أندريا ليفي ترحل وكأنها الظلّ دبّت فيه الحياة / سناء عبد العزيز

بعد رحيل الكاتبة البريطانية أندريا ليفي مساء الخميس 14 شباط/ فبراير 2019، كتب غاري يونغ في صحيفة الغارديان البريطانية كلمات معبرة عن حقيقة الموت بعدسة هؤلاء، الذين يعرفون أنهم على بعد خطوات لا محالة منه، على عكس الأشخاص العاديين الذين لا يقفون على حافة الخطر ليروا الموت من مسافة أقرب. تقول الكاتبة والروائية الراحلة سوزان سونتاج في إشارة إلى مرضها بالسرطان: “هناك شيء مرتبط بمجابهة مرض قاتل، مؤداه أنك لن تعود أبداً بالكامل، وبمجرد أن تحصل على حكم بالموت ثمة شيء داخلك يتم تقويته، أو تعميقه بشكل متواصل.. شيء يسمى حيازة حياة”.
أتقبل مطالبتك بحياتي
يصف غاري إحدى المرات الأخيرة التي زار فيها أندريا ليفي، وكيف كانت تضحك بشيء من الجموح وهي تصف نعش أوراق الموز والخيزران الذي اختارته لنفسها. ليفي التي تعايشت مع السرطان فترة من الوقت، إذا بها في السنوات الأخيرة تتقبل مطالبته بحياتها في نهاية المطاف، فتبدأ في الحديث عن موتها الوشيك باعتباره أمراً واقعاً، إلى درجة التعامل مع الترتيبات المتعلقة بوقوف السيارات من أجل الجنازة. لقد حسمت ليفي أمرها بشجاعة تُحسد عليها، ففضلت أن تعيش مع ما هو قادم بدلا من أن تموت مع ما هو قائم. تقول لغاري: “كلنا سنموت”؛ “الفرق أنني أصبح لديّ فكرة جيدة للغاية حين سأموت وأنت لم تحصل عليها بعد”.
يكمل غاري “وهكذا جلسنا، في ظهيرة دافئة في وقت غير معتاد في أكتوبر مع زوجها، بيل مايبلين، في فناء منزلها في شمال لندن، على بعد بضعة أميال من المكان الذي نشأت فيه، وكانت تضحك كلما اصطدم حديثنا بموتها”.

الاعتراف المتأخر دائما
ذكرت الـ”سي. إن. إن” أن ليفي، المعروفة باسم مؤرخة “جيل ويندراش Windrush”، موجة المهاجرين الكاريبيين التي جاءت إلى بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ولدت في لندن عام 1956. وبهذا ينوه الشاعر بنيامين زيفانيا: “في المستقبل إذا أراد أي شخص أن يعرف عن كيفية وصول جيل Windrush إلى هنا وكيف نجا أبناء وبنات هذا الجيل وبقوا على قيد الحياة، فعليهم الرجوع إلى أعمال ليفي”.
وعن الـ”بي. بي. سي” فإن ليفي لم تبدأ الكتابة حتى منتصف الثلاثينات من عمرها، بعد أن التحقت بدورة الكتابة الإبداعية في كلية تعليم الكبار في لندن. وفي عام 1994 نشرت روايتها الأولى “كل مصابيح البيت احترقت”، وهي شبه سيرة ذاتية لامرأة شابة نشأت في شمال لندن في الستينيات. قبل ذلك، لم يُكتب الكثير عن حياة المهاجرين الجمايكيين وعائلاتهم. ولم يكن ذلك حتى صدور روايتها “جزيرة صغيرة “Small Island عام 2004 حيث انطلقت كتاباتها بالفعل مع روايتها الرابعة التي منحتها جائزة كوستا، وجائزة الأورانج وجائزة الكومنولث للكتاب.
بينما يستأنف غاري في الغارديان “قبل بضعة أيام من انطلاقي لتغطية الانتخابات الأميركية، أعربت عن ارتياحها من أنها لن تكون موجودة لتشهد نجاح الفوضى السياسية المؤسفة، هنا وفي أماكن أخرى. فعرضت عليها أن نقدم عرضًا لشاشة بي بي سي لروايتها الأخيرة The Long Song، التي تحولت إلى دراما تلفزيونية، فما كان منها إلا أن أشارت: لا أعتقد أنني سأكون موجودة في ذلك الوقت”.
لم تكن ليفي أكثر حضوراً مما كانت عليه في اللحظة التي غادرتنا. فحين تم عرض الفيلم الوثائقي The Long Song and the Imagine عن حياتها وأعمالها كان وعيها قد بدأ في التدهور. أما المعالجة المسرحية لـ”جزيرة صغيرة” فسيتم عرضها في مسرح أوليفييه في أيار/ مايو القادم.
تقول مازحة “لم أكن منشغلة قط.. يؤسفني ألا أشاهد أيًا منهما”، فالسخرية لم تغب عنها طوال حديثها، لأنها قضت معظم حياتها الأدبية دون الكثير من هذا الاعتراف.

ليفي الصديقة الصدوقة
يحكي غاري: التقيت للمرة الأولى بأندريا في حفل صيفي لصحيفة الغارديان في عام 1999. كانت تقف بطريقتها الخاصة حين اقتربت منها وأخبرتها أنني من أشد المعجبين بكتابيها الأولين. ابتسمت وانسحبت قليلاً، ظنا منها أنني إما مطارد أو حالم. واستنفد الأمر كل ما عندي من طاقة إقناع لجعلها توافق على تناول الغداء معي. تتذكر ليفي: “كنت مثيراً للريبة جداً جداً”. وتكمل “لم يفعل معي أحد ذلك من قبل”. وبمرور الأعوام، أصبحنا أصدقاء مقربين. كانت مثل أخت كبرى بالنسبة لي: داعمة، مشجعة، سخية، مؤنبة بلطف، ساخرة دائماً من الآخرين بحب.
ويضيف: عندما كنت أعيش في أميركا، كنت غالباً ما أقيم معها هي وزوجها بيل في زياراتي إلى لندن، وكانت تتأكد من أن الثلاجة ممتلئة بالأشياء التي أحبها – المسببة للسمنة دائمًا أو الكحوليات- والتي سوف تؤنبني بشأنها. لقد تشاركنا روح الفكاهة الصاخبة، والمرحة، والغريبة في بعض الأحيان – والسياسات المتعلقة بمناهضة العنصرية والمساواة والتعاون الدولي. وحين كتبت عمودًا يدافع عن حق الشباب الباريسي الملون في النزول إلى الشوارع ضد عنصرية النظام، عبرت عن دعمها عبر البريد الإلكتروني، وكتبت “أخشى أنك تحتاج إلى حماية ظهرك أكثر من المعتاد”؛ “أنت تعرف أين أنا إذا كنت بحاجة لي”. لكن علاقتنا تعود في الأصل إلى تجاربنا ككتاب سود من خلفيات الطبقة العاملة كانوا طامحين في عملنا ولكنهم مرتابون بشدة في ثقافة المهن التي اخترناها ويعارضون رغبتنا في تحديد الإنجاز بشروطنا الخاصة.
كان طموح أندريا بادياً عليها ونجاحها بدرجة أقل. لقد أخذت موهبتها على محمل الجد، ولكن ليس نفسها. أرادت أن تُقرأ أعمالها على نطاق واسع، وأحست في معظم مسيرتها الأدبية أنها مضطرة للكفاح من أجل الاعتراف بها. ولكن مع نشر “جزيرة صغيرة” جاءتها الاشادة التي تستحقها. وكتبت لي تصف إثارتها لدعوتها مرة أخرى إلى سنتربرايز، مكتبة ومركز ثقافي اجتماعي في هاكني (مغلق الآن)، حيث قامت بقراءات لكتبها السابقة، بأنها تفاجأت في قراءة جزيرة صغيرة: “عادة ما أجد حوالي 10 من الجمهور… هذا إذا كنت محظوظة، هذه المرة كان المكان ممتلئاً بأكمله (100 … أكثر) لقد شعرت أنني محبوبة”.

استراحة أخيرة
ويتابع: أخبرتني أنه مع نجاح “جزيرة صغيرة”، أصبح بوسعها التقاعد من الكفاح. “لا أملك شيئاً لأفعله في هذا العالم الآن.” منذ سنوات، كان هناك ما بدت فترة هناءة عندما كان بيل يقذف كل يوم بكتاب الطهي ثم يعد الطبق من الصفحة التي توقف عندها. كان هو وأندريا يتوجهان إلى المتاجر لشراء مكونات الوجبة، وكانت هي تكتب وتدير شؤون المنزل بينما بيل يطبخ. لكنها لم تستطع الانسحاب من الكتابة لفترة طويلة. سرعان ما جاءت روايتها “الأغنية الطويلة” ثم مرضها؛ الذي جعلها أكثر انشغالًا وتصميماً.
وقال: لقد شعرت دائمًا كما لو أن أندريا أصبحت أكثر تحركاً كلما اقتربت من النهاية. حريصة جدا على توسيع الرؤية التاريخية البريطانية إلى ما وراء حدودها، وخاصة إلى منطقة البحر الكاريبي، أصبحت محبطة بشكل متزايد من الخيال المقيد والمحدود لحراس البوابات الإعلامية عندما يتعلق الأمر بمنطقة البحر الكاريبي والاستعباد. وفي محاولة منها لاستغلال الانتشار الذي حازته مؤخرا في توسيع معرفتنا التاريخية بالقراءة والكتابة، كانت تواصل في كل لقاء وعلى كل مستوى للحصول على رؤية أكثر شمولاً وأكثر اكتمالا وأكثر إحاطة بقصتنا الوطنية.

كلمات عن ليفي
يقول ناشرها “كانت تعتبر أول مؤلفة بريطانية ملونة تحقق النجاح التجاري والنقدي على نطاق واسع.. لقد حزنت بشدة لرحيلها”.
وتقول جين موربيث، محررة ليفي في “هيد لاين”، إنها “شرُفت بشكل تعجز عن وصفه بأن تعمل مع أندريا وأن تدعوها صديقتي”. و”تراثها فريد من نوعه، وسوف يُسمع صوتها لأجيال قادمة”.
ويقول روفس نوريس، المخرج المسرحي “إن كتابتها تتمتع بروح الدعابة والحرفية والدقة والانفتاح والوضوح ما يجعل مشاهدة أعمالها مبهجة ومتفردة”.
وتقول الممثلة والمخرجة كاثي بيرك إن ليفي كانت “كاتبة عظيمة” وأن روايتها “لونغ سونج” كانت “أفضل شيء في التليفزيون في عيد الميلاد الماضي”.
ويقول السير ليني هنري، الذي لعب دور عبد في معالجة BBC لروايتها “الأغنية الطويلة”، إنه “أحب العمل مع هذه المرأة المشاكسة”. وكتب أيضا: “كانت شخصية مرحة، ولها مواقف وذكية للغاية”.
كانت آخر أعمال ليفي “ست قصص ومقال”، وهي مجموعة من القصص القصيرة التي كتبتها خلال مسيرتها والمقال عن تراثها الكاريبي ونشر في عام 2014. كما كانت موضوع حلقة من سلسلة خيال “آلان ينتوب” في كانون الأول / ديسمبر، والتي استعرضت مسيرتها ومساهمتها في الأدب في بريطانيا.
وأخيراً أستعير كلمات ليفي في روايتها “جزيرة صغيرة” والتي وصفت فيها المرأة السوداء التي تغزل على النول في معرض الإمبراطورية البريطانية للتعبير عن لحظة اقتراب النهاية وكيف استقبلتها: “وكأنها الظل دبت فيه الحياة”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق