خالد أبو النجايدفع ثمن دفاعه عن المثليين / صهيب أيوب

تتتالى فصول قضية الملاحقة السياسية والاعلامية الشرسة بحق الممثلين المصريين خالد ألو النجا وعمرو واكد، حتى باتت جزءاً من يوميات متعقبي الأخبار والمتابعين. آخر تلك الفصول، صورة غلاف لمجلة “حريتي” المصرية، جابت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي برشاقة لافتة، حاملة معها ما يكفي من الاستفزاز والإساءة. الصورة تظهر الفنانين، نصف عاريين، فيما أبو النجا يعانق زميله، وكتب عبارة “عملاء.. وأشياء أخرى”. بدا الغلاف محاولة سافرة لتمييع المعنى السياسي والحقوقي خلف آراء أبو النجا وزميله وجذب الأنظار بطريقة مبتذلة وتحريضية.

هكذا أصبح “مثلية” خالد أبو النجا التي لم يعلنها جهارا ً والتي هي شأن شخصي بحت قضية قومية، وانشغلت بها البلاد ورواد “السوشيل ميديا”. أبو النجا غرد على “تويتر”، مقتبساً عن أحد الأفلام “العبقرية لا تكفي، يحتاج الأمر إلى شجاعة لتغيير قلوب الناس”، وأضاف: “أنا مستاء جداً”.

الغلاف المسيئ لمجلة “حريتي”
القمع إذ يوزّع الأدوار

ليس القتل المعنوي قدراً. هناك آلة توزع الأدوار داخل الأنظمة، تسمى القمع. تلتبس لبوساً أخلاقياً وتنتظم في سلسلة قيمية تجعل ضحاياها مستحقين للحطام أمام عيون الآخرين. تبدع الأنظمة الأبوية في إشغال الرأي العام بقتل شخوصه المؤثرين على مرأى أفراده ومسمعهم. وتستجمع لأجل ذلك أساليبها وفروع سلطاتها لتحويل معارضيها، إلى هامشيين ومعزولين، من خلال إثارة الفضائح المفبركة وابتزازهم بأفكارهم وهوياتهم وحياتهم الشخصية. وهذه الحالة متجذرة في أنظمتنا العربية: ممالك وإمارات وجمهوريات ورئاسات عسكرية.

حيل السلطة

وفي الحالة المصرية يبدع الجنرالات أكثر من غيرهم في تبجيل “القمع”. تحويله الى “سياسة” موروثة، مثلها مثل الوقوف برؤوس عالية وإلقاء التحية وتثبيت القدمين، في الشكل. وفي المضمون إتقان الديكتاتورية بمفهوم “الأمر والتآمر”. وتتحايل هذه السلطة في إيجاد أذرعها، وكلما تحرر المرء من أحد أوجهها، خلقت لنفسها أشكالاً أخرى. ووفق الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، فإن السلطة (التي تخيفنا بسهولة) يتضح أنها أكثر دهاء، لأن أشكالها الأساسية يمكن أن تتغير، استجابة لجهودنا المستمرة لتحرير أنفسنا من قبضتها. وهذا ما يحصل في مصر.

وليس بعيداً من أجواء النظام المصري منذ أيام السادات الى عصر عبدالفتاح السيسي، اتهام المعارضين بـ”المثلية” (واحدة من حيل السلطة التي تواجه فيها خصومها). التهمة جاهزة، “توصم” الشخصيات المعارضة بـ”العار”، وفق مفهوم “دولة” تقوم على ممارسات مشينة ضد المواطن وتخترق حقوق الإنسان وتسجن شبابها بفبركات “واهية”، كالتآمر على الدولة وقيمها وأمنها العام.

يمثل أبو النجا واحداً من نماذج مصرية تواجه كل يوم “الذباب الإلكتروني”، والعنف اللفظي، إضافة إلى حرمانه العودة إلى مصر، وبجسارة يكمل الشاب مشروعه الفني والحقوقي في أنبل رسالة لدور المثقف.

المثلية كتهمة “عار”

وتعد المثلية واحدة من التهم الأكثر استسهالاً للتطاول على الشخصيات العامة، صاحبة التأثير في حقول الفن والصحافة (بدلاً من التصفية الجسدية المباشرة). ويتقن رجالات السيسي في الصحافة والإعلام وبين أروقة النقابات الفنية، كيفية إشعال حملات مغرضة محورها “المثلية”. وكأنها “فزاعة” لتخويف المعارضين وترهيبهم وكسر صورتهم وتهشيمها، في مجتمع يستثمر في ذكوريته ويثبت خطابها العنفي وآليات الإخضاع والتحطيم.

ويواجه المثليون والمثليات والعابرين/ات جنسياً في مصر تحديات صعبة، بدءاً من القانون الذي يجرم المثلية الجنسية، وصولاً الى المجتمع الذي يعتبر المثلية “آفة” ويجب التخلص منها. ووفق مسح أجراه “مركز بيو للدراسات” عام 2013، أظهرت النتائج أن 95 في المئة ممن تم استطلاع آرائهم من المصريين، يعتقدون أن المثلية الجنسية لا ينبغي أن تُقبَل في المجتمع، و3 في المئة يرون أنها يجب أن تُقبل.

والواقع الأليم الذي يعيشه مجتمع الميم، يمكن رصده من كم التعليقات المملوءة رهاباً، والمكتوبة بلغة الفجاجة والعنف والتهديد، على مواقع التواصل الاجتماعي. هذا إضافة إلى حوادث يومية يتعرض لها المثليون/ات والمتحولون/ات في الشارع وفي أقسام الشرطة والسجون. قضية ملك الكاشف، واحدة من مئات القضايا المتعلقة بمجتمع الميم، والتي أبرزت كيفية تعامل السلطة السياسية التي تسندها سلطة قضائية وإعلامية ودينية، في استفحالها في استخدام القمع والقتل المعنوي وصولاً إلى التصفية الجسدية.

نموذج الشجاعة

وأبرز النماذج الماثلة اليوم الممثل المصري خالد ابو النجا. الشاب الشجاع الذي يدفع أثماناً باهظة لمجرد دفاعه عن حقوق المثليين. وهذا ما يستخدم ضده لكونه واحداً من أبرز الأصوات الفنية المعارضة لنظام السيسي. وتعد مساندته قضايا معتقلي الرأي القابعين في سجون تنتهك أبسط حقوق الإنسان، الخلفية المباشرة لتحريك الصحافة والرأي العام ضده، بحملات واسعة وعلى مدار الساعة لاستيلاب الرأي العام ضده. كأنه وحش ينقض على منظومة القيم الراسخة، أو شيطان تعمل السلطة على حماية المجتمع منه.

ولعل أبو النجا في شجاعته وعدم التباس مواقفه في معارضته القمع ودعمه التام حقوق المهمشين والمسجونين، يتعرض بشكل مضاعف للتنمر والعنف في وسائل إعلام “صفراء” تستخدم لغة ركيكة في الهجوم على شخصه والتدخل في حياته الشخصية و”افتراض” ميوله (التي لا تخص أحداً في النهاية)، من خلال دفاعه المحق عن قضايا المثليين.

ومن الحملات، ما نشرته صحيفة “اليوم السابع” واصفة إياه بـ”بالانبطاحي”. وقالت الصحيفة “المنبطحة للبوط العسكري”، في نصها الذي يشبه نصوص الإعدام في القرون الوسطى، إن “الانبطاح ليس أمراً جديداً على الممثل خالد ابو النجا أو “الممثل الأصفر”، كما يُطلق عليه في الوسط الفني، لتأييده المثلية الجنسية، واعتبرت أنه أصبح داعماً للمثليين في فعالياتهم كافة، حتى أصبح “معروفاً بينهم ولم يقتصر الأمر على كونه من المؤيدين للمثلية فقط بل أصبح يتحدث نيابة عنهم ويدافع عن حقوقهم كما يزعم، ويروج لأفكارهم عبر وسائل التواصل المختلفة”.

مواقف ثابتة من دعم الإنسان

وتحسب لأبو النجا، شجاعته في زمن القتل والتصفية المعنوية، واهتمامه الشخصي بقضايا الجندرة، إضافة إلى اهتمامه بالمجال الحقوقي عموماً. وسجل مرات عدة مواقف دعمت المثليين والمثليات، فيما سكت الجميع خوفاً على صورتهم العامة. وتتعامل الصحافة مع أبو النجا بفجاجة عالية، لسبب وجيه، أنه يعارض السيسي و”الجزمة” العسكرية وأنه ضد التعديل الدستوري. ويتزامن هذا مع فوز الممثل المصري – الأميركي، رامي مالك بالأوسكار عن دوره أداء دور مثلي، وتهافت الصحافة للتعامل مع الخبر بتفاخر. وهذه صورة مناقضة لحقيقة هذه الصحافة التي تنظر الى المثلية بازدراء، وليست قضية رفع علم “الرينبو”، إلا واحدة من عشرات الحوادث التي يتعاطى الإعلام المصري معها بقلة حرفية وإنسانية. فأحدهم مثلاً رفع في حفل مشروع ليلى (أيلول/ سبتمبر 2017) علم “قوس قزح” وألقت الشرطة المصرية القبض على 75 شخصاً وأحالتهم إلى القضاء لهذا السبب، ووصفت الصحافة هؤلاء بأحقر الأوصاف.

وكتب ابو النجا يومها على “تويتر”: “للمرة الألف علم الرينبو لا يمثل غير حقيقة مؤكدة علمياً وهي أن هناك أطيافاً للحب كما النور بأطيافه. مطاردة هذا العلم عك! من يخاف هذه الحقيقة وهذا المعنى المسالم فهو أحد أسباب معاناة المثليين. المثلية ليست اختياراً ولا مرضاً ولا انحرافاً سلوكياً ولا حراماً”.

عام 2015 أثار أبو النجا ضجة واسعة على مواقع التواصل حين أعلن للمرة الأولى عن تأييده قانون زواج المثليين، الذي تم إقراره في الولايات المتحدة الأميركية. وكتب في مرة أخرى: “أن تفرق في حق المثليين في أن يعترف بوجودهم المجتمع هو بالظبط كأنك تفرق ولد ببشرة سوداء، المثليون ولدوا بميول رومانسية لنفس الجنس وهذا موثق علمياً الآن، ومؤكد ككروية الأرض، فالجهل بهذه الحقائق هو ما ينقص المجتمع لفهم ما يعانيه المثليون”.

تعد المثلية واحدة من التهم الأكثر استسهالاً للتطاول على الشخصيات العامة، صاحبة التأثير في حقول الفن والصحافة (بدلاً من التصفية الجسدية المباشرة). ويتقن رجالات السيسي في الصحافة والإعلام وبين أروقة النقابات الفنية، كيفية إشعال حملات مغرضة محورها “المثلية” وكأنها “فزاعة” لتخويف المعارضين وترهيبهم وكسر صورتهم وتهشيمها

وكانت السلطة “فبركت” ضد أبو النجا خبراً نشر في صحيفة مغمورة، حول مشاركته في حفل للمثليين وممارسته الجنس مع آخرين في أحد الفنادق. ثم أعادت محكمة النقض النظر بالقضية بعد مرور 5 سنوات وأبطلته. وتعرض أبو النجا​ لهجوم بعد نشره صورة عبر “انستغرام”، تظهره على سرير مع زميله الممثل تامر هجرس اثناء خضوعهما لجلسة تصوير في بداية خوضهما تجربة عرض الأزياء. وأثارت الصحافة في تقارير “سود”، فرضية مثليته واستخدمت الصورة دليلاً قاطعاً لميوله الخاصة.

الحملات المستمرة على أبو النجا، لم تردعه يوماً من الوقوف في وجه السلطة، إعلاماً ونقابة ومؤسسات. ومن ضمن الحملات، موقف نقيب الممثلين المصريين أشرف زكي (وهو ناطق باسم سلطة السيسي)، من وجود ابو النجا وزميله عمرو واكد في الكونغرس الأميركي للحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، إذ زكي اعتبر ذلك الأمر، بمثابة “خيانة عظمى”. القرار هو الأسرع في تاريخ النقابة بمصر. صدر وتبعه بيان بعد ساعات قليلة من دون تحقيق أو تواصل مع المعنيين (ابو النجا وواكد).

يمثل أبو النجا واحداً من نماذج مصرية تواجه كل يوم “الذباب الإلكتروني”، والعنف اللفظي، إضافة إلى حرمانه العودة إلى مصر، وبجسارة يكمل الشاب مشروعه الفني والحقوقي في أنبل رسالة لدور المثقف. يحتاج هذا الإنسان كل الدعم في زمن تكثر فيه المقالات المدبجة والتقارير الأمنية والاستخباراتية والقتل المعنوي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق