقات مترابطة ومتداخلة دوما.

وليس للنّكوص نحو الماضي البعيد والاستغراق فيه كما يريد أغلب أصحاب الدّعوات الأصوليّة الجهاديّة والسلفيّة الدينيّة أو الدّعوات الإثنيّة العرقيّة الماضويّة القديمة، الّذين ليسا إلاّ وجهين لعملة واحدة، خصوصا أنّهما نتاج معادلات إقليميّة دوليّة حديثة ومعاصرة بدأت منذ عهود الاستعمار الأوروبي لمنطقتنا مرورا بمرحلة الحرب الباردة. وتستثمرهما أنظمة القمع والاستبداد في عالمنا العربيّ بدهاء أمني مخابراتي فظيع.

على هذا الأساس أوضح فأزعم أنّي علماني حداثي حتّى النّهاية بثقافتي وميولي وهذا ما يتيح لي دائما حافزا متجدّدا لإعادة النّظر بكلّ قناعاتي ومسلّماتي السّابقة خصوصا فيما يتعلّق بزاوية النّظر للتراث العربيّ الإسلاميّ والموقف منه. وأحاول أن أفهم وأفسّر أي ظاهرة أو رأي أو شخصيّة تراثيّة ضمن وضعها قي سياقها الزّمني والمجتمعي والتاريخي الّذي وجدت فيه. وأن أرى في أي شخصيّة تراثيّة هامّة جوانب متعدّدة يمكنني الاختلاف مع بعضها ويمكنني الاتّفاق بل والانبهار مع بعضها الأخر.

 فالشّيخ (ابن تيمية) الملقب بشيخ الإسلام، مثلا، لا أسمح لنفسي بأن أختطفه في جانب الفقيه المتشدّد، فقط، وأغلق عليه وأبدأ بإطلاق أحكام القيمة عليه على هذا الأساس، ثمّ بتحميله شخصيا، كما يفعل كثيرون اليوم ممّن يدّعون بتبجح واضح  العلمانيّة والثوريّة ووو، أو بخلفيّة طائفيّة واضحة أحيانا، مسؤوليّة إرهاب وفتن وجرائم “داعش” و”القاعدة” و”النصرة” وأخواتهم العديدة في العالم العربيّ والإسلاميّ.. ؟!.
دون أن يأخذوا بعين اعتبار الفاصل الزّمني الكبير، سبعة قرون من الزّمن، بين (ابن تيمية) وبين التّطرف الإسلاميّ الأصوليّ السّلفي الرّاهن، بين لحظته وسياقه التّاريخيين الخاصين بمرحلته، وبين سياق اللّحظة العالميّة الرّاهنة بتشابكاتها العديدة الّتي أنتجت ودعمت كلّ تلك العصابات الإرهابيّة الفاجرة والقاتلة اليوم، باسم الإسلام.

بل أرى نفسي ملزما أوّلا أن أتفهّم السياق التّاريخي المضطرب الّذي كانت تعيشه الدولة الإسلاميّة في زمنه، لاسيّما في مصر والشّام مع الأخطار الخارجيّة، مغول من الشرق وفرنجة صليبيين من الغرب، الّتي كانت تتهددها آنذاك. والّتي جعلت منه متشدّدا في الأصول الأساسيّة والعليا للإسلام. والّتي جعلته يتعرض للاعتقال بأمر الخليفة السلطان المسلم، وبتحريض من بعض صغار الفقهاء ورجال الدين الإسلامي من مجايليه الّذين لم ترق لهم مبدئيته وعصاميته، أكثر من مرة في سجون القاهرة والإسكندريّة ودمشق حتّى توفي في سجن القلعة في دمشق لأنّه كان أمينا لما يفكر فيه و صلبا صادقا حتّى النهاية.
إلى جانب الفقيه المتشدّد في شخصه، الّتي حاولت أن أتفهمه في ظرفه التاريخيّ فقط، دون أن يعني ذلك دفاعا راهنا عنه كما قد يريد البعض أن يفهمني. فلا بدّ من رؤية الجانب الآخر والأهمّ عند (ابن تيمية) والوقوف عنده طويلا، وهو شخصيّة المفكّر النّاقد الفذ الّذي كتب في “نقد المنطق الأرسطي الصوري” قبل الحداثة الأوروبيّة بقرون عديدة وكتب في محاولة “درء تعارض العقل مع النقل” صونا للعقل والنقل.

ختام القول-:

أجد نفسي أنا كاتب هذه السّطور، متصالحا بوضوح مع إلحاد (ابن الراوندي) العقلاني الجريء والمبكر جدا. ومع التّشكيك الهادئ والمناور لـ(أبي حيان التوحيدي) ومع الإشارات المضمرة للإلحاد في شعر (أبي العلاء المعري).

ورغم ذلك تتوازن نفسي وترتقي ذائقتي أكثر وأنا أستمع أو أقرأ أفكار وتأملات وسير وأشعار كبار المتصوفّة كابن عربي والسهروردي والحلاج وابن الفارض ورابعة العدوية .. إلخ.  

وأحسّ بتجربة روحيّة غنيّة ومتعة معرفيّة كبيرة، وأنا أقرأ عن سيرة حياة وأفكار وكتب الإمام الغزالي وابن تيمية والإمام الشافعي وجماعة “إخوان الصفا” وووو إلخ. تماما مثلما أحسّ وأنا أقرأ عن أعلام الفلسفة العربيّة الإسلاميّة بدء من الكندي والفارابي حتى ابن رشد.

فالتراث العربي الإسلامي هو بنية غنيّة متعدّدة ومتكاملة ولا يمكن تنقيتها وتجزئتها على هوى وميول الشّخص.. أي شخص كان.

 لذلك أعتبر نفسي منتميا بهويّتي الروحيّة تاريخيا، لكلّ هذه التجربة التاريخيّة الحضارية العظيمة بكلّ تناقضاتها وسلبها وإيجابها.. الّتي هي في النهاية درس تاريخي عظيم، لكن دون التّعلق بأي وهم خاص حول إمكانيّة الانطلاق منها في بناء نهضة مجتمعية جديدة بعيدا عن ثقافة وفكر وفلسفة وعلوم الحداثة.

مثلما أعتبر نفسي وثقافتي ومجمل تكوين شخصيتي الحاليّة، مثل كلّ أبناء جيلي والأجيال المتتالية منذ أوائل القرن العشرين، هي نتاج العصور التنويريّة العلميّة الحديثة الّتي ولدنا فيها وتعلمنا من علومها وثقافتها وفلسفاتها قراءة، واحترام، أي تجربة تاريخيّة حضاريّة بشكل عقلاني نقدي موضوعي وأسلوب بحثي علمي دون أي انحياز مسبق.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق