قمع من نوع آخر : الشرق الأوسط يضطهد حماة البيئة

ظن أمير حسين خالقي أنه واجه المخاطر ويعرفها. فقد ظل معظم السنوات الـ12 الماضية يتتبع النمور الفارسية والفهود الآسيوية في جميع المناطق الخلابة من المحميات الوطنية الإيرانية الوعرة. كان يقضي أشهراً كاملة في الرحلة الواحدة داخل الأدغال، مفاوِضاً السكان المحليين العدائيين في بعض الأحيان (تلك هي طبيعته العذبة، حتى أنه أقنع أباطرة الصيادين سيئي الصيت بالحد من أنشطتهم). وكان يمضي أشهراً أخرى في إعداد كاميرات وتجهيزاتها، لتعمل عن بُعد، من أجل تصوير الحيواناتِ المهددةِ بالانقراض ذاتِها.

وبفضل العمل الدقيق والمُضني لخالقي وزملائه في المقام الأول، لا تزال سلالات هذه السنّوريات باقية في البلاد ولم تنقرض، وهي النوع الذي تفخر به إيران وتتخذه شعاراً لها.

لكن فجأة في كانون الثاني/ يناير، وجد خالقي -ذاك الشاب اللطيف الطويل ذو الشعر الأشعث الجامح- نفسَه أمام خصمٍ أكثر رعباً بكثير. فبعدما اتهمته الأجهزة الأمنية الإيرانية بالتجسس، أُلقِيَ به في غياهب سجن إيفين سيّئ السمعة، في شمال غربي العاصمة طهران مع 8 آخرين من الناشطين البارزين في مجال حماية البيئة. وما لبث أن توفّي أحدهم -وهو كاووس سيد إمامي- في ظروف غامضة. منذ ذلك الحين اتّهم أربعة آخرون بـ”الإفساد في الأرض”، وهي تهمة ربما يُعاقَبون عليها بالإعدام. بَقيَ جميعُهم في السجن حتى مطلع 2019، من دون تقديم أدلة تبرِّر التهم الموجَّهة إليهم سوى اعترافاتهم الغريبة التي يبدو أنها انتُزعت منهم تحت التعذيب. بالنسبة إلى خالقي -المتجوّل الذي لا يهدأ والذي جاب فعلياً كلَّ بقعة من وطنه- لا بد أن تكون فكرة الحبس مُوجِعة في حد ذاتها.

ناشطو البيئة المسجونون في إيران بتهمة “الافساد في الأرض”
حماة البيئة… أعداء البلاد

يتعرَّض نشطاء البيئة في أرجاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لهجوم شرس لم يَسبق له مثيل. فقد أُغلِقت منظمات حماية البيئة غير الحكومية أو ضُيِّق بشدة على أنشطتها لدرجة تجعلها في عِداد المغلقة. وهُدِّد نشطاء وخبراء البيئة بأن يلزموا الصمت أو يحدث لهم ما هو أسوأ. فجأةً أصبح المجتمع البيئي -الذي نجا من مصير معظم المجتمعات المدنية الأخرى في المنطقة- ملاحقاً من قبل السلطات. تعكس محنتُهم الصعوباتِ التي يواجهها نشطاء البيئة في جميع أنحاء العالم؛ فعام 2017، قُتل 197 من المدافعين عن البيئة على مستوى العالم، بحسب إحصاءات برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وهو ما يعادل 5 أضعاف الوفيات قبل عقدٍ مضى.

ما زال هناك القليل من الغموض، يكتنف الأسباب التي أدت إلى ذلك. إذ ساهمت فترات الجفاف المدمِّرة وتفاقم مستويات التلوث وارتفاع درجات الحرارة في حدوث شحٍّ حاد بالموارد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في السنوات الأخيرة. وفيما تنتشر الاضطرابات البيئيّة، ومع تنظيم الاحتجاجات في الكثير من بلدان المنطقة، أُعيد تقييم الأشخاص الذين كانوا يعتبرون سابقاً مسالِمين للغاية ومن “محبي الطبيعة”، ليُوصفوا بأنّهم جواسيس خطرون مدجَّجون بالمعدّات ويتجوّلون في مناطق حدودية، مشكِّلين تهديداتٍ بتبادُل البيانات. وفي تكرار مُحزِن لطبيعة عمل الدولة الأمنية، أصبحوا هم أيضاً الآن هدفاً للإخضاع أو السحق.

أخبرني كاوِه مدني، وهو زميل باحث في جامعة ييل وأستاذ زائر في إمبريال كولدج لندن، أنّ “الأجهزة الاستخباراتية تشعر الآن بأنّ النشطاء البيئيين يعملون في مجالٍ يجب أن يأخذوا حذرهم منه؛ لأنه يمكن من خلاله حشد كثير من أصوات المعارضة وكثير من الغضب”. شغل مدني منصبَ نائب رئيس منظمة حماية البيئة في إيران إلى أن أُلقي القبض عليه، ثم فرَّ من البلاد في الربيع الماضي. وأضاف، “على مدار سنوات، شاهدوا المشكلات تتفاقم وشعروا بأن الأمور كانت تخرج عن نطاق السيطرة”.

بشكل ما، لا تثير منظمات حماية البيئة ذعرَ الأنظمة. لكن تحتاط معظم الأنظمة الأمنية في المنطقة من التكنولوجيا؛ بما في ذلك المعدات التكنولوجية البسيطة التي يستعين بها الباحثون عموماً في عملهم. فعلى سبيل المثال، يشكو النشطاء البيئيون في العراق من أن النظارات المُعظِّمة تثير الشبهات؛ فقد أخبرني ليث العبيدي، وهو عالم طيور في منظمة “طبيعة العراق” غير الحكومية، والتي تعرَّض العاملون فيها للمضايقات مراراً، “لا يصدِّق أحد أنها من أجل مراقبة ورصد الطيور”. وفي مصر أخبرني نشطاء بيئيون أنَّ حيازة أي أجهزة، بدءاً من عدسات الكاميرا المقربة ووصولاً إلى أجهزة تحديد الموقع (GPS)، قد تكون كافية لإثارة استجواب عدواني. ومع حظر الاستخدام الشخصي للطائرات الآليّة من دون طيّار تقريباً في جميع أرجاء الشرق الأوسط، تقول جماعات حماية البيئة إن بعضَ المشاريع، مثل تتبع أنماط هجرة الحيوانات، محكوم عليها بالفشل من البداية.

تأخذ السلطات في الشرق الأوسط أيضاً موقفاً سيئاً ممن أمضوا بعضَ الوقت في المناطق الحدودية النائية ذات الكثافة السكانية المنخفضة. إذ يُدين هذا الأمرُ معظمَ خبراء الحياة البرية ويصُبّ اللعنات عليهم. فقد فرَّ عالِم الطبيعة الرائد السوداني أبو بكر محمد إلى بريطانيا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، بعدما أُلقي القبض عليه 15 مرة بحسب تقديره، وذلك خلال 10 سنوات أمضاها في توثيق أسباب الاختفاء السريع لأنواعٍ من النباتات والحيوانات. يصف ذلك قائلاً، “دائماً ما كنت أُحتَجَز بسبب وجودي في مناطق نائية أو خلال ذهابي إليها أو بعد عودتي منها”.

كان خالقي ومعظم رفاقه في العمل الميداني حاضرين في مناطق حدودية، وكان بعضها يتضمَّن مواقعَ عسكرية حساسة، الأمر الذي ساهم -على ما يبدو- في زيادة الشبهات الأمنيّة حولهم. قال لي خالقي مازحاً قبل سنوات قليلة، “ربما تكون مصائد الكاميرات الخفية (camera traps) صعبة الشرح على خفر الحدود”، في إشارةٍ إلى المعدّات التي يتم تفعيلها من بُعد ويستخدمها عادةً نشطاءُ حماية البيئة، لأخذ لقطات للحيوانات المراوغة صعبة المنال، مثل النمور الفارسية. كما واجَه أقرانُهم العراقيّون مشكلات عدة أيضاً خلال أكثر من مناسبة. فقد أخبرني بعض الخبراءِ المعنيّين عن تجميع بيانات حول الماء، وقال إنهم استُجوِبوا بعدما ضلّوا طريقهم تقريباً في الممر المائيّ لشطّ العرب الذي يفصل بين العراق وإيران. وعام 2005، اختطفت إحدى الميليشيات في جنوب أهوار العراق، فريقاً تابعاً لِمنظمة “طبيعة العراق” لمدة 9 أيام، وحكى لي فريقٌ آخر عن كيفية هروبهم بأعجوبة، من تطويق الجيش التركي مجموعةً مسلحةً تابعة لـ”حزب العمال الكردستاني”، فيما كانوا يرصدون طيوراً نادرة في أقصى شمال العراق عام 2009.

ثم هناك عادة الدوائر المعنيّة بالبيئة المتمثّلة في طرح عدد هائل من الأسئلة، وأيضاً مشاركة معلومات طائلة مع زملائهم الأجانب والمحليين. تتشكّل عقليّة ضباط أمن في المنطقة -بطريقة فجة، وفي بعض الأحيان بسبب رُهاب الأجانب- بحيث تجب حماية البيانات وليس توزيعها. غير أنّهم ليسوا معنيّين بتلك القضايا البيئية، التي نادراً ما تحترم الحدود الوطنية، وبالتالي تستلزم التعاون العابر للحدود.

وفي مصر، تخضع الإحصاءات المتعلقة بكل شيء في البلاد -بدايةً من منسوب المياه الجوفية إلى ارتفاع مستوى سطح البحر- لحمايةٍ مشددة، لدرجة أنّ أساتذة الجامعات الحكومية أنفسهم لا يستطيعون الوصول إليها في بعض الأحيان. ومن غير القانوني في مصر أيضاً أن تحاول الكيانات غير الحكومية جمعَ بيانات خاصة بهم دون تصريح من الدولة. ورغم أنّ عملَ نشطاء البيئة لا يمكن أن يجتاز الحدود، فإن مَن يراقبونهم غالباً ما يفعلون ذلك. إذ يحضر الضباط في بعض البلدان -من ضمنها مصر وإيران وتركيا- مؤتمرات المياه والبيئة الدولية، خوفاً من أن يُفصِحَ مواطنوهم عمّا يعتقدون أنّها نتائج وبيانات حسّاسة؛ فكما ذكَر لي 6 باحثين من المنطقة، فإنّهم تعرضوا للتهديد لتحريف بياناتهم، وأنهم أحياناً يلاحظون وجود ضباط الأمن وسط الحضور.

ومع ذلك، كان نشطاء البيئة في الشرق الأوسط، في مأمنٍ من ذاك الشر حتى وقتٍ قريب؛ وذلك فقط لأن أحداً لم يأخذهم على محمل الجدّ. حتى أن برنامج “ذا دايلي شو” The Daily Show، الذي يُعرَض على قناة “كوميدي سنترال” Comedy Central، الأميركية كرَّس فقرةً كاملة للسخرية من الباحثين العراقيين المعنيّين بمراقبة الطيور ورصدها. إلّا أنّ الانهيارَ البيئيَّ المتسارع في المنطقة، إضافة إلى تزايد القمع في فترة ما بعد الربيع العربي، غيَّر كلَّ ذلك.

ركّزت الاحتجاجاتُ العنيفة المتعلّقة بالمياه -والتي خلَّفت 20 قتيلاً على الأقل في إيران أواخر عام 2017 ومطلع عام 2018- اهتمامَ طهران على المنظمات البيئية غير الحكومية؛ بينما أسفرت التظاهرات العارمة التي اجتاحت جميع أرجاء جنوب العراق العامَ الماضي -والتي كانت في معظمها حول رداءة نوعية المياه وانقطاع الكهرباء- عن مقتلِ كثر من النشطاء، كان أحدهم من منظمي حملاتٍ من أجل توفير المياه النظيفة.

نفاد الصبر

وبينما ينفد صبرُ الأنظمة على مَن يرون أنهم يُعرقلون خططهم الاقتصادية أو يقوِّضون إرادة الدولة، تزداد أعداد القتلى والمعتقلين. مِن بين مَن تأكَّد مقتلُهم، زوجان تركيان مسنّان كانا يُنظّمان حملاتٍ لإغلاق أحد المناجم، وعلى الأقل ستة معارضين لبناء سد كجبار في السودان.

حتى إنْ أُطلِق سراح خالقي ورفاقه في نهاية المطاف، فلن يكون لديهم سوى القليل نسبيّاً من أجل العودة إليه. إذ إنه في غيابهم، باتت معظم المواقع الإيرانية -التي كانت ذات يومٍ مزدهرة- في حالةٍ من الجمود الشديد. وأصبحت المنظّمات الحيوية المهمة، مثل مؤسسة “تراث الحياة البرية الفارسية” مجردةً وبلا قيمة؛ فقد سُجِن الموظّفون الأساسيّون العاملون فيها. وربما قُيِّد العمل الميداني الذي تقوم به منظمات أخرى، أو أن تلك المنظّمات توقّفت عن التعاون مع نظرائها في الأبحاث الدولية. وعلى رغم أنهم عملوا طيلة سنوات بأجرٍ قليل أو حتى بلا مقابل، وتحمّلوا ويلاتِ الحرب والعقوبات والبقاء لفترات طويلة بعيداً من أسرهم، فإن خالقي وأقرانه المسجونين سوف يواجهون فترةً بالغة الصعوبة للتغلّب على هذا الدمار.

يبدو أن السلطات -بدءاً من القاهرة إلى أنقرة- نجحت في سحق المنظمات البيئية غير الحكومية وأوصلتها إلى حالةٍ من الإخفاق والإحباط الواضح؛ إذ تُجرِي مصر مباحثاتٍ لبناء أول محطة طاقة تعمل بالفحم في البلاد، ولكن على رغم المعارضة الشديدة وقت إثارة الموضوع لأول مرة، لا يوجد الآن سوى همساتٍ بالكاد تُسمَع من المعارضة. أخبرتني ليلى إسكندر، وزيرة البيئة السابقة والتي كانت في أحد الأوقات زعيمة الحملة المناهضة لاستخدام الفحم، “لم نعُد نشكِّل كتلةً حرجة. أصبحنا متفرِّقين، وصوتنا ليس موحداً”.

مع ذلك، ما زال لدى بعض نشطاء البيئة أملٌ -يعترفون بأنه أمل بعيد- بأنَّ حظهم سيتبدل في نهاية المطاف. تمتلك المنطقة مجموعة من العلماء المحليين الموهوبين؛ فقد حقق خبراء المياه والحفاظ على البيئة نجاحاً كبيراً حين حظوا بقدرٍ أكبر من الحرية. كان لمؤسسة “إيكو بيس الشرق الأوسط” – وهي مؤسسة تضم ناشطين في مجال البيئة في الأردن وفلسطين وإسرائيل- دورٌ مهم في الضغط على صنّاع السياسات لتقديم تنازلات وقبول التعاون من أجل بيئتهم المشتركة، ومن ضمن ذلك نجاحهم في إقناع الأطراف باستخراج كمية أقلّ من المياه من نهر الأردن المستنزَف.

علاوة على ذلك، فهم يتصوّرن أن قلة الخيارات البديلة، سوف تضطرّ السلطات إلى تغيير مساراتها في نهاية المطاف. فمن المرجَّح، مع الأراضي الجافة الواسعة والموارد المائية الضئيلة، أن يتأثّر الشرق الأوسط بشدة جرَّاء تغيّر المناخ. وربما تكون الحركة البيئية هي القوة المحفّزة والموحَّدة التي تحتاجها دول كثيرة في المنطقة الممزّقة بشدة.

قال لي مدني، الأستاذ في جامعة ييل، “لك الحرية في حبّ الحكومة أو كرهها. ولك الحرية في أن تكون دينيّاً أو لا دينيّاً. لكن البيئة توحِّد الشعوب. إنها تختلف عن أنواع الأنشطة السياسية الأخرى”.

هذا المقال مترجم عن theatlantic.com

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق