فقدان اليقين

تطرح فلسفة الأخلاق مسألة مشروعيّة المصالح الماثلة في عالم الفرد المسائل، غير أنّ هذه المصالح، الّتي هي في ذاتها تاريخيّة، لا تبدو كذلك بالنسبة إليه، إذ هي تتبدّى في نظره في شكل أهداف يسعى إليها “بشكل طبيعيّ” وهي “بداهة” أهداف صحيحة، طيّبة، لها معناها وتضمن المعنى. لكن قد تكون هذه الأهداف متعارضة بعضها مع بعض أيضا، إمّا لأنّه لا يمكن للفرد نفسه أن يبلغها جميعا، وإمّا لأنّ بعضها يناقض بعضا، وتجبر الفرد على أن يختار، فيصبح المشكل عندئذ، غير محصور في كيف ينبغي أن نفعل، بل أيضا  لأي هدف نفعل؟ (…)

وإذا قدّرنا الأمر من وجهة نظر التّفكير هذه، تفكير الفلسفة في صيرورتها الخاصّة- لأنّ الفلسفة عندنا حقيقة تاريخيّة ومعطى – فإنّ لكلّ إنسان أخلاقا. غير أنّ هذه الأخلاق لا تبدو له نسقا أخلاقيا من جملة أنساق أخرى من الأخلاق قد تساويها قيمة، بل إنّ هذه الأخلاق في صيغة الجمع لا تكتسب معناها إلاّ في فترة متأخرة، بعد طول اتّصال بمجموعات أخرى لكلّ منها أخلاقها، وبعد صراعات متردّدة أو هزائم. ففي البدء يكون اليقين الأخلاقي: نعرف ما يجب فعله وما يجب تجنبه، ونعرف المرغوب فيه والمرغوب عنه، والحسن و السيئ. ثمّ يفضي صراع أنساق الأخلاق، واكتشاف تناقضات داخل نسق من الأخلاق (وهي تناقضات لا تبدو إلاّ إثر تلك الصراعات) إلى التّفكير في الأخلاق، أو لنقل، بصفة أدق، إنّ فقدان اليقين أو رفضه هو ما يؤدّي إلى ذلك: لأنّ اليقين لا يدحضه مجرد النقد المنطقي، ولأنّ ما قد يحمله في صلبه من التّناقضات لا يسبب له البتّة حرجا: فالتّناقض الداخلي والتّنافر لا يحرجان أحدا لأنّه لا أحد يكتشفهما قبل أن يتحولّا إلى تناقضات خارجية يعبر عنها أفراد آخرون أو تصبح محسوسة من جراء فشل مبادرات “كان ينبغي” أن تنجح.

فالتّفكير الفلسفي بشأن الأخلاق ينشأ من الأخلاق المحسوسة، ولكنّه لا يخضع لحكم تلك الأخلاق. وتتمثّل القضية عنده في استرجاع اليقين المفقود (أو ما يعادله) ولا تطرح القضية إلاّ حيث تمت زعزعة تلك الأخلاق، فتطرق إليها الشك ولم تعد من قبيل ما هو مسلم به ولا قادرة على توفير الأساس المتين الّذي يبحث عنه التفكير. وبذلك تجعل وجهة نظرها، وهي مختلفة بالضّرورة عن وجهة نظر الأخلاق المحسوسة، من الفيلسوف خائنا لأخلاق مجموعته في نظر الّذين يسلمون بتلك الأخلاق دون أن يخامرهم سؤال.

******

إيريك فايل: فلسفة الأخلاق

Eric WEIL: Philosophie morale,Paris,Ed, Vrin,1961, pp 12-13

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق