العالم يحتفي بإنجاز “الثقب الأسود”.. والعرب: مذكور في القرآن! / وليد بركسية

لعل المقاربة الدينية التي اكتظّت بها مواقع التواصل الاجتماعي العربية، للكشف العلمي المذهل عن أول صورة يتم التقاطها لثقب أسود، والتي أحالت الفَضل والنقاش نحو نصوص قرآنية وأدبيات إسلامية، بدلاً من المقاربة العلمية وتثمين جهود علماء الفيزياء والفلك، كما هو الحال في المقاربات التي ظهرت في نفس المواقع بالانجليزية، تعطي إجابة مختصرة عن السؤال التقليدي حول أسباب تخلف مجتمعات العرب والمسلمين وتقدم الغرب.

ورغم أن مواقع التواصل، عموماً، شهدت تحويل الحدث نفسه إلى مناسبة ساخرة للمرح، بتحويل الصورة عبر برامج تعديل الصور إلى أشكال مرحة، تتفاوت بين عيون القطط إلى حلويات الدوناتس، إلا أن ذلك لم يقف عائقاً أمام تقدير الجهد العلمي نفسه، وبقي في إطار التفاعل الشخصي مع حدث عالمي بهذا المستوى. وحتى الصورة الساخرة الأكثر تداولاً، والتي تربط بين الثقب الأسود وعين سورون من فيلم “لورد أوف ذا رينغز” الشهير، تبقى في إطار المقاربة الساخرة لحكايات الخيال العلمي/الفانتازي، بعيداً من الماورائيات.

والمشكلة في الاقتباس المتكرر من النص الديني، وعكسها على أي حدث يومي في الحياة العربية، هو افتراض نهاية العلم بوجود النص نفسه، ما يلغي أي حاجة للبحث والابتكار بالضرورة. فالتعليقات العربية في “تويتر” تحديداً، ركزت على اكتشاف المسلمين للثقب الأسود قبل 1400 سنة، بدليل سورة التكوير في القرآن، وأن الغرب وصل لهذه النتيجة اليوم فقط. وهي مقاربة قاصرة، لا ترى الحدث إلا من منظور صراع الحضارات والتفوق الديني.

ورغم أن النص الديني نفسه يتم تفسيره بطرق مختلفة، إلا أن الاحتفاء به بهذه الطريقة، كان بسبب توافق الأمزجة، ويعني ذلك أن الكشف عن صورة الثقب الأسود أتت لتثبت النص القرآني، حسب المعلقين. وربما لو كانت الصورة تعارض النص القرآني، لحدث انقلاب في وجهة النظر، نحو الهجوم والتكفير والتشكيك. على سبيل المثال، لو كان الحدث إثباتاً دامغاً لنظرية التطور، التي تشكك فيها النصوص الدينية لتعارضها مع فرضية الخلق، لكان الموقف معكوساً بلا أدنى شك.

وهنا يلاحظ تعبير عفوي عن فلسفات متداخلة، حاولت تفسير العلاقة بين الدين والعلم منذ القرن السابع عشر تقريباً. فمن جهة، يكرر المغردون ما يقوله كثير من رجال الدين بأنه لا تعارض بين الإسلام والعلم. لكن ذلك التوافق مشروط، فيضيفون أن التعارض ينشأ فقط من وجود خطأ في النظرية العلمية ذاتها، وهنا تكمن جذور المشكلة وجذور الصراع مع العلم أيضاً، فالعلم حسب المفهوم الديني يجب أن يكون في خدمة العقيدة القائمة على التسليم والإيمان لا البحث والتجريب، وهو ما يضع سقفاً للتفكير، يتناقض بدوره مع عدم محدودية العلم.

وربما كان هذا الصراع بالتحديد هو ما أشاع في مواقع التواصل، جواً من السخرية من كثيرين احتفلوا بالحدث العالمي وعبروا عن سعادتهم بأنهم أحياء ليشهدوا هذه اللاحظة التاريخية النادرة، بطريقة طبيعية بعيداً من التفسير الديني. وقدمت بعض التعليقات المستهزئة اتهامات بالتبعية للغرب أو العشوائية في التعبير عن الآراء، وكانت عبارة “هلأ الكل صار يفهم بالثقب الأسود” رائجة في هذا السياق قبل الانتقال للنص الديني، الذي يمثل الطريقة اللائقة للتفاعل مع الحدث، في دائرة مغلقة وضيقة تكرر نفسها.

يقود ذلك للحديث التقليدي عن تهديد العلم للدين وبالعكس، فالموقف المتشنج في مواقع التواصل، والذي أخذ موقفاً دفاعياً مع الاقتباسات المتكررة من رجال دين يتحدثون في مقاطع فيديو عن الإعجاز العلمي في الإسلام، يرتبط بجذور الخطاب الديني نفسه كأداة للسلطة. إذ يحظى رجال الدين في المنطقة العربية بنفوذ كبير، بسبب طبيعة الأنظمة السياسية القائمة نفسها، التي تعتمد عليهم كحلقة وصل تسهل السيطرة على عدد كبير من المواطنين دفعة واحدة، بسبب القدسية والاستقلالية المفترضة في نطاق عملهم، وبالتالي يصبح التشكيك بالسلطة الدينية وتحرير العقل من سطوة النص الديني، ولو بالتساؤلات العابرة، تشكيكاً بتلك السلطة، وما تمثله من نفوذ ومصالح متشابكة.

الموقف الدفاعي نفسه، قد يكون مرتبطاً بشعور جمعي آخر بالتهديد في حقبة سقوط القوميات والأيديولوجيا والمجتمعات التقليدية القائمة على التماثل، بفعل التكنولوجيا التي تمثل أحد أشكال العلم. كما أن ذلك الشعور يرتبط بالجو السياسي الحالي في العالم الذي يشهد استقطاباً وحوارات حول الهجرة واللجوء والاندماج واستكشافاً لمعنى الصراعات وتحديداً في الشرق الأوسط، والتي بشكل أو بآخر تعود لملامسة الدين كعنصر يجب تجديده بطريقة أو بأخرى من أجل تحقيق الاستقرار والتقدم، والذي يتم تقديمه من قبل رجال الدين والفئات الأكثر تديناً في مواقع التواصل على أنه حزء من مؤامرة “الملاحدة” في الغرب على المجتمعات العربية.

كل ذلك تكرر في النقاشات حول صورة الثقب الأسود، يقول أحدهم مع صورة للثقب الأسود وصورة للنص القرآني: “قضيت عمري أناظر الملاحدة وانسف نظرياتهم” وكتب آخر: “معقول هؤلاء الملاحدة والدجاجلة يقولون بالثقب الاسود فيصدق العالم .. وين القران وين الايات وين ادلة هؤلاء الكذبة .. إلى متى يجمعون المليارات لإنجازات وهمية غير صحيحة . فلا قمر صعدوا ولا كرة أثبتوا ولا ثقب اخترقوا”.

الدعوة لتجديد الخطاب الديني، لا تعني بالضرورة دعوة للتخلي عنه، مهما كان ذلك جيداً في الواقع، لأن الإيمان من عدمه يبقى، ويجب أن يكون، رؤية شخصية، لكن النظرة على مواقع التواصل في ظل حدث علمي بحجم أول صورة للثقب الأسود، ومقارنتها ببقية ردود الفعل حول العالم، توصل لنتيجة مؤسفة حول الهوة التي تفصل العالمين عن بعضهما، فكرياً، والتي قد تتجاوز مسافة الـ55 مليون سنة ضوئية بين التلسكوبات الثمانية على الأرض والثقب الأسود نفسه الواقع في مجرة “إم 87”.

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق