أكان البرد أم الجمال أم الجوع ما جعله يتداعى؟ / وائل السّواح

 

ولم تكن فادية الوحيدة التي اعتقلت من بيت الكومونة في المخيّم. سيعتقل برهان الزعبي وأحمد الرشيدات ومحمود العلي من بيوتهم في درعا. وسيطلق سراح برهان ومحمود بعد أشهر قليلة، بينما سيتنظر كلّ من فاروق وأحمد حتى شباط 1980، ليخرجوا مع الجميع.
على أن حملة الاعتقالات لم تتوقّف عند رابطة العمل الشيوعي. كان حافظ الأسد قد قرّر إنهاء كلّ معارضة لحكمه من أي طرف جاءت. ولئن كانت مجابهة اليمين تبدو أسهل للنظام، بسبب التباين الفكري واختلاف القاعدة الاجتماعية بين الطرفين، فإن التحدّي الذي كان يجابه النظام “الاشتراكي-العلماني-اليساري، إلخ” كان يأتي من جهة اليسار، لأنه يشاركه في خلفيته الفكرية ويتقاسم معه الطبقات الشعبية ذاتها. كان ببساطة يكشف زيف الكثير من ادعاءاته اليسارية والقومية، والعلمانية طبعا. لذلك قرّر الأسد إنهاء المعارضة اليسارية بشكل كامل، وقد نجح في ذلك إلى حدّ كبير، حين استطاع أن ينهي الفصائل اليسارية الصغيرة، بدءا من اتحاد الشغيلة إلى حزب العمّال الفلسطيني مرورا بالفصيل الشيوعي وجماعة النهوض. واعتُقل في حملة أيلول عدد من أصدقائنا ورفاقنا، بينهم زياد وطفة وسعيد عبد اللطيف وخلف الزرزور، وسبقهم فايز سارة، القيادي الأبرز في جماعة النهوض وحزب العمّال الفلسطيني.
بيد أن ما آلمني أكثر كان اعتقال الأصدقاء الذين أُخِذوا من بيت الكومونة في كمائن أمنية. كان بينهم أصدقاء شخصيون، كصديقي السلموني الجميل وسام عوّاد. لم يكن وسام سياسيا، رغم أنه من مدينة السلمية التي ترضع نساؤها السياسة مع حليبهن. كان شابا حييّا نحيلا، طويل القامة، محبّا للشراب والثقافة والتاريخ الذي كان يدرسه في الجامعة. كان يضحك لأي طرفة ويحوّل أي حادثة عادية إلى قصّة درامية مشوّقة. ولكنه كان يأخذ كلّ الأمور ببساطة وعلى مهل. حتّى في سيره، كان يسير متمهّلا كأنه يغبّ الشوارع والدكاكين والصبايا، وحين نسير معا، كان يسارع من خطواته ليماشيني، وهو يصرخ: “ولك طولك متر ونص وبدي أركض وراك ركض!!” سيعتقل وسام في كمين في بيت الكومونة، وسيمضي أيضا أشهرا في فرع الخطيب. حين خروجه، سيسافر إلى باريس لاجئا، حيث سيفتح الطريق أمام كثير من رفاقنا للسفر إلى فرنسا، وسيغدو عونا لكلّ سوري يحطّ رحاله في عاصمة النور. التقيت به في 1992، في مدينة بواتييه، كان لديه بيت فرنسي جميل في الريف وزوجة فرنسية لطيفة، لم تستطع في النهاية الاستمرار معه، فانفصلا وعاد إلى سوريا.
لن تطيل فادية وبرهان ومحمود ووسام مكوثهم في سجن جادة الخطيب، سيخرجون بعد أسابيع أو أشهر. فاروق العلي سينتظر مع بقية الرفاق حتى 4 شباط 1980 ليخرج مع الجميع. ولكن الأشهر التالية ستكون حاسمة في مسيرة حياتي ومسار الوطن. رغم أن مدرسة الكادر في حلب لم تكمل مشوارها فقد تمّ توسيع اللجنة المركزية لرابطة العمل وعادت إلى الرقم الأصلي المقدّس: أحد عشر. وإلى جانب من تبقى من الهيئة القديمة وهم أصلان عبد الكريم وفاتح جاموس ونهاد نحّاس، سينضم علي الكردي ومصطفى خليفة وكامل عباس ومنیف ملحم وحسام علّوش وزياد مشهور وأحمد رزق والعبد الفقير. في أوّل جلسة للهيئة المركزية، تناوبني أحساس متناقض، فمن جانب لا أحبّ أن أقول للآخرين ماذا يفعلون، ولم أحبّ في حياتي أن أكون قائدا في أي مجال. أوّل منصب قيادي في حياتي شغلته في الصف العاشر، عندما انتخب الفصل لجنة لتمثيله مع الإدارة مؤلفة من خمسة اشخاص. لم ارشّح نفسي، ولكن أسماء طلاب الفصل الأربعين كانت مدرجة، وجاء اسمي بين الخمسة الفائزين. شعرت بالغبطة والخوف: الغبطة من أنك فجأة صرت في مكان أعلى، يشرف على الآخرين من علٍ، والغبطة من أن رفاقك في الفصل اختاروك أنت من بينهم؛ والخوف من ألا تقوم بواجبك كما ينبغي، ألا تكون على قدر المسؤولية، أن تفشل. المرّة الثانية كانت حين انتخبت عضوا في اللجنة الفرعية للحزب الشيوعي السوري في حيّ الحميدية بحمص. كان ذلك الانتخاب مهزلة، فتقريبا فرضت القيادة اسمي على الناخبين في مؤتمر الفرعية، لسبب واحد: لقد كنت الوحيد من عائلة مسلمة في حيّ مسيحي. كنت لا أزال في السابعة عشر، وفي الفرعية رجال محنّكون ونساء مثقّفات، وكان ينتابني خجل شديد وأنا أحضر اجتماعا لإحدى الفرق الحزبية بصفتي ممثلا للجنة الفرعية.
في رابطة العمل، كان الوضع يختلف، فقد رافقت نشوء التنظيم منذ أيام الحلقات الماركسية، وكنت عضوا في أولى تشكيلاته، وعرفت قيادته عن كثب، ربما بسبب صداقتي الشخصية مع أحمد جمّول. ومن جديد انتابني سرور داخلي بالمسؤولية الجديدة، ولكن سؤالا قلقا كان يؤرّقني: إذا كنت أنا، بخبرتي القليلة، سأشغل هذا المكان، فهل يعني ذلك أن المنظمّة باتت بأيدٍ غير مؤهلة للقيادة؟ بيد أنني لم أمتلك ترف الوقت الكافي للتفكير، فعقدنا أول اجتماع للمركزية في مدينتي حمص، التي زرتها متخفيا لأول مرّة. حلقت لحيتي وابقيت شاربين مكسيكيين بليدين فوق شفتي ووضعت على عينيّ نظارة شمسية نهارا، وفي الليل استبدلت بها نظارة طبية بعدسات نمرة زيرو. وسرت في شوارع المدينة كالغريب، وفي جيبي بطاقة هوية مزورة بإتقان عجيب باسم “وليد ل.” كانت بطاقة حقيقية لشخص حقيقي كنت أعرف عنه كلّ شيء، قام الرفاق فقط باستبدال الصورة بحرفية مذهلة. سأضيّع هذه البطاقة الرائعة بحماقة وأستبدل بها بطاقة سيئة التزوير ستؤدّي بعد سنوات إلى اعتقالي على الحدود قادما من بيروت.
في اجتماع الهيئة المركزية بحمص، انتخبنا لجنة عمل جديدة وهيئة لتحرير الراية الحمراء والشيوعي وأخرى لتحرير “النداء الشعبي”. كانت الراية الحمراء الجريدة الرسمية والناطق بلسان الرابطة، ننشر فيها الرؤى السياسية والبرنامجية والتحليلات السياسية محليا وإقليميا. بالمقابل، كانت “الشيوعي” المجلة النظرية للرابطة، وفيها ننشر مقالاتٍ وابحاثا ذات طابع نظري وأحيانا تأسيسي. أما “النداء الشعبي فكانت جريدة تحريضية كنا نوزعها على نطاق واسع بين الطلبة والعمال والفلاحين وأصحاب الدكاكين، وننشر فيها مقالات بلغة صاخبة وتحريضية، تحض على التمرد على النظام وتبشر بالثورة الشعبية-العسكرية المشتركة. طوال سنين سأقف ضدّ فكرة جريدة “النداء الشعبي”، فقد كانت عقابيلها أسوأ من خيراتها، وبينما فشلنا في تأليب جماهير العمال والفلاحين من وراء جريدة النداء الشعبي، فقط جلبنا ويلات الاعتقال من النظام الذي ساءته الجريدة أكثر من كلّ نشاطاتنا الأخرى.
سيضع الرفاق على كتفيّ عدة أحمال. إلى جانب عضوية الهيئة المركزية، انتخبت عضوا في هيئة تحرير الراية الحمراء ومجلة الشيوعي. وتسلّمت مهامّ اللجنة المنطقية في مدينة دمشق، فصرت مسؤولا عن عدد كبير من الخلايا والرفاق ومشاريع الرفاق (كلمة طالما مقتْها، إذ كيف يمكن لإنسان أن يكون مشروعا؟). وسأتعرف في هذا السياق على عدد متزايد من الرفاق الجدد. كان العمل الحزبي يبدو لي أحيانا كلعبة “الضيوف” التي كما نلعبها ونحن صغار. نأخذ زاوية في غرفة الجلوس، ويمثّل بعضنا دور أهل الدار وبعضنا الآخر دور الضيوف، فنقدم الماء في فناجين القهوة، ونروح ننمّق كلماتنا كما تفعل أمهاتنا آن يستقبلن ضيوفهن. زاد هذا الشعور حين صرت أتلقّى بريد الخلايا وتقاريرها، ومن بين الرفاق والرفيقات أصدقائي الذين اسهر معهم مساء. أعرف خطهم، وأعرف أسلوبهم في الكتابة، وأعرف كيف يتنفسون. فهذا خط فادية، وذاك خطّ برهان، وتلك الرسالة من سلام أو حسيبة.
ستسحرني حسيبة عبد الرحمن بشكل خاص بحضورها الطاغي. كانت تمثّل كلّ ما يحبّه الفتى الثوري في الفتاة الثورية: تدخّن السجائر الوطنية بشراهة، تغب العرق البلدي ولا تسكر، تناقش في السياسة والفكر، مغرمة بروزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت وتروتسكي، تقرأ بمتعة كتاب “استمع أيها الصغير” لفيلهلم رايش، وتحب بابلو نيرودا ولوركا ومحمود درويش. وكانت جميلة. أسرتني بشكل خاص يداها الرشيقتان واصابعها النحيلة، التي تشبه أصابع عازفة بيانو أكثر مما تشبه أصابع مناضلة ثورية، ولذلك تحديدا، اخترتُ لها اسما تنظيميا رشيقا: رشا، ستحمله طويلا، وسيلذّ لي ذلك. في كلّ مرّة تعود فيها من الضيعة، قرب مصياف، كانت تحضر معها مونة تكفي قبيلة، فتطبخ لنا برغلا بالحمّص. أزورها في بيتها المتهالك في حيّ كفر سوسة القديم، الذي نجا بمعجزة من الاستملاك والانضمام إلى جنّة الأثرياء الجدد الذين أتى بهم حافظ الأسد إلى ساحة المجتمع والاقتصاد. أحضر معي نبيذا وطنيا رخيصا، ونبدأ معاركنا السياسية، فورا، وبدون مجاملات. كانت حسيبة تعتقد أن الرابطة ليست ثورية بما فيه الكفاية. وهي لم تكنْ تُكِنّ احتراما كبيرا للقياديين في الرابطة كما كان يفعل معظم الرفاق. كانت تراهم بشرا، تعرف معظمهم، وبينما كان ولاؤها للرابطة لا يتزعزع، فقط كانت لا ترى لماذا عليها أن تطيع هؤلاء الأفراد. وكنت أكثر منها إدراكا بذلك، ولكن كان يلذّ لي أحيانا أن أناكدها، لأراها وهي تنفعل، فتزخّ الكلمات من بين شفتيها كحبّات بَرَدٍ صلبة وقوية وجميلة. ستُعتقل حسيبة مرارا كثيرة. فقدت القدرة على عدّ المرّات التي اعتقلت فيها أو استدعيت إلى فروع الأمن. ولسوف تنال قسطا وافرا من التعذيب، وسيكون مردّ ذلك ثلاثة أمور: كونها من اسرة علوية، ولكن ليس لديها أي قريب في السلطة؛ رفضها الاعتراف بما يطلبه منه المحقّقون؛ و”وقاحتها” الجميلة في الرد على إهاناتهم بإهانات مماثلة. بعد خروجها من أحد الاعتقالات، ستكتب حسيبة رواية جميلة بعنوان “الشرنقة”، تحكي فيها عن تجربة السجن الأولى، وتفتح أراق السجن ورقة، ورقة. لم يحبّ البعض روايتها، واعتبرها “استعراضا للغسيل الوسخ، أما حسيبة، فكعادتها، ابتسمت بسخرية، وتركت الأمور وراءها، وبحثت عن شيء جديد. سترتبط بعلاقة فاتنة مع صديقي جبرا بعد خروجه من السجن في 4 شباط 1980، علاقة غريبة ولكن مدهشة. كان في الإثنين من الطيبة ما يكفي عشرة أشخاص ومن الجمال ونقاء الروح ما يكفي عشرين، ولكنّ لهما طبعين مختلفين: جبرا بهدوئه وسكونه الداخلي وحسيبة بتمردّها الذي لا يقف عن حد أبدا. حين خرجت من السجن عرفت أن علاقتهما انتهت منذ زمان.
وبينما تشردنا نحن في كلّ أصقاع الأرض، ستظل حسيبة في دمشق، تقاوم التهجير والاستملاك ورجال الأمن والثوريين الجدد المحترفين على فيسبوك، تتشبث ببيتها وتطالب بمعرفة مصير رفيقها المغيّب عبد العزيز الخيّر، وتعدّ من تبقّى في المدينة من رفاق وأصدقاء. ولا تزال تنتمي إلى حيّ كفر سوسة الدمشقي القديم، الذي اقتلع الفاسدون توته الشامي، وغرسوا مكانه طوابق الحجر. “أنا صامدة في قلعتي،” تقول المرأة التي لا تزال تحتفظ بسحر الصبية ذاتها، “لن أغادر طفولتي ومدرستي وذكرياتي، لن أغادر منزلي إلا إذا انتصر الموت”. كتبت لها قبل يومين اسألها عن حالها، أجابتني: “تحياتي وقبلاتي. الكهرباء مضروبة”!
كانت حسيبة أيضا من القلّة التي دافعت عني حين كنت أتعرض لهجوم الرفاق بسبب سلوكي “البورجوازي” وأخلاقي “الغربية”. بين هذه القلّة أيضا الذين لم تزعجهم بورجوازيتي، سيسحرني فتى آخر، جاء إلى دمشق من قريته الجميلة “كفرية” ليدرس البكالوريا في دمشق، ومن ثمّ في جامعة دمشق. كان يرتبط تنظيميا بيوسف عبدلكي، وحين اعتقل يوسف انقطع عن التنظيم حتى وصله بي كامل عبّاس ونحن نعيد لملمة خيوط التنظيم. بعد اعتقالات أيلول، أمره الرفاق بالتخفي، ولكنّهم لم يعطوه ما يعيش عليه، فعاش على مساعدة الرفاق والأهل الأصدقاء: جمال سعيد. سيدفعني ذلك إلى أول خلاف حادّ بيني وبين رفاق لجنة العمل، وبينهم أصلان عبد الكريم. “نحن مسؤولون عنه،” قلت ومعي من الرفاق أقلية بينهم أجمل أعضاء المركزية أبو فريد (كامل عباس). ولكن الأغلبية قرّرت أنه ليس لدينا موارد لإعانة كلّ رفيق. انضمّ جمال إلى خلية مثقفين كانت تضمّ أيضا جميل حتمل ونصّار يحيى، وكنت ألتقيه غالبا في شوارع دمشق القديمة، نسرح بين القيميرية وباب توما والعمارة، حيث تناولنا ذات مرّة صحنين من “الكنافة المدلوقة”، وكانت تلك أوّل مرّة يتعرف فيها على هذه الحلوى. راقبت وجهه وهو يتلذّذ بالطعم الدمشقي الأصيل، ويردّد: “يا ألهي!”
في الحواري الشامية، كان جمال يقرأ لي بعض قصائده. كانت قصائد بسيطة ورقراقة كالماء العذب. ولكنني أحببت قصصه أكثر. وأكثر من الإثنين كانت تروق لي نقاشاتنا المتحمسّة حول الشعر والأدب والثقافة والرسم. بسبب شعره البسيط، عرّفته على “إيماءات” يانيس ريتسوس و”أوراق العشب” لوالت ويتمان، وكانا نشرا للتوّ بترجمة متألّقة لسعدي يوسف. وبسبب علاقاته مع المثقفين والأدباء، كلّفته بتوزيع “الراية الحمراء” عليهم. وكان يعود لي بقصص ممتعة عن كيف يتلقّى المثقفون جريدتنا.
بندر عبد الحميد وسهيل ابراهيم وعادل محمود كانوا يبتسمون، ويخبئون الظرف الذي يناولهم اياه جمال في الحال. نزيه ابو عفش اعتقد أن الفتى اللطيف مخبر للأجهزة الأمنية يريد الإيقاع به. سعد الله ونّوس كان الاكثر جدية، يحاور ويدلي برأيه ونصائحه. أستاذ الفلسفة نايف بلّوز كان يستقبله في بيته في القصّاع، ويذهب معه في التفاصيل الدقيقة لمقالات العدد السابق. خالد أبو خالد وأحمد دحبور كانا يعملان في وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا). رغب أحمد بالحوار مع جمال، بينما صاح به ابو خالد: “لا. لا اريد ان احاورك”! أما زكريا تامر فكان يشتم الشيوعيين، ولكنّه في كلّ مرة يدخل يده في جيبه ويخرجها بمبلغ ما يتبرّع به للمنظمة. ومنه تقاضى جمال أكبر تبرّع في ذلك الوقت: ٢٥ ليرة سورية. كان بوسع جمال أن يشتري بها طعاما لأسبوعين لو احتفظ بها، ولكنه طبعا لم يفعل.
لم يكن جمال رفيقا أمضي معه دقائق في الطريق وأمضي لشأني كحال معظم الرفاق الآخرين. كان الوقت الذي أمضيه معه ينزلق بيسر وليونة، حاملا معه رهافة وحسّا وحضورا أثيريا لطيفا. لعيني جمال عمق ودفء غريبان. أردت أن أعرّفه إلى صبية تشبهه في الرهافة والحضور: رنا، شقيقة صديقتنا الجميلة غادة. كانت رنا جميلة بشكل يؤلم أحيانا، لا يخفّف من استبداد جمالها سوى لطفها ودِعَتها، والبراءة الطفلية التي تطلّ من شرفتي عينيها. في أمسية ايلولية لطيفة، صحبت الاثنين إلى مطعم “أبو شفيق” في الربوة. كانت الربوة وقتها في أواخر ايامها الجميلة، ولا تزال المياه تسيل في الوادي الذي يشرف عليه المطعم. تسلّقنا الدرج الذي يحتفظ بحكايات أقدام الملايين الذين صعدوا عليه قبلنا، وجلسنا إلى طاولة منزوية. طلبت نبيذا أحمر، ورحنا نشرب. كانت رنا تثرثر في كلّ موضوع بانطلاقها المحبّب الجميل، بينما كان جمال يسهب في الحديث عن الشعر، بنفس الروية والهدوء اللذين سيحافظ عليهما طيلة حياته. لست واثقا الآن، أكان الهواء الخريفي الذي تسلل إلى قميص جمال الرقيق، أم الجمال الأثيري الذي كان يفيض من رنا، أم لعلّه الجوع، فلست أعرف متى تناول آخر وجبة قبل النبيذ، ولكنني أتذكر كما لو كان بالأمس، كيف شحب لون جمال، وبدأ يتداعى، من الحمّى. ورنا الرقيقة أخذت يديه تشعره أننا معه، كما تفعل الأمهات عموما. طلبت تاكسي، وعدنا إلى المدينة. أوصلت رنا أولا، ثم نقّدت السائق أجرة وتركته يأخذ جمال وحيدا. فما كان عليّ أن أعرف أين يقيم.
سيعتقل جمال بعد شهور. كان قد غادر كفرية النائمة في جبال اللاذقية، عائدا على دمشق، بعد قرار لجنة العمل عودة الرفاق غير القياديين المتخفين إلى العلن، بعد إفراجات شباط 1980. وجمال الذي كان يطالب هو نفسه بذلك في فترة الإفراج الأولى صار يراه نوعا من رمي النفس في النار بعد اعتقال قياديين مثل نهاد نحاس وزياد مشهور. سيتعرّض لضغط شديد من الرفاق ليعود إلى العلن، فيوافق ويعود إلى دمشق ليحتفل برأس سنة 1981. لم يحتفل جمال برأس السنة. قبل يومين، أوقف حاجز للأمن العسكري، على مدخل المدينة، الميكروباص الذي كان يقلّ أكثر من عشرين راكبا. وطلب العناصر من الشاب الذي يرتدي معطفا بنيا أن ينزل مع أغراضه. نزل جمال، وكما علّمه الرفاق، أراد أن يخلق ضجّة حول اعتقاله، فطلب من عناصر الأمن هوياتهم وأمر الاعتقال. كان يريد، كما سيقول لي لاحقا، أن يلفت انتباه “الشعب”، ولكنّ الباص الذي كان يقلّه أخذ “الشعب” معه وأسرع في المغادرة، وبقي جمال مع عناصر مفرزة الأمن “وحارس كهل لبوابة معمل الجرّارات القريب يمشي متثاقلا بعد ان انتهت نوبة حراسته.”

عن موقع درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. أحمد عزيز الحسين

    عبارتان شدتا انتباهي في هذا المقال واعتبرتهما اجتراحاً سرديّاً ومجازياً : الأولى، قولك عن جمال “رشا” : إن “جمالها كان يؤلم أحياناً”، والثانية ” حمل الشعب معه ومشى “؛ وقد كانت العبارة الأولى مكثفة جداً، وأغنت النص عن ذكر عدد كبير من الجمل التي تصف جمال رشا، كما أنها جعلت القارئ يتوقف، ويسأل نفسه: كيف يمكن لجمال فتاة أن يكون مؤلماً للشاب الذي ينظر إليها، ومن أين ينبثق هذا الالم ؟ هل هو نابع مِن الرغبة الشديدة في الاشتهاء أم من العجز عن الاستحواز ؟
    أما الجملة الثانية فترشح بوجود قطيعة بين ” الشعب ” أوبين “القطيع” وبين “المثقف اليساري” الذي يتبنى قضيته ويدافع عنها، ويضحي بنفسه في سبيله، ولكنه يخفق في الوصول إليه، إذ توحي العبارة السابقة بأن هناك مسافة شاسعة ظلت قائمة بين هذا المثقف وبين الشعب، ممّا جعل الأخير يتخلى عن ” المثقف” في محنته، ولا ينبري لحمايته والدفاع عنه عندما لاحقته السلطة؛ مما ساعدها على سحق “المثقف” دون أن يشعر ” الشعب” بأن ظلماً حاق به، أو أصاب رمزاً يمثله، وهو ما يشي بوجود مسافة أيضاً بين (مجموعة الأحزاب اليسارية) وبين (الشعب ) الذي كانت تفترض أنها تدافع عنه، ولكنها لم تحسن في الاقتراب منه إلى الدرجة التي تجعله يدافع عنها باعتبارها ظهيره وسنده، وهو ما ساهم في إخفاق الأحزاب اليسارية عموماً، وجعلها عاجزة عن تمثيل الشعب الذي تمثله، ومع هذا كله لم تطرح هذه المسألة على طاولة البحث والنقاش، وحين طرحها بعض المفكرين من أمثال الياس مرقص قوبلوا بالعداء من قبل الأحزاب السابقة، وجرى فصلهم من قبل هذه الأحزاب، وهو ما يطرح ضرورة إعادة طرح المسألة من جديد وبجدية أكبر كي يمكن الاستفادة منها في المستقبل .

أضف تعليق