أصَابعُ اللَّهَب

 

تعدَّدَتْ أشكالُ السَّفَر

والمَوتُ واحِد.

تلوَّنتْ المَحطّات

المَوتُ بالأنفاق

المَوتُ بالمَاء

المَوتُ بالهَواء

المَوتُ احتِرَاقاً

المَوتُ اختناقاً

المَوتُ انتظاراً

أبشعُ المَحطّات

هي

المَوتُ في انتِظار الحَياة.

المَوتُ الفِعل والفَاعِل

الضَّابطُ الكُل والهَازِئ من الكُل.

أكثرُها عَبثيَّة وسُريَاليَّة

هي تجرِبَة الاقتِرابِ منَ المَوت

العَودَة منَ المَوت إلى الحَياة

حيثُ يَخرجُ الزَّمَن عن مَسَاره

ليدخلَ في اللاسِياق

بُرهةً منَ اللازمَن

أجزاءً منَ اللاأدْريَّة

وجُزيئاتٍ منَ الذُّهول

في حَضرةِ اللامَعقول.

سِباحةٌ كونيَّة

تتجلَّى

لحظةَ عِناقِ العَقارِب

حيثُ يتلاشَى الواحِدُ في الآخَر

هذه سَاعةُ الصِّفر

لعبَةُ البداية-النهاية

قُبلةُ الأرقام المُتوازية

رُبَّما هو مَخاضُ الرّوح

التي لا تعرِفُ الاستقرار

في  المَاديّات

فتشقُّ الجَسَد

باحثةً عن توأمِها

الذي يُشاركُها ألوانَ الطَّيف

تشقّه إلى أن يَخرُجَ اللهَب

مِثلمَا هوَ الحَال معَ هذه الأصَابع.

تعدَّدت أشكالُ السَّفر

والمَوتُ واحِد.

تلوَّنَتْ المَحَطّات

المَوتُ غرقاً

المَوتُ اختناقاً

المَوتُ احتراقاً

المَوتُ انتظاراً

المَحطّة التكوينيّة

المَحطّة ما بعد المَحطّة

جَدليّة الولادة-المَوت

أزمَةُ وجودِنا الإنساني

ضريبَةُ هذا الاحتِباس.

أجملُها

الولادة ما بعد المَوت

مِن رَحمِ غايا

من التّراب إلى الكُل.

لكنَّ الأجمَل

هو الانعِتاق مِن هذه الجَدليّات

نحوَ اللحمَة الكونيَّة

دونَ تُرابيّة الجَسَد

وجِسمَانيّة التُراب.

الواحِدُ في الكُلّ والكلُّ في الواحِد.

هل سمِعتم بالمَوتِ سَفراً؟

هل يتخلَّل السَّفرُ عبرَ الزّمن

مَوتاً ما؟

ومَا الذي يَموتُ على وَجه التَحديد؟

هل المَوتُ سَفرٌ أيضاً؟

ومن اخترَعَ آلةَ الزّمَن-الحَرب؟

ولماذا نَحنُ دَوماً على حَربٍ مَع الزّمَن؟

آلةُ الزّمَن بِدعَةٌ قدِيمَة

ابتدَعَها الإنسَان

مُذْ خَرَجَ

مِن بَطنِ الأرض

ورَاحَ يَهيمُ على وجهِه خَوفاً

يعيثُ خرَاباً

وينشرُ حِقداً وذعراً.

آلةُ الزّمن هذه

هي بروباغاندا الإله

تحتَ الحِصَار

أمامَ واقعِ سُلطته المَأزوم

الغازي الذي ادّعَى الوِلادة

فولدَ مِنيرفا بكلِّ حِكمتها

من رأسِه

مُدجَّجةً بالسِّلاح!

فكيفَ بنا نتكلمُ عَن رأسِ الحِكمَة

وقد أمسَتْ آلة الزّمَن

عَصَا أرباب الحَرب السِّحريّة!

خارِجَ هذا السِّياق

يقفُ العلمَاء

الفيزيائيون مِنهم والفلكيّون

يَحلُمُون بتفكيكِ الزَّمن

بالسَّفر

ورُبَّما بتلاوة الأسفَار التوراتيِّة

بينما تدورُ رَحَى الحَرب

وندورُ بينَ كفّيها

أسرى

لا حولَ لنا ولا قوّة

يخرجونَ عن النص بالفيزياء

ويكلّمون الكواكبَ

ظناً مِنهم أنَّها أرواحٌ مثلُنا

حُبِسَت في قوالبَ أخرى

وتجسَّدَت بحُكم التِكرار

بهيئاتٍ مُختلِفة

فينوس إلهةُ الجَمال

مارس إله الحَرب

وطبعا ً لا ننسَى النيازك

والعمَاليق

التنّين الذي تبعَ الفُلكَ شوطاً

ووحيدُ القرن الذي خرَجَ من اللُعبة

طرداً بالبِطاقة الحَمراء.

نحنُ في آلةِ الزَّمن

هذه الآلة التي لم تخطُر

على بالِ إنسَان

في العَالَم المُتحضّر.

الآلة التي لا تقيمُ

وزناً للأحلام

ولا تُبالي بالنّسخ والتّكرار

وقد ضَربَتْ جُذورها

في عُمقِ أعمَاقِ

الأرض

عِنوةً.

هُنا في دِمشق

نُسافرُ عبرَ الزّمن

لا إلى مَجرّات وكَواكِبَ أخرى

لا إلى عَوَالِمَ مُوازيَة

نُسافرُ

رغماً عنَّا

بينَ العُصور الوسطى

والقرن الواحد والعشرين.

نُسافرُ يومياً

بالجَسد والفِكر والنَّفس

بينَ الظلمات وما بعد الأنوار

لحظةَ انقطاعِ التيّار

تيّار الحياة

نُسافرُ مُحمَّلين بأوزارِ

هذه الحَرب اللعينة

التي قضَتْ

على  البَشر والحَجَر والشَّجر

نُسافرُ فاغري العُيون

وقد أفرِغنا مِن الحَياة

مثلُ المَوتى الأحيَاء

نُسافرُ مُكبّلين

وقد سُلِبنا

دَهشةَ الأطفال

الذين يَحلُمُون دائماً أبداً

بالسَّفر عبرَ الزّمن.

نُسافرُ

لأنَّنا لمْ نعُد نقوى على العَيشِ أكثر

نُسافرُ

لأنَّنا لمْ نعُد نقوى على العَيشِ هنا

فهُنا خاصّتنا لا تشبه هُناكم في شيء

اختلطتِ الأورَاق وتبَعثرَتْ

حتَّى الظروف الزَّمكانية

خلَعتْ دلالاتها

وأمسَت إشاراتنا صَمّاء.

نُسافرُ لنكونَ جزءاً

من البانوراما القروسطيّة

المَرسومَة بدقّة الأبعَاد

الثلاثيّة والخماسيَة.

داخلَ هذه المنظومة

الجَسد

المَصنع

سجينُ

الأيدي العُلويّة

يولدُ ويتوالدُ

فيَحيكُ

أجساداً

جديدةً

عاريةً

من كلّ ما يخصُّ

الرّوح والنفس والإنسان

هياكلَ عظميّة

تُحرّكها عَواطِف وغرَائز

النُخبَة البَابويَّة.

فنشهدَ اضطِهاد السَّاحِرات

ومقتلَ جون دارك

والمَحاكِم الدينيّة

والحُروبَ المُقدّسة.

هذا ليسَ بفيلم من أفلام الخيال العِلمي

ولا بمَلحمةٍ من مَلاحِمَ أوفيد

فقد نفقتْ المَلاحِم في هذا الزّمَن الرّديء

نحنُ فقط نُحاكي أشباحَ المَاضي

ونُحيكُ من حَكايات السَّلف

وبقاياهم ورُفاتهم

رقعاً للجَسد المَائت

ونُكحّلُ بِها عُيونَ الحَاضر

هذا الرَّماد المُمتد

فوقَ جِباهنا

يَسرُقنا من الأنوار الكونيّة

والقناديلِ الهُلاميّة

الهائمة في فضاءاتنا الداخلية.

يَسرُقنا في قواربِ المَوت

وقطاراتِ الرُعب

داخلَ سَراديب

هذه الكوميديا السَّوداء.

مُحاصَرون

نبحثُ عن مَخرَج

لهذا العبورِ المُستمر

ضمنَ بوّاباتِ الشَّبكة

للكفِّ عن إعادةِ الإقلاع

للكفِّ عن هذا اللعبِ الفضائي

لنرسمَ منحًى من هذه الاعتباطيّة

وفقَ بَرمجيّات المَعقول

لندخلَ من جَديد

في المُمكِن.

تعدَّدت أشكالُ السَّفر

والمَوتُ واحد.

ميتا فيزياء

ميتا سرد

ميتا مسرح

ميتا شعر

ميتا أخلاق

في غمرَة هذا الأخير

عندما تتلوَّن سمَاؤنا

بالأخضر

ويتدلّى الرّوح

في غنجٍ

على أعوادِ الذهَب.

في الوسَط

لهبٌ من نوعٍ آخر

زوجُ ألسِنة

روحٌ في جسَدين

اجتمعَت

الأنثى والذكر الكونيّان

نقفُ وجهاً لوجه

تحيطُ بنا

أربَعةٌ من الألسِنة

على شكلِ هَالة

ترقصُ

فوقَ هذه اليد

التي كانَ لابدّ

لي أن أرسُم

فشمعةٌ تحترِق

لابُدَّ أن تكبُر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. Majd Hamsho

    القصيدة فيها نفحات فيزيائيّة أدبيّة نثريّة تتمازج مع بعضها مُشكِّلةً تساؤلات مُحيِّرة ورؤى مُتنوِّعة للوجود الإنسانيّ وخاصّة فكرة الموت ما بعد الحداثويّة إضافة إلى الموقف اللّاأدري أو اللّامُتحدَّد.
    إنّ السّفر عبر الزّمن والعوالم المتوازية كفِكَر مابعد حداثويّة وكوانتميّة انتقلت عند الكاتبة إلى فِكَر نثريّة يكاد يُلمَس من خلالها الموقف من الواقع الحالي المترنِّح بين الحداثة والقروسطيّة.
    تُختلَط فيما بعد المثيولوجيا بالأدب وبالفيزياء، وتَفرُشُ أسطورة الأندروجين أجنحتها في النّصّ عِبر دلّالات رباعيّة ومن خلال اختلاطها بالفيزياء العماهيّة الّتي تُحيِّر القارئ والكاتبة.
    نُنقَل في القصيدة عبر محطات وتساؤلات كبرى لا يمكن من خلالها الوقوف على أرض ثابتة إنّما نبقى نسبح في بحر المجهول واللّامتعيّن.
    تحياتي أماني العزيزة، والتّحية لأصابع اللّهب المُشتعِلة دائماً ولا تنطفئ.

الرد على 1 |

إلغاء الرد