عمر البشير: وداعاً / مايكل يونغ وإدوارد توماس

عمل إدوارد توماس في السودان وجنوب السودان كمدرّس، وناشط في مجال حقوق الإنسان، وباحث، لمدة 30 سنة تقريباً. هو زميل في معهد الأخدود العظيم، وباحث مساعد في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، ومتخصص بالشؤون السودانية، ومؤلف كتب: South Sudan: A Slow Liberation (Zed Books, 2015); Islam’s Perfect Stranger: The Life of Mahmud Muhammad Taha, Muslim Reformer of Sudan (I.B. Tauris, 2010) and The Kafia Kingi Enclave: People, Politics and History in the North-South Boundary Zone of Western Sudan (Rift Valley Institute, 2013)

يعمل توماس حالياً على وضع كتاب حول الإسلاموية، والنيوليبرالية، والتغيّر الاجتماعي في السودان.

أجرت “ديوان” مقابلة معه في أوائل نيسان/أبريل، لاستطلاع آفاق التطورات في السودان، غداة أسابيع عدّة من الاحتجاجات ضد الرئيس عمر البشير، ما أدى إلى إطاحته في 11 نيسان/أبريل.

مايكل يونغ: ما الذي دفع الرئيس السوداني عمر البشير إلى التخلّي عن السلطة؟

إدوارد توماس: في 11 نيسان/أبريل، اعتُقل الرئيس السابق عمر البشير وحل مكانه في السلطة مجلس عسكري انتقالي بقيادة وزير دفاعه عوض بن عوف. والحال أن تدحرج رأس البشير من الحكم بدأ حين قوّضت الأزمة المالية قدرة السودان على تمويل واردات القمح، مادفع الناس إلى النزول إلى الشوارع في كانون الأول/ديسمبر. وقد تفاقمت الأزمة بفعل نصيحة من المؤسسات المالية الدولية، التي دعت إلى وضع حد لسياسة دعم الخبز والوقود. كان هذا الدعم يشكّل جزءاً من العقد الاجتماعي المُتداعي الذي أبرمته الحكومة مع قواعدها الشعبية الأساسية المنتشرة في المحافظات التي تحفّ بوادي النيل الشمالي. وقد اندلعت احتجاجات الخبز في بلدات جهوية حول الخرطوم، لكنها سرعان ما تمددت إلى العاصمة وتحوّلت إلى محاكمة لثلاثة عقود من حكم البشير.

كان البشير تعامل بسرعة وبلا شفقة أو رحمة مع احتجاجات مماثلة عامي 1992 و2013. لكن هذه المرة تردّد هو وحزبه الحاكم في تنفيذ المجازر. أحد أسباب هذا التردّد هو أن الحكومة لم تكن قادرة لا على توفير الدعم المالي لحل الأزمة الاقتصادية، ولا الحصول على المساندة الدبلوماسية لشنّ ثورة مضادة. وثمة سبب آخر: إذ يبدو أن البشير فقد قدرته على إدارة أجهزة قوات الأمن العديدة، والتي تخوض غمار منافسات أحياناً في ما بينها.

يونغ: ذكرت تقارير قبل أيام قليلة أن الجيش وقوات الأمن كانا على طرفي نقيض حول كيفية التعامل مع الاحتجاجات. هل هذا صحيح، وما مدى أهمية ذلك؟

توماس: احتشدت مظاهرة كبرى خارج المقر العام للقوات المسلحة السودانية في 6 نيسان/أبريل، أي في الذكرى السنوية لآخر انتفاضة شعبية ناجحة في السودان العام 1985. وقد هاجمت المتظاهرين عناصر من جهاز الأمن والمخابرات والأمن الوطني، وهو جهاز الأمن الأساسي التابع للحكومة، ومعها ميليشيات غامضة مرتبطة بحزب المؤتمر الوطني الحاكم. لكن عناصر من الجيش- من ذوي الرتب الخفيضة على ما قيل- حمت المحتجين.

في 9 نيسان/أبريل، أبلغ قائد قوات الدعم السريع (وهي ميليشيا مرخّص لها قانوناً وتعود بجذورها إلى الوحدات غير النظامية التي شكّلتها الحكومة خلال حرب دارفور) قواته في الخرطوم أنه يتعيّن عليهم عدم التدخّل ضد التظاهرات السلمية. كما أُشيع أن الشرطة أصدرت أوامر مماثلة في اليوم التالي. كل هذه التطورات تشي بأن عناصر مختلفة من قوات الأمن لم تعد تحت سيطرة القيادة المركزية.

صبيحة 11 نيسان/أبريل، أعلنت القوات المسلحة السودانية أنها ستُصدر بياناً حول الأوضاع. كما قال جهاز الأمن والمخابرات الوطني إنه سيطلق سراح معتقلين سياسيين. وهذا أوحى بأن ثمة وفاقاً في صفوف قوات الأمن سمح بوقوع انقلاب عسكري، وبات يتعيّن الآن على قادة هذا الانقلاب أن يبلوروا رداً على مطلب المتظاهرين الخاص بإنشاء حكومة مدنية انتقالية. كان تحت تصرّف قادة انقلاب القصر هؤلاء كل الموارد الهائلة للدولة، لكن المحتجين في المقابل حازوا على قوة الزخم (في 12 نيسان/أبريل استقال عوض بن عوف من منصبه كرئيس للحكومة الانتقالية وحلّ مكانه الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان(.

يونغ: من الذي سيتأثر أكثر من غيره برحيل البشير، في العالم العربي على وجه الخصوص؟

توماس: إطاحة البشير ستحط من معنويات الديكتاتوريات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومعها داعميها الدوليين. ويبدو أن الاحتجاجات أدّت بالفعل إلى هذه المحصلة، عبر إلهامها الاحتجاجات في الجزائر.

هل يدشّن السودان ربيعاً عربياً جديدا؟ في العام 2011، كان السودان غاطساً حتى أذنيه في عملية انفصال الجنوب. والسودان، شأنه شأن البلدان التي لها تاريخ من الحروب الأهلية كالجزائر ولبنان والعراق، لم ينتفض، وثمة أسباب عدة لذلك.

فهو، أولا، اتبّع نهج سوق سلطوياً، كما مصر وسورية، لكنه طُبِّق على نحو مختلف في السودان، حيث أن الألم الاقتصادي فيه كان قد صُدِّرّ طيلة سنوات عدة إلى أطراف البلاد الشاسعة والمتنوّعة، وتدبّرت أمره تقنيات مكافحة العصيان. ثانيا، العديد من الحكومات العربية شرعنت الحركات الإسلامية بكونها معارضة غير رسمية لأنظمة السوق السلطوية. هذه الحركات، التي غالباً ماتحالفت مع رأس المال، روّجت لقيم مفيدة سياسياً للأنظمة تركّز على الصبر والطاعة وتفتقد القدرة على انتقاد سلطوية السوق. في المقابل، استندت الطبعة السودانية من نظام السوق السلطوي إلى التحالف مع الإسلاميين والرساميل المالية والتجارية، وقوات الأمن، وكل هؤلاء تمكّنوا من دمج أنفسهم في مابدا أنه طبقة حاكمة، نجحت في مراكمة ثروات من الإزدهار النفطي. ولذا، كان المتظاهرون يهتفون ضد الإسلامويين الذين كان يُطلق عليهم بالعامية السودانية نعت “الكيزان” و”الكوز”، أي المجارف، كإشارة إلى شهية لاتشبع.

التخلّص من ديكتاتور، كما فعل السودانيون (وكذلك الجزائريون)، أنهى في الواقع فصل الثورة المضادة التي كانت شائعة في الشرق الأوسط. فالاحتجاجات السودانية كانت سلمية تماماً، لا بل حتى يُقال إن المحتجين تدخلوا لحماية عناصر قوات الأمن الذين أوقفوا خلال محاولتهم الهجوم عليهم. وهكذا، يمكن لمحتجي السودان أن يمحضوا الشجاعة للمواطنين في تلك البلدان في الشرق الأوسط التي أدى فيها القمع إلى النيل من عضد المقاومة السلمية.

هنا، يجب أن نلفت إلى أن الاحتجاجات لم تحظ بأي تغطية دولية تقريباً، وأيضاً بالقليل من الدعم الدولي. فحركة حقوق الإنسان العالمية، التي تمّكنت من توجيه تهمة حرب الإبادة إلى البشير في المحكمة الجنائية الدولية، لم يكن في وسعها هذه المرة تعبئة مثل هذا الدعم. والدول الأوروبية التي قادت الحملة لإدانة البشير، لم تعد مهتمة كثيراً بحقوق الإنسان في السودان، إذ هي استخدمت قوات الأمن التابعة له لقطع دابر الهجرة من السودان والدول المجاورة له. وحتى الولايات المتحدة، التي لطالما استهدفت قوات الأمن لدى البشير لتنفيذ حربها ضد الإرهاب، لم تعمل على مساعدة المحتجين أكثر مما فعل الأوروبيين. أما صندوق النقد الدولي فقد ساعد ، بطريقة ما وبشكل غير مباشر، المحتجين، وهذا لأن خفض الدعم كان يؤدي دوماً إلى احتجاجات دموية في السودان. ففي العام 1985، كان تقليص الدعم أحد أسباب سقوط الحكومة آنذاك.

يونغ: كيف استطاع السودان تجنّب اندلاع حرب أهلية، بالمقارنة مع مع حصل في ليبيا وسورية، حيث وقف الشعب في وجه الحكّام الديكتاتوريين؟

توماس: اندلعت الحروب الأهلية في السودان منذ ثلاثة عقود، وانتشرت في الأطراف الواسعة والمتنوّعة والغنية بالموارد — كجنوب السودان بحدوده الحالية ودارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان. وهذه الحروب لمّا تنتهِ بعد. بيد أن قادة الجماعات المتمردة في دارفور وأماكن أخرى أعلنوا دعمهم للمتظاهرين في الخرطوم، فيما أعلنت الحكومة وقف إطلاق النار من جانب واحد في كانون الثاني/يناير الماضي.

منذ العام 1998، كان للسودان رئيس منتخب وبرلمان. لكن البشير كان القائد الوحيد منذ توليه الحكم عقب انقلاب العام 1989. وقد بدا أنه عثر على صيغة ثابتة للقمع في السودان تتمثّل في: الجهود الدؤوبة لمكافحة التمرّد في أطراف السودان؛ ونشر قوات أمن واسعة الحيلة وقاسية في المدن؛ إضافةً إلى إلغاء كامل واستتباع للحركات المدنية، والنقابات، ووسائل الإعلام، والأكاديميات السودانية، التي كانت مرتبطة جميعها بالحزب الشيوعي النافذ في السودان. كما أنه أقنع سكان السودان الحضريين بأنه سيقتلهم إذا ما عارضوه، وأثبت مراراً أنه جاد في كلامه من خلال عمليات القتل الجماعي والاحتجاز التي نفذّها.

أولئك الذين لم يتمكّنوا من شراء خبزهم اليومي هم من أطلق شرارة الاحتجاجات الأولى. وعندما اتّسعت رقعتها ووصلت إلى العاصمة، جذبت دعم الجمعيات المهنية، التي لعبت دوراً بارزاً في انتفاضتي العامين 1964 و1985، حين أُطيح بالدكتاتوريين الأخيرين في السودان. والآن، حين تصدّت قوات الأمن بوحشية للمتظاهرين، وهاجمت المستشفيات والأطباء الذين كانوا يعالجون المحتجين الجرحى، أسفر ذلك عن ازدياد المعارضة تلاحماً وعزيمة، ما ساعد على استحضار ذكريات المقاومة السلمية السابقة.

حقق المتظاهرون الكثير من الإنجازات خلال أربعة أشهر: فقد أسقطوا ديكتاتوراً وبنوا حركة مدنية قادرة على تحدّي الجيش. كما شكّلوا ائتلافاً ضمّ أولئك المستفيدين من إعانات الوقود – أي الطبقات الوسطى الحضرية الهشة التي اشترت أجهزة تلفاز ومكيفات هواء خلال الطفرة النفطية – فضلاً عن المستفيدين من الخبز المدعوم – أي فقراء المناطق الحضرية. كما سنحت له الفرصة للعمل مع المتمردين في الأطراف التي مزّقتها الحرب.

مع ذلك، يواجه المتظاهرون تحديات عدّة. فالسياسة الأوروبية تجاه السودان هي عبارة عن مزيج متناقض من المشاعر المعادية للمهاجرين والرافضة للدعم. وتتشاطر أوروبا والولايات المتحدة على حدّ سواء المصالح مع قوات الأمن التي تدير نظام سوق سلطوياً معرّضاً للأزمات في السودان. وفي حال تمكّن المتظاهرون من استخدام زخمهم وشجاعتهم الأخلاقية وحظهم في إحباط انقلاب القصر، سيبقون في حاجة إلى حشد دعم أجنبي لتمويل واردات السودان الغذائية وإعانات الوقود والقمح. هم بحاجة إلى إيجاد طريقة تتجاوز هذا النظام المبتلي بالأزمات، والتخلّص من الدعم الأكثر أهمية في السودان – ألا وهو رواتب قوات الأمن – الذي يشكّل ربما نصف موازنة الدولة.

 

عن موقع معهد كارنيغي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق