المسرح الجزائري: إلى أين؟

حوار مع المسرحيّة والأكاديميّة الجزائريّة خيرة بوعتو

 

خيرة  بوعتو: كاتبة مسرحيّة وأستاذة جامعيّة بكلية الأدب العربيّ والفنون، جامعة مستغانم. غرب الجزائر، متحصّلة  على الدكتوراه في الدّراسات المسرحيّة، من جامعة وهران، حول الدراماتورجيا وتقنيات الإخراج المسرحيّ.  نال الموندرام  “علب” الّذي كتبت نصّه وأخرجته جوائز عديدة: جائزة أحسن نصّ بمهرجان ألتسيرا الدولي للمونودرام بالكاف/تونس، وجائزة أحسن نصّ وأحسن توظيف موسيقيّ بالمهرجان الجامعيّ الوطنيّ للمسرح النسويّ ببجاية…

حدّثتنا في هذا الحوار عن العوامل الّتي عطّلت مسيرة المسرح الجزائريّ وعن تلك الّتي باتت تقف حجر عثرة أمام تطوّره.

ما انشغالاتك اليوم؟                                                                                                         

أهتمّ بشكل كبير بالمسرح، والحياة الثقافيّة في البلد على العموم. وفي حالة تساؤل عن الوضع الثقافيّ في الجزائر. فمقارنة بتونس والمغرب. الوضع الثّقافي عندنا في الجزائر متدنّ وكئيب. نفاق كبير بين الفنّانين والمثقّفين، وللأسف لا نملك المثقّف النّموذج، علاوة على مضايقات الإسلاميين  للفعل الثقافيّ  والّتي أصبحت تدعو للقلق الكبير وتشير إلى  الوضع السيّء الّذي نعيشه، وهذا ما يدعونا بشكل كبير للتّفكير في النّضال من أجل علمانيّة حقيقيّة حتّى لا يتكلّم أحد بإسم الله. ولا نملك الآن أيّ مسرحيّ أحدث أيّ خطر على أيّ مؤسّسة سواء كانت سياسيّة أو اجتماعيّة أو دينيّة، فالكلّ خاضع.

 ما طبيعة هذا الخضوع في مجال المسرح؟                           

ربّما لا يدرك البعض مدى قوّة المسرح على التّغيير، فيتعاملون معه بنوع من التّساهل متجاهلين دوره الحقيقي. وأظنّ أنّ ما أفسد الوضع أكثر هو ما عاشه البعض من بحبوحة، وأصبحت ممارسة المسرح لديهم تعادل المال. فكانت جلّ أعمال هاته الفترة سواء مناسباتيّة  خصوصا ما يتعلّق بالثّورة التحريريّة أيّام الخمسينية، أو ما يتعلّق بإحدى تظاهرات العواصم الّتي عرفتها الجزائر. فغلب على الوضع الّذين يغتنمون الفرص وغاب أصحاب الكفاءات، وهاجر البعض الآخر. ولهذا لم نشاهد عروضا مهمّة ذات بعد فنّي جماليّ. وحتّى المهرجانات المسرحيّة السّائدة في تلك الفترة أو المقامة حاليا، لا تعبّر عن حركة ثقافيّة حقيقيّة، بل مجرّد بهرجة، ونفس الشّيء مع مهرجان السينما المقام بوهران، فلا يعقل صرف العديد من المليارات على مهرجان سينما، والبلد ليس به سينما، إلّا من بعض الآلام الثوريّة المشكوك حتّى في تفاصيليها التاريخيّة، بل أصبحت هاته الأفلام مصدر رزق لبعض المخرجين، ونظرا لكلّ هذا لا أعتقد بأنّ  هذا الوضع مؤهّل لخلق مسرح جادّ وحقيقيّ، بل مجرّد فقاعات هوائيّة هنا وهناك.

 

نلاحظ أنّ المسرح الجزائري يفقد جمهوره يوما بعد يوم. هل يعود ذلك إلى انتشار الفكر الدينيّ المتزمت أم لأسباب أخرى؟     

  هي مجموعة أسباب متداخلة مع بعضها، منها بالطّبع انتشار الفكر الدينيّ المتزمت، فقد اختلّت موازين عديدة بعد العشريّة السوداء في مجال الثّقافة، بقتل فنّانين ومثّقفين، وتهديدات عديدة. إضافة إلى أنّ الدولة لم تهتمّ بالفنّ منذ الاستقلال. وبالتّالي نتج عن ذلك مجتمع لا يهتمّ بالثّقافة، بل همّه الوحيد إيجاد عمل مناسب، ومنزل محترم للعيش. فهو بعيد كلّ البعد عن ما هو ثقافيّ، إلّا من بعض الحالات الشاذّة.

والمسرح؟                                                                                

المسرح بعيد عن الجمهور في عدم طرحه للقضايا الآنيّة الّتي يعيشها، كما الجمهور لا يهتمّ بالمسرح، رغم أنّه يهتمّ كثيرا بالذّهاب للمسجد في كلّ الأوقات، نحتاج للثّقافة كما نحتاج لله، الله جميل يحبّ الجمال، فلما نبتعد عن الجمال والفنّ. لنا الكثير من المساجد الضّخمة والمصلّيات في كلّ حيّ، ولا نملك دورا للثّقافة بهاته الأحياء. نرى النّاس قادرين على دفع قيمة  سندويش ثمنه  500دج ويريدون العروض المجانيّة، و لذلك كثرت المطاعم وغابت الثّقافة.. حين يريد الجمهور عروضا مجانيّة فهذا يعني أنّها إضافيّة ولا تعنيه كثيرا لأنّه لم يتعلّم صرف دينارات  مقابل التّمتع بعمل فنّي، في حين يبحث دائما عن الاستهلاك وهذا الوضع يتقاسمه المجتمع مع النّظام الّذي أوجده.

هذا حكم قاس جدّا … فما العمل؟                                                                                 

لأنّها الحقيقة الّتي لا يجب أن نتجاهلها، فالمجتمع يعيش في خطر كبير، الكلّ يستغل الكلّ، لا يجب أن نزين الوضع لنعيش الوهم.
أرى من الضروريّ إعادة بناء الإنسان الفنّان والإنسان المتذوّق، وهذا بإدخال مادّة الفنون بالمدرسة، وبكالوريا فنون كما توجد تخصّصات علميّة وأدبيّة بالباكالوريا. كما هو الحال بالشقيقة تونس. ثمّ التكوين بجميع تخصصات الفنون، وبجودة عالية بالاعتماد على مختصّين من الخارج، من الدول المتقدّمة. وعلى كلّ المستويات وليس الاهتمام بمعهد وحيد على المستوى الوطنيّ، كما هو الحال مع المعهد العالي لفنون العرض، هذا المعهد الميؤوس منه. ثمّ ضرورة الاهتمام بالتّكوين الجامعيّ للفنون، فحالة الفنون بالجامعة الجزائريّة تعيش كوارث وحالات اختراق كبيرة، فوجود هاته التّخصصات يشبه تماما وجود تلك البنايات الشّامخة تحت مسمّى “المسرح”، فهي كما قلت سابقا عمليّة إيهام بتحسن الوضع، لكن الحقيقة بعيدة كلّ البعد عن ذلك. إضافة إلى إعادة النّظر في القوانين المسيّرة لمجال الفنون وفي تسيير المسارح، وتشجيع الخواص سواء في إنشاء مدارس فنيّة خاصّة أو مسارح خاصّة.

وإذا عدنا إلى المسرح ذاته ما هي العوامل الّتي جعلته يتراجع في رأيك؟                                     

عوامل عديدة ومتداخلة، أهمّها التّكوين، المسرحي الجزائري سواء كان كاتبا، مخرجا، ممثلا، سينوغرافا أو تقنيا يعاني من ضعف كبير، وغير مكوّن بشكل جيّد. فمن الضّروريّ التّأكيد على التّكوين الفنيّ، إضافة إلى غياب محرّك هامّ للعمليّة المسرحيّة ألا وهو النّقد، فالنّقد غائب تماما، إلّا من بعض المقالات الصحفية غير المتخصّصة، والّتي  هي مجرّد تغطيات للعروض لا غير. وحتّى النّقد الأكاديمي موسميّ في إطار البحث العلميّ للحصول على شهادات التّدرج وما بعد التّدرج، ثمّ يتوقف الباحث عن البحث، إلّا من بعض المقالات العلميّة التأريخيّة أو النظريّة الّتي لا صلة لها بالواقع المسرحيّ للبلد. وغياب النّقد جعل البعض لا يحتمل فكرة أن يناقش عرضه ويتعرّض للنّقد، كما هو معروف في الأوساط المسرحيّة أنّنا نفتقد لثقافة النّقاش ونتعامل بذاتيّة كبيرة، وبحساسيات كبيرة أيضا. فلا توجد تقاليد مسرحيّة لدينا. ولم يعد المسرح الجزائري يحدث أيّ ضجة إعلاميّة على المستوى الدوليّ كما كان سابقا، فلم يعد له أيّ أثر.

كيف النّهوض بالمسرح الجزائري في رأيك؟ 

إعادة النّظر في السياسيّة الثقافيّة المتّبعة، وفي القضاء على المجانيّة، وإعادة النّظر في اللّغة المستخدمة بالمسرح، فاللّغة الفصحى غير اللّغة العاميّة، فعلى المسرحيّ أن يستعمل  اللّغة الّتي يفهمها الجميع والّتي تصل إلى المتلقي مباشرة، وليس كما يفعل البعض إذ  يستعمل اللّغة العربيّة الفصحى  فقط  من أجل البحث عن فرصة الفوز  بجولة في الوطن العربيّ، أو حتّى الكتابة باللّغة الفرنسيّة لعرض   عمله في فرنسا.  المسرح غير الأدب الّذي قد يكتب بلغات متعدّدة، المسرح له خصوصيّة هنا والآن، يعني أن تكتب لجمهورك، أن تبدأ من محلّيتك وطبعا بتقنيات عالميّة. فالمسرح كما الطّقوس فعل اجتماعيّ بامتياز يؤكّد على الهويّة وليس لأغراض أخرى غير فنيّة.  وفي الأخير يجب التّأكيد على الجوّ العام الّذي يمارس فيه المسرحي ألا وهي الحريّة فدون الحريّة يصبح الفنّان مجرّد آلة تسير وفق الموجود والمعمول به. وللأسف البعض غير واع بمقدار الحريّة الّتي يمكن أن يمارسها على تلك الأمتار الخشبيّة…

هل تقصدين أنّ هناك مراقبة؟

لا أعتقد أنّ هناك مراقبة بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، لكن هناك مراقبة المجتمع غير الواعي الّذي يرفض التّساؤل والتّفكير في بعض القضايا الّتي يراها بديهيات ومسلّمات غير قابلة للمناقشة. سيكون هذا المجتمع هو القوّة الّتي ترفض هذا المسرح الّذي يطرح قضايا فكريّة. إضافة إلى تدخّل المؤسّسة الدينيّة، وتخويل نفسها حقّ الدّفاع عن الله، ومؤسّسات أخرى قد تعارض أيّ عمل لا يتّفق مع غاياتها، كالقوى السياسيّة مثلا. لكن أرى أنّ المسرح الّذي لا يكسر أيّ دستور سواء كان اجتماعيّا أو دينيّا أو سياسيّا، لغرض توعية الفرد بما يجري في مجتمعه، فلا فائدة ترجى منه ولا ضرورة لوجوده أصلا،  فهناك فنون أخرى للتّرفيه إذا كان الهدف هو التّرفيه فقط.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق