نقطة تحوّل للمعارضة التركية؟ / قدير يلدريم

بعد موسم الحملات الانتخابية الذي كان هادئاً على غير عادة في تركيا، أسفرت الانتخابات المحلية في 31 آذار/مارس 2019 عن واحدة من النتائج الأكثر إثارة للذهول في الذاكرة الحديثة. فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية تكبّدا خسائر كبيرة على الرغم من نيلهما أكثرية الأصوات على مستوى البلاد. اللافت أنه وبالنظر إلى المعطيات التاريخية، تفوّق حزب العدالة والتنمية على نفسه بالمقارنة مع الانتخابات المحلية السابقة. فقد نال الحزب 44.32 في المئة من الأصوات على صعيد البلاد في العام 2019، مقارنةً بـ41.6 في المئة في العام 2004، و38.99 في المئة في العام 2009، و43.31 في المئة في العام 2014. لكنه فشل في تحقيق أداء جيد في السباقات الفردية، لا سيما في المدن الكبرى.

والهزائم الأكبر التي مُني بها الحزب كانت في السباق على منصب رئيس البلدية في العاصمة أنقرة وفي المتروبوليس العالمية اسطنبول. فقد أظهرت الأرقام الأولية غير الرسمية تقارباً في النتائج في المدينتَين، وخصوصاً في اسطنبول حيث الفارق في الأصوات بين مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم أوغلو ومرشح حزب العدالة والتنمية بن علي يلدريم هو أقل من 24000 صوت لمصلحة الأول من أصل ما يزيد عن 10 ملايين شخص أدلوا بأصواتهم في المدينة. تكتسب هذه الخسائر أهمية على ضوء فوز حزب العدالة والتنمية والأحزاب الإسلامية السابقة له في جميع الجولات الانتخابية في المدينتَين منذ العام 1994.

في حين يعترض حزب العدالة والتنمية على نتائج الانتخابات في اسطنبول بسبب “التحايلات والمخالفات” في عملية التصويت، النتيجة لافتة فعلاً وتستحق التوقف عندها. ففي الأعوام الأخيرة، بذل الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية جهوداً دؤوبة لتثبيت مركزية السلطة في أيدي الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية للحكومة، لا سيما منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة في العام 2016. وقد فرض الحزب سيطرته أيضاً على الصحافة الورقية والإعلام المرئي. وما خلا عدد قليل من وسائل الإعلام ذات الجمهور المحدود، مورِست إلى حد كبير رقابة ذاتية على انتقاد الرئيس أردوغان أو حزبه أو الحكومة، ما أسفر عن تغطية المستجدات السياسية والاقتصادية بأسلوبٍ باهت يُراعي السلطات. لكن على الرغم من المحاولات التي بذلها حزب العدالة والتنمية خلال حملته الانتخابية لتحويل الوضع الاقتصادي إلى مسألة أمنية ذات جذور خارجية، لم يقتنع الناخبون بأداء الحزب الاقتصادي السيئ إجمالاً في الأعوام الماضية. ومن الواضح أن المقترعين عبّروا عن رفضهم لسياسة الحزب بحثاً عن بديل.

لقد شهدت الانتخابات التركية، منذ العام 2014، مستويات غير مسبوقة من اتهامات التزوير الانتخابي التي تُساق بحق حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يبدو أنه تمكّن من تحقيق نتائج مؤاتية في جميع الدورات الانتخابية تقريباً. وفي هذا الإطار، تُشير بعثة المراقبة التابعة للمجلس الأوروبي إلى أنه ربما جرى تزوير ملايين الأصوات في الاستفتاء الدستوري في العام 2018. وهذه النتائج لم تتسبب وحسب بإحباط جماعي للمعنويات في صفوف المجموعات المعارِضة في الفترات الانتخابية، بل ولّدت أيضاً هالةً معيّنة تُشير باتجاه تحقيق حزب العدالة والتنمية نصراً مقدَّراً ومحتوماً. وهكذا يُشكّل إسقاط قبضة الحزب على أنقرة واسطنبول – اللتين تُعتبران محوريتَين للمنظومة الريعية الوطنية الخاصة بحزب العدالة والتنمية – إنجازاً أساسياً للمعارضة.

يجب أن يُتيح النصر غير المتوقّع في أنقرة واسطنبول فرصةً سانحة أمام المعارضة لمساءلة حزب العدالة والتنمية وإنهاء احتكاره للسياسات التركية. فقد أطلقت المعارضة تكراراً اتهامات بتفشّي الفساد في بلديتَي أنقرة واسطنبول اللتين هما من كبريات البلديات في البلاد، واللتين تولّاهما حزب العدالة والتنمية لأكثر من عقدَين من الزمن. أمام رئيسَي البلدية الجديدين في المدينتَين فرصةٌ الآن لفضح الممارسات الفاسدة وتحقيق المناقبية العالية.

تشقّ النتائج مساراً نحو التحدّي الناجح للسلطة المطلقة التي يمارسها حزب العدالة والتنمية. ففي أجواء اجتماعية وسياسية شديدة الاستقطاب، يبدو أن وضع الخلافات جانباً لتحقيق الهدف المشترك المتمثّل بانتزاع السلطة من حزب العدالة والتنمية، مهّدَ الطريق أمام نجاح الأحزاب المعارِضة. فالتصويت الاستراتيجي – أي التصويت لمرشّح غير المرشّح المفضّل لديك للحؤول دون تشتّت الأصوات والوصول إلى نتيجة غير مستحَبّة – أثبت أنه العامل الأساسي في الانتخابات المحلية في أنقرة واسطنبول. وكان الناخبون العلمانيون قد استخدموا هذا التكتيك بفاعلية شديدة في الانتخابات التشريعية في حزيران/يونيو 2015 لدعم المحاولة التي قام بها حزب الشعوب الديمقراطي المناصر للأكراد من أجل دخول الندوة البرلمانية. لكن في الإجمال، لم تُستخدَم هذه الأداة على نطاق واسع من الناخبين الأتراك قبل انتخابات 2019. تُظهر النتائج في المدن الكبرى مثل أنقرة واسطنبول وإزمير وأسكي شهير وأضنة أن الناخبين المناصرين لأحزاب المعارضة صبّوا أصواتهم لمصلحة المرشح الأول الذي كان ينافس حزب العدالة والتنمية في تلك المدن، ونجحوا في استخدام التصويت الاستراتيجي لحشد الدعم حول شخصية معارِضة واحدة. في كل واحدة من هذه المدن، حصل مرشح حزب العدالة والتنمية ومرشح المعارضة الرئيسي، معاً، على 96 في المئة من الأصوات أو أكثر.

علاوةً على ذلك، أمام المعارضة فرصة لتحدّي حزب العدالة والتنمية في السمعة التي اكتسبها في موقع الحزب الذي يُؤمّن الخدمات. لقد استطاع حزب العدالة والتنمية أن يحصل على دعم مجتمعي قوي وراسخ من خلال نجاحه في تأمين الخدمات منذ تجاربه الأولى في الحكم المحلي، لا سيما في أنقرة واسطنبول. وقد صبّ هذا الإرث أيضاً في مصلحة قادة الحزب المستقبليين. غير أن اتّساع رقعة التحزُّب والمحسوبيات تسببت بتراجع شديد في فاعلية الحزب في توفير الخدمات في الأعوام الأخيرة، ما أتاح فرصةً سانحة أمام المعارضة. وهكذا يستطيع حزب الشعب الجمهوري وسائر الأحزاب المعارضة، من خلال تأمين بديل حيوي قادر على توفير الخدمات بالفاعلية نفسها، لا بل بفاعلية أكبر، بناء علاقة قوية مع الناخبين، الأمر الذي قد يساهم بدوره في تحسين حظوظ تلك الأحزاب في الانتخابات التشريعية.

في غضون ذلك، وفيما يوجِّه حزب العدالة والتنمية الجزء الأكبر من طاقته نحو الطعن بنتائج الانتخابات في الدوائر التي مُني فيها بهزيمة، يقف الحزب والرئيس أردوغان أمام خيارَين. الخيار الأول هو أخذ العبرة من الدروس الصعبة التي أفرزتها الانتخابات – ومفادها أن الفشل في تأمين الخدمات وتحقيق الازدهار الاقتصادي تترتّب عنه تداعيات اقتصادية – والعمل خلال السنوات الأربع والنصف المقبلة التي لن تتخللها، وفق ما هو مقرَّر، استحقاقات انتخابية، على العودة إلى مرتكزات النمو الاقتصادي القوي. بإمكان الحزب القيام بذلك عبر توفير الخدمات، وتشييد البنى التحتية، واستحداث الوظائف بدلاً من قمع الانتقادات وشنّ حروب أيديولوجية لتطهير المعارضين من مختلف قطاعات المجتمع. يمتلك حزب العدالة والتنمية والرئيس أردوغان الأدوات اللازمة والنفوذ السياسي الضروري للعمل على تحقيق هذه الأهداف – لكنهما لا يتحليان بالإرادة السياسية المطلوبة، لأن سيطرة الحزب الواسعة على الدولة والاقتصاد والمجتمع تولّد لديه على الأرجح وهماً بأنه لا يُقهَر وبأنه صاحب نفوذ مطلق على الرغم من الخسائر الأخيرة.

الخيار الثاني هو أن الحزب قد يستسلم للخوف ويسير بخطى أكثر تسارعاً في انزلاقه الأخير نحو السلطوية بغية ضمان بقائه. وهذا المسار الذي يُظهر الحزب ميلاً أكبر نحو اتباعه، يقتضي منه اتخاذ مزيد من الإجراءات القمعية بحق المعارضة التي تزداد جرأة وإقداماً. فعلى سبيل المثال، قد يختار الحزب، بأسلوبٍ انهزامي، تعطيل عمل رؤساء البلديات الجدد المنتمين إلى الأحزاب المعارضة عبر حرمانهم من المخصصات المالية التي تمنحها الحكومة المركزية، من جملة تكتيكات أخرى. لقد ساهم الاستقطاب والتشنجات الاجتماعية والسياسية والإثنية المستفحلة في بناء ائتلاف مكّنَ حزب العدالة والتنمية من الفوز في الدورات الانتخابية المتتالية في أزمنة سياسية مضطربة منذ العام 2014. بيد أن هذه الاستراتيجية تفقد زخمها، وليس واضحاً إذا كان الحزب سيتمكّن من الإبقاء عليها في المدى الطويل من دون اللجوء إلى مزيد من القمع، وربما إلى تزوير انتخابي واسع النطاق.

فيما تدخل تركيا مرحلة سياسية جديدة، يبرز عاملان متعارضان بما يستدعي تفاؤلاً حذراً. لقد وجّه الناخبون رسالة واضحة بأن حزب العدالة والتنمية لم يعد يتمتع بالحصانة الانتخابية التي كان يعتقد أنه يمتلكها، الأمر الذي يُرسي من جديد درجة من المساءلة الانتخابية – وهذه بارقة مشرقة نظراً إلى المسار الأخير للسياسة التركية. غير أن عجز الأحزاب المعارضة عن رصّ صفوفها بغية العمل على تحقيق الأهداف المعبَّر عنها والمتمثّلة في مساءلة حكومة أردوغان في اتهامات الفساد التي وُجِّهت إليها في العام 2015، لا يزال العامل الحاسم الذي يُحدّد ما تستطيع المعارضة إنجازه – أو بالأحرى ما تعجز عن إنجازه – في مواجهة حزب العدالة والتنمية.

عن موقع معهد كارنيغي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق