غرفة 304: كيف اختزل كتاب سيرة ذاتية العبء النفسى لمواليد الثمانينيات؟ / هناء عبيد

هل هو كتاب عن الثورة؟، أم عن الأب والسلطة فى حياتنا؟ أم عن جيل الثمانينيات؟ تأخذك سيرة عمرو عزت، فى كتابه «غرفة 304: كيف اختبأت من أبى العزيز 35 عاما» فى حالة تستعصى على التصنيف السهل. يبدأ السرد بميلاد طفل موسوم بوحمة فى الجبهة تميز ملامحه، ثم لا تلبث أن تواجهك كل معضلاته واختياراته الفكرية، والنفسية، والتى هى فى الوقت ذاته معضلات جيل مواليد الثمانينيات بوجه عام.

فبينما يقدم عمرو عزت فى كتابه رؤية ذاتية وشخصية بالأساس عن تطور علاقته بوالده والمساحات التى تغيرت، ضيقا واتساعا، فى إدراك الاختلافات والتوقعات المتبادلة بين طرفى هذه العلاقة، ورغم التركيز على الطابع الذاتى فى هذا الكتاب، فإن الكاتب قد تقاطع من حيث لا يدرى، أو ربما نسج قصته عمدا، مع رمزية الثورة وما رفعته من شعارات متعددة تطالب بالتغيير فى أسلوب إدارة الحكم والمجتمع.

يشعر قارئ كتاب الغرفة 304 بما تحمله السطور من تعبير صادق عن جيل الثمانينيات الذى نشأ وتفتح وعيه، وربما خاض معظم معارك تطوره الفكرى قبل اندلاع ثورة يناير 2011. ومن ثم فبقدر ما كانت الثورة تعبيرا عما يموج به المجتمع المصرى آنذاك عن مطالب غير ملباة، كان تجلى الثورة هو ذروة تعبير هذا الجيل عن نفسه وتطلعاته، وربما أيضا عن التحولات التى كانت تتقاذفه فى عدة اتجاهات.

نشأ هذا الجيل فى مرحلة مفصلية تسارعت فيها التحولات العالمية، فكان متنازعا، بشكل أو بآخر، بين ما حاول الأهل تنشئته عليه وما كان يشهده بشكل تلقائى وآنى ضمن أوساط أصدقائه والتغيرات المجتمعية المتسارعة من حوله. ومن ثم، فقد وقف هذا الجيل مأزوما بين تطلعات يجب أن يلبيها من أجل إرضاء الأهل من جانب، وما تمليه عليه تطوراته الفكرية والتغيرات المجتمعية من حوله وإدراكه الشخصى لحدود دوره فى المجالين العام والخاص من جانب آخر. ولذا فى الوقت الذى شكلت فيه ثورة يناير تمردا على نمط محدد من السلطة التى جمّدت تقدم الدماء الجديدة فى عروق الدولة والمجتمع، كانت هذه الثورة أيضا تعبيرا صادقا عن ثورة مجتمعية تجرى بين أبناء هذا الجيل، وتعكس تصوراتهم المختلفة عن التصورات الموروثة من جيل الآباء.

مش عاوز أبقى زيك !

الثورة لا ترد فى الكتاب بالمعنى السياسى فقط. فإذا أردت أن تختار كلمة واحدة تعبر عن نسيج «السيرة/القصة»، فهى فعل «المقاومة». يقاوم الكاتب سلطة الأب فى تحديد من هو، ومن ينبغى أن يكون «عمرو الحقيقى»، ويقاوم سلطة اطلاع الآباء على أسرار الطفولة والمراهقة، فيبوح بالقليل ليرضى فضول الأب، ويحتفظ بمساحاته المهمة لنفسه، ويقاوم سلطة الأهل فى اختيار هويته الفكرية، وخياراته الدراسية والمهنية، واقتناعاته السياسية، والتى انفلبت إلى تحولات حادة، حتى بات الكاتب أو من حوله غير قادرين على تعيين هويتها. ومن ثم الاشتباك معها تأييدا ورفضا.

يقاوم الكاتب كذلك سلطة المجتمع، فيرفض الارتباط بالحبيبة التى تكبله بخيارات محافظة تناقض أحلامه التحررية، ويقاوم الوظيفة المثالية التى يرضاها الأهل، ويحترمها المجتمع، بينما تقوم على علاقة عمل استغلالية. وربما التعبير الأبلغ عن فعل المقاومة، رغم طرافته، هو كتابته بحثا يدحض فيه حرمة الغناء، فى سياق علاقته بالتيارات السلفية، فى موقف كوميدى غناه عن كثير حديث عن الانغلاق الفكرى الذى أدى إلى نفوره من تجربة الانتماء الفكرى لهذه الجماعات.

مش عاوز أبقى زيك! يقولها الكاتب للأب فى لحظة اندفاع وغضب، ثم يبررها ويخفف من وطأتها، ولكنه عمليا يقولها للمجتمع بشكل مبطن، من خلال اختياراته، ومنعطفات حياته المختلفة.

مم نختبئ؟ ولماذا؟

يضيق الكاتب بالسلطة الأبوية فى كل صورها، فيختبئ منها، أو يتمرد عليها، من الأب المباشر وسلطته فى تشكيل الماضى، ومراقبة الحاضر، ومحاولات استملاكه أو التحكم به. ومع ذلك، فعلاقة الكاتب بأبيه هى أكثر علاقات «المقاومة» التباسا. فهنا، يصعب على القارئ أن يصنف،: هل هى علاقة ثورة مكبوتة من جانب الابن مقابل وصائية طموح – وفى الوقت نفسه ذكية- من جانب الأب، أم أنها علاقة انبهار بنموذج الأب الحامى والمهيمن بمهارات واسعة ونفوذ متغلغل والقادر على الإحاطة بحياة ابنه رغما عنه وبرضاه فى الوقت نفسه؟ فالإعجاب بنموذج الأب، والذى يتسرب ببراعة إلى القارئ، مرسوم بعناية، ونتيجة لمواقف حيكت لنتعاطف فيها مع الأب.

يضيق الكاتب كذلك من والد الخطوبة أو الزوجة، وسلطته فى تعيين ما هى الوظيفة المناسبة، والسكن المقبول، والأسلوب الأمثل للعيش، ويضيق بسلطة الشيخ، أو سلطة التاريخ الدينى، و«الأبوة التاريخية»، والالتزام بنهجها الذى يتم تحديده «عسفا» من خلال قراءة للتاريخ والدين تتجنب الصراع والأسئلة والنقاشات المركبة، لمصلحة قراءة تبسيطية يمكن تمثلها والدفاع عنها ضد أنواء التشكيك.

فالكاتب هنا، وهو يقاوم السلطة فى أشكالها كافة، يوقن بأن الحياة هى سلسلة من الآباء، أو علاقات القوة التى لا فكاك منها، فيستدعى مقولة جبران خليل جبران «أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة»، متهكما من تصور خلو الحياة من علاقات وأبنية مماثلة للقوة، «وكأن هناك فضاء حرا تماما من الشروط والقيود اسمه الحياة، كأن هذه الحياة وسط الطبيعة أو وسط الناس ليست ملأى بما هو أكثر تسلطا ورغبة فى الحصول على الامتثال من الآباء».

فمن اللافت أيضا أن الكاتب يرى أن الأصدقاء، الذين يختارهم الإنسان مع تفتح وعيه ورحلته فى الهروب من الوصاية الأبوية، هم بمنزلة آباء جددا له. ولذا، فهو رغم ثورته المكبوتة على وصائية أبيه، لم يختر لأصدقائه وصفا أجمل من كونهم آباء جدد له. وهو فى ذلك قد يعبر عن توق حقيقى لكسب صداقة الأب بدلا من التفنن فى خطط المواربة والإخفاء. غير أن طبيعة الأمور، من اختلافات جيلية ونزعات وصائية، واختلاف فى شروط العلاقة وميزان القوى، قد يحول دون ذلك.

وبالرغم من الخيارات الثورية للكاتب فى العديد من المواقف، السياسية والاجتماعية والوظيفية، والشخصية، نظل متحيرين إزاء فعل الاختباء، الذى جاء فى صلب القصة، ويشكل البناء الأساسى لكثير من العلاقات بداخلها، حيث يثور التساؤل عما إذا كان «الاختباء» فعلا ثوريا أم مراوغا. فما يميز نص عمرو عزت هو أنه يختبئ من سلطة أبيه، مع تعاطفه فى الوقت ذاته مع معضلات الأبوة، ومع إعجاب غير خفى بالأب، ورغبة كامنة فى الاحتفاظ باحترام الأهل ومكانته المميزة لديهم. ففكرة وجود «عمرو حقيقى» مثلما تولد نفورا من سلطة أبوية تريد تحديد من نكون، فهى تولد شعورا بالمكانة والإعجاب يجد الكاتب صعوبة فى التخلى عنه. الاختباء هنا يبدو كفعل راغب فى تجاوز ثنائيات مثل: المحافظة/ التمرد، الامتثال/الثورة، الإخفاء /الإعلان والحرية/الإجبار، إلى حالة أكثر تفردا، وتركيبا، يريد الاستقلال فى هدوء، فهو فعل مراوغ لا يدين فيه السلطة الأبوية، ولا يكرهها، ولا ينقلب كلية عليها، لكنه يسعى لحفر مسلكه فى الحياة استقلالا عنها.

هذا الاختيار لإدارة التناقض بالاختباء، قد يكون التطور المنطقى من طفل «متطرف فى الامتثال» كما يصف الكاتب نفسه، أو كما يصفه أهله، إلى مراهق وشاب متمرد، فمثَّل الاختباء اختيارا عمديا للحفاظ على الآباء من صدمة «عدم الامتثال»، أو رغبة فى الاحتفاظ بتلك الهالة، وما توفره من مميزات أسرية، بما فى ذلك مساحة معقولة من الثقة تعد خلفية ضرورية لفعل الاستقلال، أو كحيلة دفاعية لتقليل تكلفة الصدام والمواجهة.

وربما كان الاختباء هو مجرد اختيار تلقائى مدفوع بالانشغال باكتشاف الذات، والإجابة عن أسئلة الحياة، بالانتقال من مدرسة فكرية إلى أخرى، ومن نمط حياة إلى آخر، أكثر من الانشغال بكيفية تبرير هذه التحولات أمام الأب. فلم يكن من المجدى أن يضيع وقتا أطول فى الدفاع عن اختياراته وشرح تفاصيلها بما يتخطى العوائق الجيلية، لأنه على الأرجح لن يمكث كثيرا فى هذه المرحلة. ولذا، بدا من الأجدى أن يخفى هذه التطورات جميعها عن والده بدلا من الدفاع عنها وتبريرها والدخول فى صراع بشأنها. فكل خطوة أو اختيار أو حتى قراءة، أو ربما صديق أخفاه الكاتب عن والده كان يعكس استبعاداً لصراع غير مجد، كون حجم الاختلافات بينه وبين والده كان أكبر من أن يـُغيرها نقاش أو محاججة بين الطرفين. ولذا، فهى كانت من نوعية العلاقات التى وصفها الكاتب بأنها محكومة مسبقاً بـ»صراعات جذرية يائسة» من غير المأمول إصلاحها. ولذا لابد أن تعتمد على قدر من الكذب أو الإخفاء من أجل أن تستمر دون صدامات كبرى تدمرها ولا تبقى فيها شيئا قابلاً للإصلاح. وذلك على عكس العلاقات الصادقة التى بناها مع أقرانه وأصدقائه على قدر من الندية والمصارحة والصدق، إذ إنه رغم الاختلافات المتوقعة فيها، فإنها فى النهاية قد تصل الى مساومة ما، ربما لأن حجم التناقض فيها أقل، أو لأن علاقات القوة بين أطرافها ليست شديدة الاختلال، وبالتالى لا تزال محل أمل أو تطلع لإعادة صياغتها لتكون أكثر تحققا بالنسبة لطرفيها.

يحمل فعل الاختباء ظلا من كل هذه الحسابات، ولكنه يظل متواريا لم يكشف عنه الكاتب الكثير، وتركه مساحة غائمة، يتماهى كل شخص معها بقدر ما يرى فيها من نفسه.

حين تحول الأبناء لآباء !

تطالعنا لحظات انقلاب الموازين فى علاقة الأبوة عدة مرات فى السيرة، أغلبها ارتباطا بالثورة. ففى خضم أحداث ثورة يناير، يعترف الأب اعترافا حماسيا لأبنائه مكررا «أنتم صح يا ابنى .. انتم صح يا ابنى» فى 11 فبراير بعد تخلى مبارك عن الحكم، ترافق معها حماس الأب لعمل ابنه الصحفى والبحثى الذى طالما كان غير راضٍ عنه منذ هجر مهنة الهندسة مختارا. تتجلى اللحظة أيضا فى موقف والد الزوجة الثانية، والذى أيقن أن رأيه فى الزيجة مجرد اعتبار شكلى، فقال جملته المعبرة « أنا مش موافق وربنا يتمم بخير».

هى لحظة عابرة فى القصة مال فيها الميزان لمصلحة الأبناء واختياراتهم فى لحظات ملحمية لم تدم طويلا، حيث رصد الكاتب تحول المزاج الأبوى مرة أخرى بعد انكسارات الثورة، إلى النصح والتحذير من الفشل المهنى والشخصى.

ولكن هناك انقلابات أخرى فى الموازين، تخفف من توتر العلاقة الأبوية، ربما بفعل السن، أو الاستقلال «الطبيعى»، مع الوقت، عن سلطة الأهل، أو أرادها الكاتب فى النهاية مساحة انتصار شخصى لخياراته. تجلى هذا عندما تصدى الكاتب للدفاع عن موقف والده بشكل موضوعى – دون حتى أن يخبره- فيما يتعلق بتعقيدات صفقة خصخصة القطاع العام التى كان ضالعا فيها. وربما خاض هنا الكاتب تحديا حقيقيا لكى يعبر عن موقف والده ــ بشكل موضوعى – وقد فشل هنا فى إخفاء إعجابه بموقف والده، وعدم خضوعه «للابتزاز الثورى» المعتاد فى مثل هذه المواقف. فى المقابل، على عكس ما كان يبدو ضمن صفحات الكتاب من امتعاض الأب بسبب اختيارات ابنه – ربما غير المعقولة فى نظره- سواء على مستوى الحياة العملية أو الشخصية، أو حتى المنهج الفكرى الذى ما فتئ يتغير، إلا أن الأب كان أيضا معتزا بابنه وقطع شوطا لا بأس به فى محاولة فهم هذه الاختيارات، قبل أن يعترف بنهاية المطاف بأنه صحفى جيد.

يمثل كتاب عمرو عزت وثيقة مهمة تصف ما دار فى كواليس الأسر المصرية على مدار سنوات، بما مهد لاحقا لانطلاق ثورة سياسية فى لحظة فارقة، لا تزال تداعياتها تتكشف بشكل متقطع على المستوى الاجتماعى فى أشكال كثيرة، وأهمها فى علاقة الأبناء بالآباء. ولعل من أجمل ما خلفته هذه الوثيقة هى موجة التدوينات/الكتابات التى حاول فيها أصحابها استلمهم نموذج سرد عمرو عزت لوصف علاقتهم مع آبائهم وأبنائهم من حيث الحرية والإجبار، والثورة والامتثال وأيضا من حيث إدارة الاختلافات بأقل خسائر ممكنة على مستقبل العلاقة وقابليتها للحياة. ولذا فرغم كل ما يعترى هذا الكتاب من وصف لثورة مكبوتة فى جنبات هذه العلاقة، فإنها وثيقة مصالحة يتجلى فيها استسلام الطرفين لاختلافاتهما والاستمرار فى اختراع الحلول التى تقيهما الصدام، وتمدد أمد التعايش بينهما بشكل ودى.

عن مجلة “الديمقراطية”

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق