«أزمنة الرصاص» في المغرب تشعل حرب المذكرات السياسية؛ بحثًا عن الحقيقة الضائعة/ صدوق نور الدين

تحوَّلَ الانهماك في إصدار المذكرات، السياسي منها على وجه الخصوص إلى قضية تمارس طغيانها على المشهد الفكري والسياسي المغربي. لم يعد إصدار المذكرات يقتصر على الأدباء فقط، إنما امتد ليطول القادة والزعماء السياسيين الذين لم يسبق لهم الانغمار في ممارسة الكتابة أو الإبداع، وهو ما قاد إلى «حرب كلامية»؛ كل طرف فيها يدعي الحقيقة والموضوعية. والواقع أن هذه الوفرة لا يمكن عدّها عاملَ سلبٍ، من منطلق كون التعدد في بيان واستجلاء الحقيقة، وبخاصة فيما دُعي بـ«أزمنة الرصاص»، يقود إلى كتابة التاريخ السياسي لمرحلة يطبعها الالتباس والغموض لعوامل سنأتي على ذكرها؛ إذ التعدد مفتاح للمقارنة، كما للتأويل؛ بحثًا عن الحقيقة.

بيد أن من يتأمل مستعيدًا ومستقرئًا تاريخية «أدب المذكرات» في المغرب، يستوقفه متن واسع أسهم بالكتابة والتأليف فيه بداية الفقهاء والعلماء، ومن هؤلاء من كان منخرطًا في الحقل السياسي، إلى الساسة والأدباء على السواء. ويحق أن نذكر من بين الفقهاء والعلماء «محمد داود» الذي صدرت مذكراته في جزأين (على رأس الأربعين/ على رأس الثمانين)، ثم العلامة «عبدالله كنون» في مذكراته الموسومة بـ«مذكرات غير شخصي»، والشيخ «المختار السوسي» في ذكرياته المعنونة بـ«معتقل في الصحراء». على أن الناظم الأساس لهذه المذكرات سرد تفاصيل حياتية دقيقة محددة في الزمن والمكان، إلى ذكر المرجعيات التي أسهمت في تكوين الشخصية ثقافيًّا وفكريًّا. ونجد من بين الذين وازوا بين الانخراط الفقهي والعلمي والسياسي الزعيم والعلامة «علال الفاسي» الذي أصدر مذكراته عن «منفى الغابون»، وهي المذكرات التي وظفها الروائي والقاص «عبدالكريم غلاب» في آخر عمل روائي ظهر له «المنفيون يعودون».

وفي هذا المستوى بالتحديد، ترد مذكرات الفقيه والسياسي « أبو بكر القادري» التي اختار وسمها بـ«مذكراتي في الحركة الوطنية» وتقع في أربعة أجزاء تحقق التركيز فيها على نشأة الحركة الوطنية، إلى المراحل التي قطعتها بحثًا عن الحرية والاستقلال. أما من الساسة الذين نشروا مذكراتهم مبكرًا، فنجد السياسي والكاتب «محمد بن حسن الوزاني» في مذكراته «حياة وجهاد» وتقع في ثمانية أجزاء، ثم زعيم الريف «عبدالكريم الخطابي» وركز في مذكراته على سنوات النفي في فرنسا «مذكرات لا ريونيون»، إلى مذكرات «المحجوبي أحرضان» وصدرت في ثلاثة أجزاء باللغة الفرنسية تحت عنوان: «مذكرات»، ثم مذكرات كل من عبدالرحيم بوعبيد «شهادات وتأملات»، وبنسعيد آيت يدير «هكذا تكلم بنسعيد».

بيد أن ما يثير في هذه التجربة، تجربة كتابة وتدوين «المذكرات»، أننا نقف في هذه المدونة على نماذج أسهم في تأليفها كُتاب جمعوا بين الممارسة الأدبية، السياسية والفقهية، ونذكر من هؤلاء الروائي والقاص «عبدالكريم غلاب» و«عبدالهادي بوطالب» الذي شغل أكثر من منصب سياسي في أكثر من حكومة على عهد الملك الراحل «الحسن الثاني».

إن ما يوحِّد هذه الآثار التي شكلت النواة الأساس لـ«أدب المذكرات»:

أولًا- أن كُتّابها تمرسوا بالكتابة والتأليف. ثانيًا- أن القضايا التي عبروا عنها جمعت بين الذاتي؛ الأدبي والسياسي. ثالثًا- أن اختيار القول وتصريفه في «أدب المذكرات»، تنويع على أجناس قد يكونون انخرطوا فيها. رابعًا- على أن الفورة الحالية في هذا الجنس الأدبي سياسيةٌ أساسًا، ولم يؤثر عن معظم مؤلفيها الانخراط في الكتابة والإبداع.

يقود استجلاء نشأة «أدب المذكرات»، إلى ضرورة تحديد العوامل التي دعت لذلك. من ثم يحسن إيراد عاملين رئيسين. يرتبط الأول بالمتمرسين بالكتابة والإبداع، والثاني بالذين عبروا عن آرائهم ضمن مذكرات سياسية من دون الانخراط في حقل الكتابة.

تعرية الحقيقة قبل انطفاء الحياة
أ _ لقد مثل «أدب المذكرات» للمتمرسين بالكتابة والتأليف، محفلًا تَأتَّى من خلاله ترجمة مواقفهم وآرائهم حول العديد من القضايا كما سلف. من ثم عوض «أدب المذكرات» كجنس أدبي مجاور، «السيرة الذاتية». إذ لم يؤثر عن الكثير كتابة سيرة ذاتية بالتحديد الدقيق، حتى إن الروائي «عبدالكريم غلاب»، توزَّعت تفاصيل سيرته على امتداد أكثر من نَصٍّ روائيٍّ، وأعتقد أن آخرها دل عليه نص «الشيخوخة الظالمة».
المحجوبي أحرضان

ب _ على أن مذكرات السياسيين ممن خبر بعضهم عالم الكتابة، من دون أن يصدر له مؤلف ما، تتحدد عوامله في التالي: أولًا- الموقع السياسي: فأغلب هؤلاء شغلوا مناصب سياسية رسمية أو غير رسمية، أو أنهم انتموا لأحزاب سياسية يمينية أو يسارية، وحال الزمن وتدوين مذكراتهم في حينه. ثانيًا- الموقع الاجتماعي: وتلعب فيه الأخلاقيات دورًا رئيسًا، حيث التكتم على الأسرار وحفظها، يحول دون البوح وكشف المسكوت عنه في الظرف ذاته. ثالثًا- العامل النفسي: ويمثل في نظرنا الأهم؛ إذ إن معظم السياسيين الذين ظهرت مذكراتهم لم يمتلكوا جرأة التعبير في مرحلة حكم الملك الراحل «الحسن الثاني»، خوفًا على حيواتهم ومواقعهم السياسية والاجتماعية. رابعًا- عامل الزمن: ويتجسد في كون من ظهرت لهم مذكرات سياسية تقدموا في السن، وبات يركبهم هاجس خوف من نوع ثانٍ، ويتمثل في الموت، إضافة إلى ضرورة تعرية الحقيقة الغائبة قبل انطفاء شعلة الحياة.

إن هذه العوامل مجتمعةً على تقاطعها وتداخلها، تضع بين يدي المهتمين والمؤرخين كما مر معنا مادة ثرية لكتابة تاريخ الحياة السياسية في المغرب التي تراجعت بشكل فظيع، حيث سادت «الشعبوية» ضدًّا للممارسة السياسية الحقة، فلا يمكن مثلًا المقارنة بين الزعيم «علال الفاسي» و«شباط» (حزب الاستقلال)، كما لا يمكن ذلك بين «عبدالرحيم بوعبيد» و«لشكر» (حزب الاتحاد الاشتراكي). ولقد لعب «المخزن» دوره في الهيمنة على المشهد السياسي وإفراغه من محتواه.
عبدالكريم غلاب

إن السؤال الذي يتولد بناءً على السابق: هل ما يتحقق تلقيه هو تجسيد لـ«أدب المذكرات»؟ وليتحقق تشكيل تصور عن الالتباس الأجناسي، نشير بدايةً إلى الصورة التي جاءت عليها هذه المذكرات سواءٌ للذين تمرسوا بالكتابة أو العكس. من ثم يحق إيراد التصنيف التالي: أولًا- مذكرات في صيغة حوارات. ثانيًا- مذكرات عبارة عن تجميع لكتابات متناثرة. ثالثًا- مذكرات كلف بتدوينها طرف غير المعنيّ بها. فالصيغة الأولى تتجسد في الحوارات المطولة، ويتكفل بإنجازها صحافي أو كاتب، ويجري تبويبها بالاحتكام لمكون الزمن، كما لأهم المحطات الحياتية التي مرت بها الشخصية المعنية بالحديث أو الموضوع، والتي قد تمتلك كفاءة الكتابة والإنجاز. ونمثل بـ: «نصف قرن من السياسة» (عبدالهادي بوطالب)، و«كرسي الاعتراف» (عبدالحق التازي)، و«مسار حياة» (عبدالكريم الخطيب)، و«النضال الديمقراطي في المغرب، رهانات الماضي وأسئلة الحاضر» (إسماعيل العلوي)، و«مذكرات مناضل»، ثم «الصحراء هويتنا» لـ(محمد اليازغي). ويحق القول بأن هذه الشخصيات تبوأت مناصب سياسية وحكومية، وقد يقف وراء اختيارها صيغة الحوار وعدم الكتابة المباشرة، غياب إلمامها بتقنيات كتابة المذكرات، أو تنصلها من مسؤولية الكتابة خوفًا. وتتقاطع الصيغة الثانية والأولى في كون الطرف الموكول له مسؤولية الإنجاز هو غير الكاتب، وتختلف من منطلق أن المعنيّ بالمذكرات يحوز كتابات لم يكن يقصد إلى تجميعها، وبعد تقدمه في السن تولى المهمة طرف ثانٍ. ونمثل بمذكرات «أحاديث في ما جرى» للوزير الأول في الحكومة الانتقالية «عبدالرحمن اليوسفي»، إضافة إلى «شهادات وتأملات» للمناضل والزعيم السياسي «عبدالرحيم بوعبيد». واللافت في التجربتين أن الشخصية المعنية تخبر صنعة الكتابة. وأما الصيغة الثالثة، فنستدل عليها بـ«مذكرات» لـ«المحجوبي أحرضان» وهو شخصية أمازيغية دعيت بـ«الزايغ» ويقصد بها المتمرِّد، وشغل «أحرضان» أكثر من منصب سياسي.
المهدي بن بركة

إن ما يمكن ملاحظته على هذا التصنيف مما يعكس بالفعل الالتباس الأجناسي: أولًا- غياب الاطلاع على نماذج من «أدب المذكرات»، على الرغم من التنصيص «مذكراتّ». ثانيًا- التداخل والتكرار الذي يَسِمُ الوقائع والأحداث، والدالّ على خاصة «النسيان». واقتضى من بعض الشخصيات إرفاق صور بمذكراتهم. ثالثًا- عدم التفريق بين ما يعد «مذكرات» وما يعد «يوميات»، وهو المنزلق الذي سقط فيه الصحافي «محمد لبريني» في مذكراته «الكهف والرقيم». تبقى إضافة مهمة، إلى أن من هذه المذكرات ما كُتب باللغة العربية، ومنها ما دُوِّن باللغة الفرنسية وترجم إلى الإسبانية والإنجليزية.

قضايا وشهادات وتحامل على شخصيات رحلت
يمكن القول بأن المعنى المعبر عنه في غالبية هذه المذكرات، هو معنى سياسي أساسًا، إلا أن طريقة تصريفه لا تتم بطريقة مباشرة، إنما بالانفتاح على قضايا الذات في نشأتها وتكونها وما خاضته من مقاومة وصراعات. من ثم يحق الحديث عن قضايا ذاتية: ويتداخل فيها أدب المذكرات والسيرة الذاتية؛ إذ يَعمِد صاحب المذكرات إلى سرد تفاصيل عن المراحل التي مرت بها شخصيته. والملاحظ أن معظم هؤلاء الزعماء والقادة ينحدرون من أوساط فقيرة، ومنهم من لم يتابع دراسته، إنما انخرط مباشرة في المجال التجاري والصناعي. وقضايا سياسية: وتتحدد في المقاومة. ويمكن تقسيمها إلى شقين: أ- يرتبط الأول بمقاومة المحتل الفرنسي أو الإسباني، وهي مرحلة ما قبل الاستقلال. ب- والشق الثاني بما بعد الاستقلال، حيث الدعوة إلى التغيير: وهي دعوة سادت في السبعينيات ولربما قبل ذلك، متأثرة بالمد الاشتراكي والشيوعي الذي طال أكثر من نظام. والمشاركة في السلطة وإدارة الشأن بما تقتضيه من تغييرات دستورية، إلى إرساء لقواعد مجتمعات مدنية. ولحرص على تثبيت مبادئ حقوق الإنسان، وإشراك المرأة في الشأن السياسي والاجتماعي، والدعوة إلى المصالحة، وما تفرضه من جبر للضرر.
عبدالهادي بوطالب

وتجسد غالبية هذه المذكرات المحن والصراعات التي أدت ببعض إلى الاعتقال وما ترتب عليه من إعاقات وأمراض مزمنة، ثم الموت والإخفاء القسري والاختطاف الذي دلت عليه قضية «المهدي بن بركة» الذي اختُطف من قلب باريس عام (1965م)، لتبقى تفاصيل وخيوط القضية مجهولة بالرغم من مطالب الجمعيات الحقوقية مغربيًّا ودوليًّا بالكشف عن ملابسات الحادث. بيد أن ما يسم بعض المذكرات من سلبيات يتمثل في التحامل على شخصيات وافها الأجل المحتوم، ولم يعد ثمة من يتجاسر على قول الحقيقة بعد ما يزيد على عشرين سنة. ونمثل هنا بتحامل الصحافي محمد البريني على شخصية المفكر المغربي والعربي الشهير محمد عابد الجابري، والوارد في مذكراته «الكهف والرقيم» (2018م): «لم أستغرب حين لمست أثناء المناقشة، أن الدكتور الجابري لم يكن على اطلاع تام فحسب على ما كان يجري في دائرتي اليوسفي والفقيه البصري، وإنما كان شريكًا نشيطًا فيهما، وواحدًا من صانعي قرار الإطاحة بي من دائرة الجريدة. لم يغظني ذلك أية إغاظة. فعابد الجابري كان معروفًا بعلاقته الوثيقة بالفقيه البصري، وبتمسكه به ودفاعه عنه، وباقتناعه بمشروع «الكتلة التاريخية» وبتحمسه له حتى إنه وضع لتلك «الكتلة التاريخية» نظرية متكاملة وروج لها». (ص/187)
عبدالرحمن اليوسفي

والتحامل نفسه يطالعنا في الكتاب/ الحوار الموسوم بـ«الصحراء هويتنا» (2018م) لمحمد اليازغي، وكان كاتبًا أول لحزب الاتحاد الاشتراكي، كما شغل مناصب رسمية عدة، وذلك بخصوص الفقيه محمد البصري أحد قادة الاتحاد. والواقع أن هذه الشخصية لم يُتَحْ لها حق الدفاع عن ذاتها؛ إذ ألبست تهم متعددة في أكثر من مذكرات. يقول عنه: «وهنا أذكر أن الفقيه محمد البصري قدم هؤلاء الشباب إلى معمر القذافي، الذي أراد استعمالهم في صراعه مع الحسن الثاني، عبر تقديم الدعم لهم، سواء بالمال أم بالسلاح»، (ص43)، ويورد أيضًا: «أعتقد أن المتسبب الحقيقي في الدعم الليبي للبوليساريو هو الفقيه محمد البصري، الذي قدم الشباب الفارين من المغرب على طبق من ذهب للقذافي الذي كانت علاقته متوترة بالملك الحسن الثاني، وكان معلومًا صراعهما الخفي»، (ص45).

إن صور هذا التحامل كان يحق الجهر بها في الزمن ذاته، لتتأتى معرفة الحقيقة التي تظل غائبة. والواقع أن هذه المذكرات كلها إنما تعكس صورة عن المواجهات والتطاحنات بين أقطاب اليسار أنفسهم، الذين يدعون للتغيير.
====
رسائل فالتر بنيامين.. حـياة على الأوراق

كتابة الرسالة كانت تحفزه على مواصلة الحياة وسط العالم المُتجمّد
‫- أحمد الزناتي – مترجم مصري | مارس 3, 2019 | رسائل

<p>رسائل فالتر بنيامين.. حـياة على الأوراق</p>كتابة الرسالة كانت تحفزه على مواصلة الحياة وسط العالم المُتجمّد
في سنة 1994م نشرتْ دار جامعة شيكاغو الأميركية ترجمةً إنجليزيةً لبعض رسائل المفكّر والناقد الألماني الشهير فالتر بنيامين (1892- 1940م) بترجمة مانفريد وإيفلين جاكبسون. كانت الرسائل قد جُمعتْ وحُرّرتْ على أيدي صديقَيْ بنيامين المُقربيْنِ؛ عالم الاجتماع والمنظِّر الألماني الكبير تيودور أدورنو ومؤرِّخ الأديان جيرهارد شولِم على مدار ثلاثة عقود تقريبًا، بدأتْ بعد وفاة بنيامين حتى سنة 1966م، لتصدرَ الرسائل الكاملة عن دار نشر زوركامب الألمانية سنة 1978م، بمقدمتين ضافيتينِ لأدورنو وشولِم حول ظروف جمع الرسائل ومراجعتها وتنقيحها، وإضافة التعليقات الشارحة، والهوامش اللازمة لتفسير بعض النقاط الغامضة في الرسائل، بحكم صلة الصداقة الوثيقة التي كانت تجمع المحرّريْنِ بفالتر بنيامين.

وصفتِ المنظِّرة السياسية حنا أردندتْ فالتر بنيامين بأنه أهم ناقد ثقافي ظهر في النصف الأول من القرن العشرين، وذلك للدور المؤثِّر الذي لعبته كتابات بنيامين في النقد الثقافي داخل أوربا في أوائل القرن السابق، وعلى الأخص فيما يتصل بالعلاقة بين الثقافة والفن وإنتاج المعنى. المعروف أنّ بنيامين كان متعدد المواهب، حيث شملت اهتماماته النقدَيْنِ الأدبيّ والثقافيّ، والبحث التاريخي والفلسفي، كما كان مترجمًا محترفًا، حيث نقل إلى الألمانية ديوان بودلير «أزهار الشر»، إضافة إلى رواية مارسيل بروست «البحث عن الزمن المفقود»، وغيرها. ترسمُ رسائل بنيامين، التي شملت ثلاثين سنة، وتحديدًا المدة الزمنية من سنة 1910م إلى سنة 1940م، صورةً بانورامية واسعة للمشهد الثقافي الأوربي في حقبة الحربين العالميتيْنِ، حيث ضمّ الكتاب رسائل نادرة لفالتر بنيامين مع كِبار أدباء ومفكري أوربا في ذلك الوقت، من بينهم الشاعر راينر ماريا ريلكه، والكاتب المسرحي الألماني بيرتولد بريشت، والأديب النمساوي هوغو فون هوفمانشتال، والفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني ماكس هوركهايمر (أحد مؤسسي حلقة فرانكفورت)، فضلًا عن مراسلات مع أصدقاء قدامى من مثـقـفين غير معروفين، جمعت بينهم وبين بنيامين أواصر صداقةٍ قويّة في عشرينيات القرن الماضي. ينوّه المحرر د. جيرهارد شولِم في مفتتح الكتاب إلى حقيقة ضياع كثيرٍ من رسائل بنيامين الشخصية إلى والدَيهِ، وإلى شقيقه جورج، وشقيقته دورا. نقدِّم في السطور التالية نماذج مُترجمة من رسائل بنيامين إلى كبار الأدباء، ومختارات من تأملاته حول الأدب والفنّ والثقافة.

* * *

يمهّدُ المنظّر الاجتماعي الألماني، وصديق بنيامين المُقرّب، الذي عيّنه بنيامين وصيًّا على تركته الأدبية، البروفيسور تيودور فيزِنجروند أدورنو، الكتابَ بمقدمةٍ قصيرة وكاشفة لطبيعة الرسائل تحت عنوان: «بنيامين، كاتب الرسائل»، يقول فيها:

«كان فالتر بنيامين كاتب رسائل من الطراز الأول، بل كانت مهارته الفائقة في كتابة الرسائل جانبًا آسرًا من جوانب شخصيته التي كانت تتسم بقدرٍ عالٍ من التهذيب والحميمية في التعامل مع الآخرين. كان بنيامين يكتب رسائله بشغفٍ واضح. نظرًا لأنّ الرجل قد شهِد حربيْن عالميتيْن، وشهد حقبة حُكم الاشتراكيين القوميين، وأحداثًا سياسية وشخصية عاصفة، ومن ثم فإن انتقاء جـزءٍ من الرسائل فقط هو أمر عسير؛ ذلك أنّ الرسالة –كشكلٍ- أدبي صارت جزءًا أصيلًا ومميزًا لأسلوبه في الكتابة، بل من أسلوب حياته بوجه عام، كما لو كانت الرسائل ناقلَ نبضات روح بنيامين إلى الأوراق. كان شكل الرسائل ملائمًا لبنيامين؛ إذ لعبتْ دور الحافز المعنوي لعقله للتواصل المباشر مع عملية الكتابة. وكانت كتابة الرسالة تحفزه على مواصلة الحياة وسط العالم المُتجمّد».

كان بنيامين قد التحق في سنوات شبابه الأولى بما يُسمى «حركة الشباب الألماني»، وهي حركة ثقافية وتعليمية بدأت في سنة 1896م، وتألّفتْ من عدد من جمعيات الشباب التي تُعنى بتنمية الأنشطة البدنية مثل الكشافة، إلا أنه انفصل عنها في وقت لاحق؛ بسبب انقسامها لأجنحة ليبرالية وقومية وفاشية. يقول أدورنو عن هذه الحقبة:

«كانت الرسائل حافزًا لعملية النقد الذاتي على الصعيديْن السياسي والفكري؛ إذ أغلق فالتر بنيامين صفحة انضمامه مع حركة الشباب الألماني حينما وصلَ إلى مرحلة اكتمال الوعي الذاتي، محتفظًا بعلاقة صداقةٍ مع عدد قليل، من بينهم ألفريد كون، وإرنست شون. الجدير بالذكر أنّ بنيامين وطّد أواصر صداقةٍ قوية مع جيرهارد شولِم، نعدّها أفضل صداقة حظي بها بنيامين حتى وفاته».

أما في مقدمة صديقه الأقرب جيرهارد شولِم، فيقول عن فالتر بنيامين: «حينما اقترحتُ على صديقي بروفيسور أدورنو المشاركة في جمع رسائل فالتر بنيامين لنشرها، وكنتُ على علمٍ بطبيعة الحال بموهبة بنيامين البارعة في كتابة الرسائل، لم أكن أعلم –بعد انتشار الخبر- أنني سوف أتلقى دعمًا من أصدقاء آخرين في حوزتهم رسائل مِنْ بنيامين وإليه، مثل فلورينس رانج وفيرنر كرافت. الحقيقة أنّ الهدف من وراء جمع الرسائل في سِفرٍ واحد هو تسليط الأضواء على السيرة الحياتية والعلمية/ البحثية لواحدٍ من أكثر مفكرينا عمقًا، وأبلغهم أثرًا في هذا القرن. في هذا السِّفر الضخم، اقتصرنا على ثلاث مئة رسالةٍ فقط من أصل ست مئة رسالةٍ. كان الانتقاء مبنيًّا على درجة تنوّع الرسائل، واختلافها من حيث الموضوعات، والأسلوب والأصدقاء، التي ارتأينا أيضًا أن تنوّعها سيعكس ثراء شخصية بنيامين وتعدد اهتماماته».

* * *

نقرأ في أولى رسائل الكتاب، المؤرّخة في 15 يوليو 1910م، رسالةً مُوجّهة إلى صديق عضوٍ في حركة الشباب الألماني، يُدعى هيلبرت بيلمور:

«لماذا من المفترض ألا أكتبَ إليكَ ولا حتى خطابًا واحدًا؟ أتعلم لماذا؟ الإجابة بمنتهى البساطة أنّه رغم إرسالي عددًا هائلًا من البطاقات البريدية، لم أتلقَّ منكَ سطرًا واحدًا! لكنني رغم ذلك، وبدافع من حبّي للخير، ومن رغبتي في أن أستهلّ عامي الجديد في الحياة (وُلِد بنيامين في 15 يوليو) بعملٍ طيّب، أودّ كتابة رسالةٍ دقيقة، وطويلة وصادقة».

وفي رسالةٍ ثانية إلى الصديق نفسه مؤرّخة في 29 إبريل 1913م:

«أعلم تمامًا أنني يتوجّب عليّ الردّ على رسالتكَ. لكن، لماذا؟ بقيتُ لمدة خمس عشرة دقيقة أحدّق من خلال نافذة شقتي، وتحديدًا إلى ميدان كيرشبلاتس، إلى أشجار الحور العملاقة، وأمامها نافورة قديمة، بينما تتسلّل أشعة الشمس الذهبية إلى جدران المنازل لتصنع أشكالًا جميلة. بعدها، ولعلكَ توقّعتَ ذلك، ارتميتُ على أريكة الغرفة وتناولتُ كتابًا لغُوتهْ، لأفقد السيطرة على عقلي تمامًا، في اللحظة التي وصلتُ فيها لتعبير حدود الألوهية».

في رسالةٍ بعث بها بنيامين إلى صديقه المُقرّب أستاذ اللاهوت جيرهارد شولِم، مؤرّخة في 11 نوفمبر 1916م:

«عزيزي السيد شولِم، أشكركَ شكرًا جزيلًا على سرعة تزويدي بالمعلومات التي طلبتها للانتهاء من كتابة البحث الذي بين يدَيّ. بدأت الأسبوع الماضي في كتابة رسالةٍ إليكَ، وصلَتْ إلى ثماني عشرة صفحة. كانت الرسالة محاولةً مبدئية من جانبي للإجابة عن بعض الأسئلة التي طرحتَها في رسالتكَ السابقة. إلا إنني وجدتُ أنه من الأفضل كتابتها في صورة مقالةٍ قصيرة، وصياغة فكرتي في شكل أكثر دقّة وتركيزًا. في هذه المقالة، سأحاول أن أطرح تصوري عن طبيعة اللغة -بقدر ما يسعفني فهمي للمسألة- وعلاقة ذلك بفهم الديانة اليهودية، منتظرًا تعليقاتك حول الموضوع، وكلي ثقة من استفادتي من خبرتك في هذه المسألة..تحياتي لكَ ولزوجتكَ».

وفي رسالة أخرى إلى صديقه شولِم، مؤرّخة في12 يونيو 1936م، ناقش بنيامين رؤيته حول أدب فرانتس كافكا، فكتب:

«إيماءً إلى طلبكَ، سأكتب لكَ بالتفصيل رؤيتي لماكس برود (صديق كافكا والأمين على تركته الأدبية)، كما سأكتبُ عن بعض تأملاتي الشخصية لأعمال فرانتس كافكا على نحو ما فهمتها. في البداية أنتَ تعلمُ أنني سأتحدّث عن موضوع أثير لدينا على حد سواء. كتاب برود عن كافكا يتسمُ بتناقض نظري شديد، التناقض بين الأطروحة النظرية وبين تأريخه لسيرة حياة كافكا. ففي الطرح النظري يقول برود: إنّ كافكا كان في طريقه إلى الذوبان في القداسة الدينية (صفحة 65 من كتاب برود)، بينما التأريخ لسيرته الذاتية يشير إلى تحوّله إلى الغموض التام».

إن شعور ماكس برود بتهافت تأويله لأدب كافكا، جعل منه شخصًا شديد الحساسية إزاء أي تأويل آخر. يضاف إلى ذلك سعي برود الواضح للحطِّ من قيمة أي شيء يُكتب عن كافكا. لا يروق لي تكرار نغمة أن آلام كافكا الشخصية ومعاناته تسهم في فهم أعماله بوصفها تفكيكًا وتأويلًا للفقه اليهودي (في صفحة 213 مثلًا). في ظني كان كافكا يعيش في عالمٍ خاص متكامل الأركان، شأنه في ذلك شأن الرسّام باول كلييه الذي كانت لوحاته الفنية متفرّدة في طبعها كأعمال كافكا».

وفي رسالةٍ أخرى مؤرّخة في يوليو 1938م:

«تتجسّد أعمال كافكا على شكل (قطع ناقص) بيضاوي، في قلبه بؤرتان ثابتتان: البؤرة الأولى تجربته الغنوصية، والبؤرة الثانية تجربته الشخصية كفردٍ في المجتمع المعاصر مع أبناء المدن الكُبرى، وأقصد الإنسان الرازح تحت نير سلطة الجهاز البيروقراطي، الذي تديره جهاتٌ غير معروفة (يلاحظ ذلك بشكل واضح في روايته المُحاكمة)».

وفي رسالةٍ أخرى إلى شولِم، مؤرخة في 4 فبراير 1939م، يقول بنيامين عن كافكا:

«نظرة كافكا للعالم هي نظرة رجلٍ وقع في فَـخٍّ. وشيئًا فشيئًا تتضّح لي روح السخرية عند كافكا، لا أقصد أنّ كافكا كان كاتبًا ساخرًا، بل أعني أنّ قـَدرَه في الحياة قد قيّضَ له الاصطدام المتواصل مع شخصيات اتّخذتْ من العبثية مهنة بدوامٍ كامل، كان كافكا يصطدم في أثناء سيره في الحياة بمهرّجين، لا ببشر طبيعيين، ولا سيما في روايته (أميركا)، التي كانت أشبه بمنزل مُهرجين».

* * *

حرِص فالتر بنيامين طوال حياته على توطيد علاقته برموز المجتمع الفكري، داخل ألمانيا وخارجها، وقد تطورت علاقات الصداقة إلى رسائل مُتبادلة. من بين أبرز الأدباء الذين تبادل بنيامين معهم الرسائل، الشاعر التشيكي راينر ماريا ريلكه. فكتبَ بنيامين رسالة إلى ريلكه، يشكره فيها على ترشيح الأخير لترجمة ديوان «أناباز» للشاعر الفرنسي سان جون بيرس، وكان الاختيار قد وقع في البداية على ريلكه لترجمة ديوان بيرس إلى الألمانية، إلا أنّه اعتذر، ورشّحَ بنيامين لترجمة الديوان.

الرسالة مؤرّخة في 3 يوليو 1925م:

«عزيزي السيد ريلكه، أتقدم إليكَ بخالص الشكر على ثقتكَ الغالية في شخصي، وكذلك على ترشيحي لترجمة ديون أناباز للشاعر سان جون بيرس. الحقيقة أنني قد بدأتُ بالفعل في قراءة الكتابِ مرارًا وتكرارًا، قبل الشروع في الترجمة، لأقفَ على دقائق الديوان. وقد أعرب كل من السيدة هيسّل والسيد مونشهاوزن (صديقان لريلكه) عن استعدادهما الكامل لتقديم العون والمشورة في حال وجود صعوبات في الترجمة، والديوان لا يعدم صعوباتٍ بالفعل. أرفق لكَ الفصل السابع من الديوان، مشفوعًا بملاحظات دوّنتها على هامش الأوراق، مع علامات استفهام، راجيًا أن تتفضّل بموافاتي بملاحظاتك على الترجمة إذا ما واجهتَ مواضع (صادمة) في أثناء قراءتكَ بغرض التعديل وإسداء النصح؛ للوصول إلى أفضل حل أسلوبي ينأى عن التعسّف في نقل المعنى، أو في التأويل المُفرط لمقصد سان جون بيرس. أعدكُ بأنني سوف أولي عنايةً فائقة إلى كل مفردةٍ وجهتَ بتعديلها وتصحيحها. تقبّل فائق تقديري واحترامي».

وفي رسالةٍ ثانية إلى ريلكه، مؤرّخة في 9 نوفمبر 1925 يقول بنيامين:

«حضرة المحترم السيد ريلكه، أعتذر لكَ عن عدم كتابة ردّ سريع على برقيتكَ السابقة لظروف متعلقة بمكتب البريد هنا وكذلك ظروف تغيير محل إقامتي. لقد غمرتني سعادةٌ بالغة حينما قرأتُ تعليقكَ على ترجمتي. وقد وضحتْ رؤيتكَ لي تمامًا حول مشكلات الترجمة، وعلى صعوبة اتخاذ قرارٍ بعينه حول اختيار مفردةٍ عن غيرها. يحدوني أمل في معرفة رأيكَ، ونصحكَ حول مواضع بعينها في الترجمة قبل طبع مسوَّدة الترجمة. ويعتريني فضولٌ بالغ لمعرفة دار النشر التي ستطبع الترجمة. هل وُقّع عقدٌ مع دار بعينها؟ وما فهمتُ من السيدة هيسّل أنكَ ستتفضل بكتابة كلمةٍ افتتاحية للطبعة الألمانية (يقصد الترجمة). إن سمحتَ لي أن أضيف أنني غارقٌ الآن في ترجمة سدوم وعمورة (أحد أجزاء رواية البحث عن الزمن المفقود لمارسيل بروست) إلى الألمانية، وكلما اندمجتُ في تفاصيل العمل الكبير، مسّتني تفاصيله من الأعماق. عمل بروست عمل رائع بكل المقاييس (نهاية الرسالة ناقصة)».

كما ضمّ الكتاب مراسلات عدة من الكاتب المسرحي الألماني برتولد بريشت، حيث تبادل الكاتبان الأفكار والرؤى حول قضايا علاقة الكاتب بقضايا عصره.
تيودور أدورنو

في رسالة مؤرخة في 5 مارس 1934م، كتب بنيامين إلى بريشت:

«عزيزي السيد بريشت، أرسلتْ إليَّ مساعدتُكَ السيدةُ هاوبتمان خطابًا يضمُّ –إلى جانب التحيات بطبيعة الحال- سطورًا حول مجلّدكَ الشعريّ «أغانٍ وِأشعار». هل صدر المجلّد بالفعل؟ أشتاق إلى الحصول على نسخة منه. يُقال في محل إقامتي في باريس: لو أنّ برتولد بريشت هنا، لصار شأنه كبيرًا، لو جاء إلى باريس لن يصادف أي نوع من الصعوبات، وسوف يبزغ نجمه بسرعة».

وفي رسالة مؤرخة في 31 مايو 1934م:

«عزيزي السيد بريشت، مرّتْ مدة طويلة قبل أن تتضح الأمور أمامي هنا في باريس. أردتُ أن أبعثَ لكَ بخبرٍ مؤكّد قبل إرسال أي خطاب، لذلك تأخّرتُ قليلًا. قبل أيام التقيتُ السيد هانز آيزلر، وأخبرني بضرورة الكتابة إليكَ لأخبركَ بأهمية عرض مسرحيتكَ الأخيرة على خشبة أحد مسارح لندن. أظنّ أنّ الأهمية التي يعنيها السيد آيزلر نابعة من عدم وجودٍ مسرحيّ يستطيع أن يقدّم للجمهور عرضًا مسرحيًّا يتسم بالعُمق والإمتاع والشمولية في طرح الرؤية كما تفعل أنتَ في أعمالكَ المسرحية».
جيرهارد شولِم

وفي رسالة مؤرخة في 9 يناير 1935م:

«لستُ متأكدًا من موضوع السفر إلى الدنمارك. بعثَ إليّ د. هوركهايمر برسالةٍ مفادها أنه سوف يسعى لتدبير منحة علمية لي إلى الولايات المتحدة لمدة عام. لكن الأمر لا يزال معلقًا، أخبرته أنني سأقبل المنحة إذا صدر قرار بشأنها. قرأتُ مسرحيتكَ «أوبرا القروش الثلاثة»، وقد أعجبتني جدًّا، ومسّتْ قلبي فقراتٌ كثيرةٌ منها. سأبقى هنا حتى عطلة عيد الفصح، حيث يجب على شتيفان (*ابن فالتر بنيامين) الذهاب إلى المدرسة المحلية هنا. بالمناسبة، هل اطلعتَ على كتاب بلوخ «ميراث زماننا»؟ لقد أتى بلوخ على ذكرِ بعض أعمالكَ في هذا الكتاب».

* * *

لم تقتصر علاقات بنيامين على الأدباء والشعراء وحدهم، بل امتدّتْ لتشمل منظّرين وعُلماء اجتماع؛ من أشهرهم الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني ماكس هوركهايمر (1895- 1973م)، الذي ألّفَ كتاب «جدل التنوير» بالاشتراك مع تيودور أدورنو (محرّر كتاب الرسائل).

نقرأ في رسالةٍ مؤرخة في سنة 1934م (من دون تاريخ محدد)، بعث بها بنيامين إلى هوركهايمر:

«عزيزي السيد هوركهايمر، وصلني خطابكَ في اليوم الذي أستعدّ فيه للرحيل عن باريس. خالص الشكر على سؤالكَ. تُسعدني بطبيعة الحال فرصة السفر إلى الولايات المتحدة، سواء أكان السفر للمشاركة في أبحاثكَ، أم في إطار منحة علمية في أحد المعاهد البحثية. واسمح لي أن أخبركَ أنني أفوِّضكَ تمامًا في اتخاذ أيّ ترتيب تراه مناسبًا في هذا الشأن».

وفي رسالة مؤرخة في 19 فبراير 1935م:

«عزيزي السيد هوركهايمر، أشكركُ من القلب على رسالتكَ المؤرّخة في 28 يناير الماضي، وأسعدني وصولنا إلى وجهات نظرٍ متقاربة بعد مناقشاتنا الشفهية في الماضي. كما أودّ أن أخبركَ بسعادتي البالغة باهتمامكَ الرقيق بخصوص دراستي عن الباحث الألماني إدوارد فوكس كباحثٍ تاريخي. بعد هذا الخطاب، يسعدني أن أعرضَ عليكَ مستقبلًا خُططي البحثية القادمة. أما بخصوص سؤالكَ حول بحثي حول كافكا، فقد ظهر هنا منشورًا في صحيفة روندشاو اليهودية، لكنهم نشروا شذرات منه. إن كنتَ مهتمًّا بالبحث، يسرّني أن أجلبَ لك نسخةً منه عند لقائنا. لي رجاء أخير، أودّ أن تُطلعني على مشروعاتك البحثية بصورة مفصّلة؛ لأنني أودّ أن أرسل لكَ أيضًا جانبًا من خُططي البحثية في هذا الصدد».

وفي رسالةٍ أخرى بتاريخ 10 أغسطس 1937م:

«عزيزي السيد هوركهايمر، نما إلى علمي رغبتكَ في المرور بأوربا في شهر أغسطس، وهو ما أسعدني كثيرًا، وآمل أن أحظى بفرصة لقائكَ في هذا الشهر أو في مطلع الشهر المقبل. قرأتُ مقالكَ «النظرية التقليدية والنظرية النقدية»، وأشاطركَ آراءكَ فيه تمامًا. كما مسّتني للغاية إشارتكَ إلى المناخ الذي نعمل فيه، وإلى الظروف التي تجعلنا نعيش في عزلة عن الجوّ العلمي العامّ، من المؤكد أننا سوف نناقش هذه النقاط لدى لقائنا».

* * *

كما تواصل بنيامين مع الشاعر والمسرحي النمساوي الكبير هوغو فون هوفمشتال، اخترتُ منها الرسائل التالية:

رسالة مؤرخة في 28 ديسمبر 1925م:

«عزيزي السيد هوفمنشتال، أشكركَ شكرًا جزيلًا على السطور الرقيقة الواردة في رسالتكَ. لكني للأسف لن أتمكّن من الردّ عليها ردًّا تفصيليًّا، وعلى الأخص فيما يتصل برؤيتي إزاء طبيعة الاستعارات الأسلوبية واللغوية في مسرح شكسبير. الحقيقة أنني لم أقف على أعمال شكسبير بشكل متعمق، إنما مررتُ عليها مرورًا سريعًا. في الوقت الحاليّ أنا مشغول بدراسة أشكال الاستعارات لدى مارسيل بروست، الذي أعلن صراحةً أن الاستعارات هي قلب الأسلوب الأدبي وروحه».

رسالة مؤرخة في 30 أكتوبر 1926م:

«عزيزي السيد هوفمنشتال، مع كل خطابٍ جديد أتلقاه منكَ، أتشجّع على التفكير في أنّ إنتاجي الأدبي مرهونٌ بدعمكَ المعنويّ. وقد عمّقَ من هذا الشعور خطابكَ الأخير، الذي وجدتُ فيه عزاءً وسلوانًا. كان الصيف الماضي صيفًا قاسيًا، حيث تُوفي والدي في شهر يوليو، فشغلتني الشواغل بعدها عن الردّ على خطابكَ بسرعة. شكرٌ خالصٌ من القلب على مواساتكَ الداعمة الرقيقة».
راينر ماريا ريلكه

رسالة مؤرخة في 30 أكتوبر 1926م:

«انقضتْ سنةٌ تقريبًا على رسالتي الأخيرة إليكَ. في أثناء هذه المدة سافرتُ إلى روسيا، وخلال الشهريْن اللذين قضيتهما في موسكو، لزمتُ الصمت لعدم قدرتي على كتابة أي شيء بسبب الانطباع الأول الذي خلّفته إقامتي في بيئة مختلفة كليًّا؛ لذا أرجأتُ الكتابة إليكَ عن رحلتي إلى روسيا. سأحاول في معرض وصفي للرحلة، عرضَ الظواهر المعيشية التي لمستني بشكل خاص كما هي، من دون مقاربةٍ تنظيرية، ولا اتخاذ موقف شخصي تجاه ما رأيت. بالطبع شكّل عدم إلمامي باللغة الروسية عائقًا واضحًا للنفاذ إلى فهم بعض الأشياء عن قرب، لكنني سوف أركّز على معايشتي الشخصية في رؤية الأمور أكثر من الرؤية التحليلية».

رسالة مؤرخة في 8 فبراير 1928م:

«عزيزي السيد هوفمنشتال، لديكَ الآن نسختان من عمليَّ الأخيريْنِ. فيما يخص كتاب «شارع ذو اتجاه واحد» أعلم أنني لم أخبركَ شيئًا عنه في أثناء تأليفه، وها هو الكتاب بين يديكَ الآن. لي رجاءٌ واحد؛ ألا تَعُدَّ كتاب «شارع ذو اتجاه واحد»، سواء من حيث الشكل أو المضمون، حلًّا توفيقيًّا من جانبي لمجاراة «روح العصر السائدة»، فالكتاب ليس سوى وثيقة صراع داخلي، انسابتْ منها الكلمات لتتدفّق على الأوراق. الكتاب يدين بالفضل لإقامتي في باريس، التي شهدتْ ميلاد فكرة الكتاب، وسوف أعمل على جزءٍ ثانٍ من الكتاب بعنوان: « شوارع باريس».

هناك رسائل إلى بِرنارد برينـتـانو، الشاعر والمسرحي والصحافي الألماني:

رسالة مؤرخة في 22 إبريل 1939م:

«عزيزي السيد برينـتـانو، خالص الشكر على رسالتكَ الأخيرة. كان من المهم جدًّا لي أن نتبادل الأفكار. إن لم تكن ظروف الحرب قد مزّقت آخر خيوط التواصل القديمة، فلسوف نستأنف روابط صداقتنا القديمة. أنا الآن مشغول بتحرير جزءٍ مهم من كتابي حول الشاعر الفرنسي بودلير، وتحديدًا حول كسل ولا مبالاة المجتمع البرجوازي».
هوغو فون هوفمانشتال

رسالة مؤرخة في صيف 1939م:

«عزيزي السيد برينـتـانو، سعدتُ كثيرًا بحصولي على نسخةٍ من كتابكَ «مشاعر أبدية»، وأنهيتُ قراءة الكتاب في ثمانٍ وعشرين ساعة. كنتُ قد أمضيتُ ثلاثة أسابيع في قراءة رواية بوليسية، شعرتُ بحاجةٍ ماسّة لقراءتها، وهو أمر نادر الحدوث. في الحقيقة كتابكَ مذهل. للمرة الأولى يمسّني موضوع بمثل هذا القدر من الحميمية؛ معالجة مسألة العشق من الناحية التاريخية. كان اختيار شخصية (الدوقة أورلوف) ضربةً موفّقة. حيث استدعيتَ شخصية امرأةٍ، لم تكن السنون الطويلة تمثّل لها أي وزن مقارنةً بأيام الحب القليلة التي عاشتها في حياتها. تعرّفتُ إلى امرأةٍ لها التجربة نفسها، وكنتُ أصغر منها بنحو عشرين سنة. سوف أرسل إليكَ في الأيام القادمة كتابيْن من مؤلفاتي. أما كتابي عن بودلير، فهو العمل الأول، سأتبعه بأعمال أخرى حول الشاعر، إذا ما سمحت الظروف بطبيعة الحال».

* * *

رسائل السنوات الأخيرة إلى صديقه تيودور أدورنو، الذي عيّنه وصيًّا على التركة الأدبية:

باريس في 7 مايو 1940م:

«عزيزي تيدي، شكرًا على خطابك في 29 فبراير. للأسف يتوجّب علينا في ظل الظروف الراهنة تفهّم المدة الزمنية الطويلة بين كتابتكَ للخطاب وبين تسلُّمي إياه. بالطبع، سعدتُ، وما زلتُ سعيدًا، بكلامكَ حول كتابي عن الشاعر بودلير. {…}. هل سمعتَ عن الكاتب الأميركي وليام فوكنر؟ أنا مهتمّ بمعرفة رأيكَ حول أعماله».
ماكس هوركهايمر

اخترتُ هذه الرسالة، وهي من أواخر الرسائل التي كتبها فالتر بنيامين

قبل انتحاره في 27 سبتمبر 1940م:

2 أغسطس سنة 1940: «عزيزي تيودور؛ لأسبابٍ عدة، سعدتُ كثيرًا بخطابكَ الأخير المؤرّخ في 15 يوليو. أولًا لأنّكَ لم تنسَ قط هذا اليوم 15 يوليو (*عيد ميلاد فالتر بنيامين)، وثانيًا التفهّم العميق لظروفي النفسية الراهنة، والواضحة بين سطور الخطاب. سأصدقكَ القول، ليس من السهل عليّ الآن كتابة رسالة. لقد تحدّثتُ إلى فيليسيتاس كثيرًا حول القلق الشديد الذي يطوّقني بشأن أعمالي. كما تعلمُ جيدًا، فإنني أقف أمام أعمالي عاجزًا عن تطوير أو تحسين أي شيء فيها. منذ أسابيع عديدة بدأ يطوّقني شعور كامل بالقلق حول بقائي على قيد الحياة، وما قد تجلبه لي الأيام القادمة، بل الساعات القادمة. فيما عدا ذلك، فأقصى طموحٍ لي الآن هو الوصول إلى مدينة مرسيليا، والتقدّم بطلب اللجوء إلى القنصلية. ملاحظة أخيرة: أستميحكَ عذرًا على توقيعي المتألّم المضطرب».

انتحر فالتر بنيامين في بورت بو على الحدود الإسبانية الفرنسية في السابع والعشرين من سبتمبر سنة 1940م، بينما كان

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق