قيمة مفهوم اللاّشعور

ها أنّ النّاس جميعا أو يكادون، يتفقون على إكساب كلّ ما هو نفسي سمة عامّة تعبّر عن جوهره ذاته، وهذا أمر غريب. هذه السّمة الفريدة، الّتي يتعذّر وصفها، بل هي لا تحتاج إلى وصف، هي الوعي. فكلّ ما هو واع نفسي، وعلى عكس ذلك فكلّ ما هو نفسي واع. وهل ينكر أمر على هذا القدر من البداهة؟ ومع ذلك فلنقر بأنّ هذا الأسلوب في النّظر قلّما وصّح لنا ماهية الحياة النفسيّة إذ أنّ التقصي العلمي يقف ههنا حسيرا، ولا يجد للخروج من هذا المأزق سبيلا. (…) فكيف ننكر أنّ الظواهر النفسيّة خاضعة خضوعا كبيرا للظواهر الجسديّة، وأنّها على عكس ذلك تؤثر فيها تأثيرا قويا؟ إنّ أرتج الأمر على الفكر البشري، فقد أرتج عليه يقينا في هذه المسألة، وقد وجد الفلاسفة أنفسهم مضطرين لإيجاد مخرج، إلى الإقرار على الأقل بوجود مسارات عضويّة موازية للمسارات النفسيّة ومرتبطة بها ارتباطا يعسر تفسيره (…) وقد وجد التّحليل النفسي مخرجا من هذه المصاعب إذ رفض رفضا قاطعا إن يدمج النفسي في الواعي . كلا، فليس الوعي ماهية الحياة النفسيّة، وإنّما هو صفة من صفاتها، وهي صفة غير ثابتة، غيابُها أكثر بكثير من حضورها.​

(…) ولكن يقي علينا أيضا أن ندحض اعتراضا. فرغم ما ذكرناه من أمور يزعم فريق من النّاس أنّه لا بجدر بنا أن نعدل عن الرأي القائل بالتّماهي بين النّفسي والواعي، إذ أنّ المسارات النفسيّة الّتي تسمى لا واعية قد لا تكون سوى مسارات عضويّة موازية للمسارات النفسيّة. ومن ثمّ فكأنّ القضية الّتي نروم حلها لم تعد إلاّ مسألة تعريف لا طائل تحتها (…) فهل من باب الصدفة المحض أنّنا لم نصل إلى إعطاء الحياة النفسيّة نظريّة جامعة متماسكة إلاّ بعد أن غيّرنا تعريفها؟
وفوق هذا علينا أن نتجنّب الاعتقاد بأنّ التّحليل النفسي هو الّذي جدد نظرية الحياة النفسيّة هذه.(…)فقد كان مفهوم اللاّشعور يطرق منذ أمد طويل باب علم النّفس، وكانت الفلسفة كما كان الأدب يغازلانه، ولكن العلم لم يكن يعرف كيف يستخدمه. لقد تبنى التّحليل النفسي هذه الفكرة، وأولاها كلّ عنايته وأفعمها بمضمون جديد. ولقد عثرت البحوث التحليليّة النفسيّة على خصائص للحياة النفسيّة اللاّواعية لم تكن قبل ذلك متوقعة، وكشفت بعض القوانين الّتي تتحكّم فيها. ولسنا نقصد من ذلك أنّ سمة الوعي قد فقدت من قيمتها في نظرنا. فما زال الوعي النّور الوحيد الّذي يسطع لنا ويهدينا في ظلمات الحياة النفسيّة. ولما كانت معرفتنا ذات طبيعة مخصوصة، فإنّ مهمّتنا العلميّة في مجال علم النّفس ستتمثّل في ترجمة المسارات اللاواعيّة إلى مسارات واعية حتّى نسد بذلك ثغرات إدراكنا الواعي.

******

فرويد: مختصر في التحليل النفسي (1938).

Sigmund Freud: Abrégé de psychanalyse, P.U.F,1970, pp. 19-20

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق