اليهود العرب وفنون الغناء والموسيقى / صقر أبو فخر

من المشهود لليهود العرب ميلهم إلى الغناء والعزف والرقص، وإلى سائر الفنون الأخرى. وقد حار في هذا الأمر كثير من النقاد والمؤرخين وأرجعوه إلى أسباب شتى، دينية وغير دينية، علاوة على الأسباب الاجتماعية التي تلحظ أن معظم الراقصات هن من عائلات مهمشة أو مهاجرة من الأرياف البعيدة، أو من طوائف دينية غير مسلمة. والحقيقة أن كثيراً من فقهاء المسلمين أفتوا بحرمة الغناء، واعتبروه “مزمار الشيطان” ومنعوا المعازف كلها، مع أن الغناء العربي قام، خصوصاً في المرحلة الليبرالية، على أصوات الشيوخ وأصابعهم، أمثال الشيخ علي الدرويش، والشيخ عمر البطش، والشيخ صالح الجذبة (من سورية)، والشيخ سيد درويش، والشيخ زكريا أحمد، والشيخ سيد الصفطي، وغيرهم (من مصر).
ويسجل لنا كتاب “الأغاني” لأبو الفرج الأصفهاني عالماً حافلاً من الغناء والمتع الصوتية والبصرية، أي العزف والغناء والرقص. لكن هذا الثالوث الجميل ظل محصوراً في قصور الفئات الباذخة من الحكام العرب وأثريائهم، وما برح الفقهاء، حتى اليوم، يحرّمون جميع أشكاله وصوره. ولعل من حُسن المصادفات أن احدى المسرحيات في دمشق احتاجت ممثلة لتقوم بدور امرأة دمشقية تدعى “أم كامل”، فلم يجد مخرجها فتاة مسلمة واحدة في دمشق الخمسينيات تقبل ذلك. فما كان من الممثل أنور البابا، وهو شقيق الخطاط السوري حسني البابا والد الممثلة سعاد حسني والمطربة نجاة الصغيرة، إلا أنه تصدى لهذا الأمر، وارتدى ملابس إمرأة شامية، فوُلدت شخصية “أم كامل” التي انتشرت في مسارح دمشق، ثم في برامج التلفزيون السوري. وكانت المسيحيات السوريات أقل تزمتاً في هذا المضمار، لكن اليهوديات كنّ أكثر تحرراً وحضوراً. ولعل تحريم الغناء والعزف والرقص لدى فقهاء المسلمين، وعدم الانجراف نحو هذه المهنة لدى المسيحيين في بعض الحقب، أفسح في المجال أمام اليهود
“أنور البابا، وهو شقيق الخطاط السوري حسني البابا، والد الممثلة سعاد حسني والمطربة نجاة الصغيرة، ارتدى ملابس إمرأة شامية، فوُلدت شخصية “أم كامل” التي انتشرت في مسارح دمشق، ثم في برامج التلفزيون السوري” للظهور، ولمع من بينهم مشاهير ما زالت أغانيهم وموسيقاهم وأفلامهم تملأ الأسماع والأبصار. ومن جانب آخر، فإن حاخامات اليهود، على العموم، نظروا إلى الغناء والعزف نظرة تبجيل؛ فالملك داود كان عازفاً. وأعتقد أن المزامير المنسوبة إليه إنما هي نصوص شعرية كان يغنيها على أنغام مزماره. والحسيدية، وهي حركة يهودية فائقة الأثر، تدعو الحسيديين إلى الغناء وشرب الخمر والرقص والمرح والصراخ للتخلص من الهموم. وقلائل مِن المسلمين، قبل القرن التاسع عشر، مَن وجد في الرقص قيمة فنية عدا الطهطاوي الذي يقول “إن الرقص في فرنسا نوع من العياقة لا من الفُسق، لذلك كان دائماً غير خارج عن قوانين الحياء، بخلاف الرقص في أرض مصر فإنه من خصوصيات النساء لأنه لتهييج الشهوات” (رفاعة الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، 1834). وربما ما زال مطروحاً علينا اليوم أن نختار: إما الطهطاوي، أو سيد قطب.
يهود عرب مطربون
اشتُهرت جداً أغنية “يا طيرة طيري يا حمامة” التي لحنها السوري أحمد أبو خليل القباني في أثناء إقامته في القاهرة. لكن، من هي “طيرة” هذه التي يدعوها القباني إلى الطيران نحو الشام؟ وهل هي مجرد كلمة اختارها لتلائم إيقاعياً كلمة “طيري” يا حمامة؟ وقد تبين أن طيرة هذه إنما هي مغنية وراقصة وممثلة يهودية دمشقية تدعى أستيرا حنائيل الحكيم. وكان أبو خليل القباني يناديها “طيرة” بدلاً من أستيرا. وأستيرا الحكيم غنت أغنية مشهورة أخرى هي “عِ الهيلا الهيلا الهيلا يا ربعنا”، وكانت إحدى نجمات فرقة أبو خليل القباني قبل أن تطويها الأيام. بيد أن أشهر مغنية يهودية قاطبة هي ليلى مراد، واسمها الأصلي ليلي زكي مردخاي. ووالدها

“طيرة في أغنية “يا طيرة طيري يا حمامة” التي لحنها أبو خليل القباني، هي مغنية وراقصة وممثلة يهودية دمشقية تدعى أستيرا حنائيل الحكيم”
الذي عُرف باسم زكي مراد (1880-1946) يهودي حلبي هاجرت عائلته إلى الاسكندرية حيث وُلد زكي وعاش، ثم انتقل إلى القاهرة، وأنجب، علاوة على ليلى مراد، الملحن المشهور منير مراد (اسمه الأصلي موريس زكي مردخاي). أما شقيق زكي مراد، أي عم ليلى مراد، فيدعى نسيم، وكان يغني في مقهى الشهبندر في حلب، وعاش سني عمره في حلب ومات فيها على الأرجح (راجع: بديعة مصابني، المذكرات – تحرير نازك باسيلا، بيروت: دار مكتبة الحياة، د. ت.). ومن أهم المطربات اليهوديات “وداد” صاحبة أغنية “بتندم” التي لحنها اللبناني سامي الصيداوي. واسم وداد الأصلي هو بهية فرج العواد، ووالدها يهودي حلبي من أشهر عازفي العود في العالم العربي، وقد عمل مع منيرة المهدية ومع أم كلثوم، ثم استقر في بيروت بعد مغادرته مصر مع ابنتيه بهية وأمل. وقد اتخذت بهية عواد اسم “وداد” في سنة 1956 واشتُهرت به. أما شقيقتها أمل فعملت مطربة في الإذاعة اللبنانية، وعُرفت باسم نرجس، وتزوجت الملحن اليهودي اللبناني سليم بصل (اسمه الفني سليم شوقي). وعندما ضاقت بهما سُبُل العيش في لبنان، وحامت حولهما شكوك في شأن اتصالهما بأشخاص في إسرائيل، غادرا إلى إسرائيل بالفعل في أواخر ستينيات القرن المنصرم. ومن المغنيات السوريات اليهوديات ملكة سرور، وهي من أصول دمشقية هاجرت عائلتها إلى بيروت بعد حوادث 1860. وفضلاً عن أولئك كانت هناك مطربة يهودية اسمها خيرية السقا لم تُشتهر كثيراً.
في العراق كان صالح الكويتي أشهر العازفين والملحنين العراقيين. وقد اكتسب لقب “الكويتي” لولادته في الكويت في سنة 1908، وهو من عائلة يهودية عراقية بصرية. واشتُهر عنه غرامه بالمطربة الحلبية زكية جورج (اسمها الحقيقي فاطمة محمد، وقد تكنّت باسم مسيحي لأن من غير المقبول في العراق آنذاك أن تغني على المسارح مطربة مسلمة)، ولحن لها أغنية “مو إنصاف منك”. لكن زكية جورج هجرته، فحوّل الأغنية إلى المطربة العراقية اليهودية

“صالح الكويتي أشهر العازفين والملحنين العراقيين. اكتسب لقب “الكويتي” لولادته في الكويت في سنة 1908، وهو من عائلة يهودية عراقية بصرية”
سليمة مراد، أو سليمة باشا كما كان العراقيون يدعونها تقديراً واحتراماً. وسليمة باشا تزوجت لاحقاً المطرب ناظم الغزالي. ولصالح الكويتي شقيق يدعى داود الكويتي وهو عازف بارع على العود. وقد سافر صالح الكويتي إلى إسرائيل مرغماً بعد صدور قانون إسقاط الجنسية عن اليهود في سنة 1950، وتوفي فيها سنة 1986. ومن الفنانين اليهود في العراق نعيم بصري والعازفون نسيم بصون، وسليم زبلي، وأكرم زبلي، ويوسف زعرور، وعزرا هارون، وحيون كوهين. ومن لبنان اشتُهر المطرب اليهودي موسى حلمي بعد هجرته إلى مصر. وقد قدمه المخرج نيازي مصطفى في سنة 1946 في فيلم “أول نظرة” مع صباح وزوزو ماضي (لبنانية الأصل) وحسن فايق وبرهان صادق. ثم ظهر ثانية في فيلم “سلطانة الصحراء” (1947) مع كوكا ويحيى شاهين وإسماعيل ياسين، وغنى أغنية اشتهرت جداً في مصر ذلك الزمن هي “يا زينة الكل يا سمرة.. اسقيني القهوة ولو مرة”. وحين عاد إلى لبنان في ستينيات القرن المنصرم عمل مديراً لمسرح شوشو، ومستشاراً فنياً في شركة الصباح للإنتاج والتوزيع السينمائي. غير أنه اختفى بعد حرب 1967 ليظهر في إسرائيل، ويقدم برامج منوعة من إذاعتها باللغة العربية.

ممثلون ومغنون وراقصات
لمع في مصر في ميدان التمثيل عدد كبير من اليهود، وهؤلاء وجدوا في مصر في زمن

“من أهم المطربات اليهوديات “وداد”. واسمها بهية فرج العواد، ووالدها يهودي حلبي من أشهر عازفي العود في العالم العربي، وقد عمل مع منيرة المهدية ومع أم كلثوم”
الملكية ميداناً ليبرالياً يتقبل اليهود في نطاقه. ومن بين هؤلاء المشاهير الممثلة كاميليا (ليليان كوهين)، والممثلة نيلي مظلوم، والراقصة كيتي، والممثل الروماني الأصل ستيفان روستي، والمخرج التركي المتمصر وداد عرفي، والمنتج السينمائي توغو مزراحي (أحمد الشرقي) والممثل اللبناني الياس المؤدب (إيلي مهذب ساسون)، ونجوى سالم (نظيرة موسى شحاتة)، علاوة على المطربة الكبيرة راقية إبراهيم (راشيل أبراهام ليفي)، والملحن الكبير داود حسني الذي علّم أسمهان فنون الغناء وأصوله. وإلى هؤلاء عرفت السينما العربية عدداً من اليهود العرب أمثال سامية رشدي ونجمة إبراهيم وأستير شطح، وهنّ من الصف الثاني في فن التمثيل. وبعض تلك الأسماء جرفته الصهيونية، بينما رفض الآخرون الهجرة إلى اسرائيل غداة قيامها في سنة 1948، واستمروا في العيش في أوطانهم حتى الموت.

 

عن ملحق ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق