ماذا عن خلفيّة مجزرة نيوزيلندا؟

لم يعد مقبولا اليوم في البحث والتّحليل والدراسة من طرف أي مقاربة مهما كانت خلفياتها الفلسفيّة والمعرفيّة الابستمولوجيّة والإيديولوجيّة تناول الأحداث والوقائع الحيّة داخل المجتمعات بشكل سكوني معزول مهما كانت تلك الأحداث والوقائع والعلاقات والتّفاعلات…، ضيّقة محدودة في فعلها وبعدها الفرديّ، بمعنى أنّ لكلّ ما يحدث في الواقع الحيّ للمجتمعات سياقات وارتباطات وتفاعلات معقّدة التّركيب في النّشأة والتّكوّن والتّطور، لا يعيها غالبا الأفراد والجماعات. لذلك من العلميّ أن نسمع سؤال الحديث عن ينابيع الإرهاب، أي في البحث عن الخلفيات الّتي تولد وتحتضن صناعة الإرهاب. وفي سيرورة أفق هذا السّؤال نفكّر خلفيات مجزرة نيوزيلندا الّتي لم تكن فعلا إجراميا فرديا مستقلّا، بل له كما قلنا ارتباطات وسياقات وتفاعلات معقّدة التّركيب، زادها بيان الإرهابيّ، دون وعي منه، غموضا وتعتيما لنفسه في فهم ما ارتكبه من مجزرة مروّعة، وللآخرين من المؤيدين والمندّدين بجريمته البشعة. فكيف يمكننا إزالة هذا الغموض والتّعتيم والالتباس الّذي يحيط بها؟

هل نتعسّف في القول إلى درجة إسقاط للخواطر والتّحيزات الإيديولوجيّة على ما يتطلّب عمق الفهم والتّحليل النقديّ الرّصين، إذا استحضرنا الكثير من المعطيات المحليّة الداخليّة، الأوروبيّة الثقافيّة والسياسيّة والإعلاميّة، والخارجيّة المرتبطة بسياقات التّفاعلات والصّراعات والعلاقات والتّوازنات الدوليّة، خاصّة على مستوى المجال والفضاء الشّرق الأوسط، مع العلم أنّ مسألة الدّاخل والخارج لم يعد لها اليوم إلّا معنى منهجيّ، لأنّ الدّماء الّتي سالت في نيوزيلندا هي نتيجة السكّين المنغرزة في واقع شعوب البلدان المفقّرة عامّة، والشّرق الأوسط خاصّة، كجزء من سياقات وتفاعلات وعلاقات عالم غير متكافئ طابعه السّيطرة والهيمنة والقهر إلى حدّ اعتبار هذه الشّعوب ما دون خطّ البشر؟

فعلى المستوى الداخليّ الغربيّ في سياق النيوليبراليّة المتوحّشة تراجعت بشكل مهول الأسس الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة لدولة الرعاية ممّا انعكس سلبا على الكثير من الديناميات النفسيّة والاجتماعية والسياسيّة المنفتحة على الذّات في تنوّعها واختلافها المحلي فيما بينها، ثمّ بينها وبين  الشّعوب القادمة من المستعمرات القديمة الّتي لاتزال تتعرّض لنهب دؤوب لخيراتها الماديّة ومواردها البشريّة سواء تمثّلت في الكفاءات النخبويّة، أو في اليد العاملة الرّخيصة المبعدة كليّا عن واقع قيم الشراكة في العيش، والمفترى عليها بلغة عدم الرّغبة في الاندماج بتبريرات ثقافويّة. ومع انحسار الوعي الإنسانيّ واليساريّ الديمقراطيّ سادت التمثّلات الإيديولوجيّة المحافظة في علاقة الأوروبيّ بواقع أزماته المفروضة من قبل النيوليبراليّة  الجشعة في السّطو على كلّ المكتسبات السّابقة، الشّيء الّذي أنتج ثقافة سياسيّة يمينيّة متطرّفة تجد خلفياتها البنائيّة في السّيطرة على الإدراك للإنسان الغربيّ، من خلال ما تنهله من تراث اختلاق الشّرق الّتي أسّسها الاستشراق وسار على هديها الاستعمار القديم والجديد، تبعا لقيم الاستعلاء والتّفوق والحضارة والحريّة والكرامة للإنسان الأبيض كاستثناء بشريّ نابع من  تحيّز إيديولوجيّ في استناده لما يسمّيه “طبيعة” التّطوّر الثقافيّ الحضاريّ الغربيّ. وتزداد خطورة هذه الثّقافة السياسيّة مع السّطوة الإعلاميّة الّتي حقّقت قفزة نوعيّة في التّحكم في الادراك إلى درجة صناعة العقول الجاهزة والمهيأة للشّحن بمختلف التّمثلات الإيديولوجيّة في كلّ مجالات الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة بشكل خاصّ، حيث تحوّل المواطن الغربي إلى مجرّد آلة استهلاكيّة في أساليب الحياة ونمط الوجود، محروما ليس فقط من حريّة التّعبير بل من حريّة التّفكير، كما شرح ذلك “برنار نويل” في كتابه الرّائع ” الموجز في الإهانة”. ففي ظلّ هذا الواقع الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسياسيّ الثقافيّ والإعلاميّ الّذي أنتجته النيوليبراليّة  ترسّخت وتكرّست القراءات الخاطئة لحقيقة الأزمات المحليّة ولأبعاد حضور الآخر كمهاجر خلّفته سياسات السّيطرة والهيمنة ومختلف أشكال التّسلط السياسيّ الّتي تصوّر شعوب بلدان العالم في وضعيات متوحّشة بدائية بطبيعتها الدينيّة والثقافيّة والتاريخيّة، بما يجعلها بعيدة عن التّمدن والتّحضر، عاجزة عن تمثّل القيم الإنسانيّة الكونيّة. ولهذا لا يخجل الغرب أخلاقيا في تدبير الانقلابات والغزوات وانتهاك سيادات هذه البلدان، دون أدنى اعتبار للقوانين والمنظمات والمؤسّسات الدوليّة. ودون أنْ يرفّ له جفن الموقف الأخلاقيّ الإنسانيّ في قصف المدنيين، وفرض أشكال مختلفة من العقوبات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والإنسانيّة إلى درجة الحصار المولّد للمجاعات والأمراض الفتاكة، مع تجريب كافّة الأسلحة المحرّمة دوليا. وتُنقل كلّ مآسي هذه الشّعوب في الإعلام الغربيّ في صورة شعارات برّاقة، كدفاع عن الحضارة والحريّة والديمقراطيّة…، مرفوقة بدعايات مغرضة مقنعة بالعمل الكاذب على نشر هذه القيم الإنسانيّة، وما يتطلّبه ذلك من تضحيات جسيمة لترويض العالم الثّالث المتوحّش، المسكون بالشّر والعداء للإنسان الأبيض وحضارته المعجزة، مستغلّة في هذا كلّه أنشودة الإرهاب كشرّ داخليّ ولّدته منظومة التّصحر السياسيّ للإستبداديّ المحليّ المتحالف جملة وتفصيلا مع الآلة الجهنميّة للغرب لتكريس وتأبيد التبعيّة والهيمنة  مع النّهب المتواصل للخيرات الماديّة والبشريّة، إلى جانب العمل بشكل أو بآخر على إجهاض التّغيير الاجتماعيّ، أو تحقيق ثورات الاستقلال والتّحرّر من كلّ الأشكال السياسيّة والاقتصاديّة في إعادة إنتاج التّخلّف والتبعيّة والوصاية القهريّة.

لم نشر في هذه السّياقات والتّرابطات إلى جرائم المرحلة الاستعماريّة، لأنّ في الواقع المعاصر من فلسطين، لبنان، العراق، سوريا…، ما لا يكفّ عن طرح هذا السّؤال: هل تقلّ المآسي الّتي تعيشها هذه البلدان في تاريخها الحديث والمعاصر، وهي تعيش سلسلة من الاعتداءات  والمجازر الرّهيبة  من فلسطين إلى العراق، هل تقلّ كلّ هذه الجرائم أمام مجزرة نيوزيلندا؟ هذه المعطيات والسّياقات تشكّل ما يسمح بفهم الثّقافة السياسيّة والإعلاميّة الّتي يتربّى في حضنها المواطن الغربي، متشبّعا برؤية ونظرة احتقاريّة عدائيّة تجاه الشّعوب الأخرى الّتي لا ترقى في نظره إلى مستوى الإنسان، حيث يعتبرها  ما دون خطّ البشر، ومهدّدة حياته ووجوده الحضاري. ولعلّ في مواقف ترامب رئيس أكبر دولة متغطرسة وإباديّة ما يجعله نموذجا حيّا تتغذّى عليه الثّقافة السياسيّة والإعلاميّة للمواطن الغربيّ الّذي يختزل مفهوم الإنسان والقيمة الإنسانيّة في صوره النمطيّة، حيث يتصرّف -ترامب- باستعلاء استعماريّ في انتهاك القانون الدوليّ وسيادات الدّول مع شرعنة الاحتلال الصهيونيّ للأراضي الفلسطينيّة واللبنانيّة والسوريّة.

هذه هي ينابيع العنصريّة والكراهيّة والاسلام فوبيا والإرهاب المزدوج…، هذه هي الأرضيّة الّتي تشكّل خلفيات الممارسة اللاّأخلاقيّة والثقافيّة والسياسيّة والإعلاميّة لكلّ الانتهاكات والاعتداءات الّتي يتعرّض لها المهاجرون. هذه هي المعطيات الّتي يتجاهلها التّحقيق في بحثه عن خلفيات ما يحدث في حقّ المهاجرين على الأراضي الغربيّة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. أحمد عزيز الحسين - كاتب سوري

    من الجميل في هذا المقال قراءة الظاهرة في سياقها المحلي والدولي، والذهاب إلى أن الجريمة المرتكبة ضد المسلمين في نيوزيلندا حصيلة عوامل مختلفة، وأن من ارتكبها هو نتاج لجملة ظروف موضوعية عاشها، ولسياق احتضنه، وغذّى فيه نزعة الكراهية للآخر، وجعله يُصرّف انفعالاته خطأ باتجاه ” آخرين ” لا ذنب لهم في ما يحمله من مشاعر وانفعالات محتدمة، وليسوا مسؤولين عن وضعه النفسي المتوتر، ولذلك ينبغي ألا يتحملوا ما يفضي إليه هذا الوضع من نتائج كارثية ولا إنسانية.

الرد على 1 |

إلغاء الرد