قراءة سيميولوجية في فنون انتفاضة الكرامة الجزائرية / بوعلام رمضاني

يتحدث العالم اليوم بانبهار غير مسبوق حول انتفاضة الكرامة الجزائرية من منظور سياسي يطغى على مواطن وأسرار وخلفيات وأبعاد منظور ثقافي وفني ولغوي قد يطمس عبقرية الشعب الخارج من الأصقاع السفلى و”الناس اللي تحت”، على حد تعبير المسرحي المصري الكبير الراحل نعمان عاشور. إنهم ثوار الشارع الذين يمسكون بزمام مستقبل بلد المليون ونصف المليون شهيد، الذين عادوا قولاً وفعلاً من خلال ترسانة من التعبير الخلاق الذي يعد إمتحانا عسيرا للمتخصصين في علوم الإشارات والنفس والاجتماع والأنثربولوجيا، ومادة خصبة لروائيين اشتهروا بمعاداة الإسلاميين فقط دون غيرهم من الأعداء الذين تسببوا في إفساد الجزائر داخليا وخارجيا على مرأى ومسمع الكثير منهم الأمر الذي يمنح لهم فرصة لتجديد نفسهم الإبداعي وتجاوز تناقضهم الفكري الذي جعل من بعضهم أحد مصادر السخرية التي حفلت بها لغات انتفاضة الكرامة الجزائرية.
صور وكاريكاتير للتاريخ
كاتب هذه السطور الذي يتابع انتفاضة الكرامة الجزائرية منذ انطلاقتها، يجد صعوبة كبيرة في اختيار هذا النموذج أو ذاك من مختلف لغات التعبير الثوري التي ما زالت تصنع أحداثا داخل الحدث الكبير الذي يغطي إعلاميا للأسف الشديد على صمود الشعب الفلسطيني في وجه الاستعمار الصهيوني البغيض وعلى حرب الإخوة الأعداء في ليبيا الشقيقة. ولأن الشعب الجزائري أقرب الشعوب إلى قلوب الشعب الفلسطيني الصامد فلا غرابة إن أبدع منتفضو الكرامة الجزائرية في تصميم علم واحد يضم العلمين الجزائري والفلسطيني، وهو العلم الذي لا يحتاج إلى جهد سيميولوجي كبير ما دام يمثل صورة لا تتحمل أي تفسير وأي تعليق. هذه الصورة التاريخية غير المسبوقة وغيرها من الصور واللافتات الكاريكاتيرية والتشكيلية، ما زالت تؤسس لاحتفالية ثورية ثقافية عكست إبداع شعب ناضج سياسيا وأكثر جرأة من سياسيي ومثقفي الصالونات المكيفة وأصحاب الشعارات المتكلسة التي تعيدنا إلى زمن إيديولوجي لم يكلل بنتائج باهرة في مستوى الخطاب الفكري الذي اقترن به.
لقد أبدع شعب انتفاضة الكرامة صورا مركبة حافلة بتعاليق الوعي السياسي والتبصر والحذر، وبرسومات كاريكاتيرية تطهر النفس وتسعدها وتمدها بفطنة وليست بفتنة كما كتب في إحدى اللافتات. صور الشهداء الذين عادوا يهتفون في شوارع تحمل أسماءهم، وأسماء كل المسؤولين الذين نهبوا الجزائر واغتصبوا ثورتها وأهانوا شعبها، والتراكيب اللغوية والتعابير الكاريكاتيرية المختلفة والأناشيد والأغاني الجديدة والقديمة المحورة كما مر معنا في مقال سابق، كانت كلها

“لا غرابة إن أبدع منتفضو الكرامة الجزائرية في تصميم علم واحد يضم العلمين الجزائري والفلسطيني، وهو العلم الذي لا يحتاج إلى جهد سيميولوجي كبير ما دام يمثل صورة لا تتحمل أي تفسير وأي تعليق”
في مظاهرات الجمعة المليونية السابعة عرسا ثقافيا وفنيا وأدبيا جديدا في حاجة إلى دراسة عميقة ومستفيضة تفكك أبلغ آيات الاحتجاج السلمي الذي ما زال يبهر العالم والمرشح للاستمرار في أبهى الصور والحلل.
إن فرنسا العدو الدائم الذي تبين أنه اجتمع مع بقايا الزمرة التي تأبى التسليم بالأمر الواقع حسب الأستاذ والإعلامي عبد العالي رزاقي، والإمارات الصهيونية المتحدة المتآمرة مع رموز الثورة المضادة وحاضنة الرئيس المخلوع في منفاه الذهبي كما جاء في لافتة حملها شبان ساحة شارع الشهيد العربي بن مهيدي، وتعبير “فرنسا باركاي من اللعب” (فرنسا توقفي عن اللعب)، وكاريكاتير تخليد الممثل الفكاهي الراحل المفتش الطاهر بلهجته الجيجلية الشهيرة (دي تروحو قاع بل الواحد يا البانديا)، وغيرها من النماذج الفنية التي ما زالت تصنع حلقات مسرحية، تحيلنا على إبداع المسرحي الراحل الكبير عبد القادر علولة الذي أفنى حياته وكرس مسرحه من أجل جزائر الكرامة والعدالة كما نطقت بذلك كل مسرحياته التي أبهرت نقاد المسرح العربي في قرطاج والقاهرة وبغداد ودمشق وباريس. وهناك تعابير ولافتات ورسومات كاريكاتيرية وصور كتبت باللغات العربية الفصحى والدارجة الجزائرية والأمازيغية والفرنسية وحملها الشيوخ والنساء الطاعنات في السن والشبان والشابات السافرات والمتحجبات والأطفال والبنات تحت زرقة سماء الجزائر الأبية في عاصمة بديعة تطل على بحر لازوردي سيتذكر أنه لم يلفظ أجساد شبان ركبوا مراكب الموت المتهالكة هروبا من جحيم حكم العصابة البوتفليقية فحسب، بل كان شاهدا أيضا على غضب واستياء وانتفاضة شعب يصبر طويلا على الظلم قبل أن يُحرّر البلاد والعباد.

الرقص والمسرح
خلافاً لدعوة بعض الذين يرون أن الثورة جدية في المطلق بطبيعتها ويجب أن تنطق بخطاب شيشروني (نسبة إلى شيشرون) وأن الخطر المحدق والوارد لا يسمح بالرقص، لم يعبأ الكثير من المنتفضين بالفرضية المقبولة في كنف التعبير الديمقراطي الزاحف، وراح زوجان يحتفلان بانتصار الفرح على الحزن وببزوغ فجر الحرية وتراجع ليل الترهيب والتهديد وتبادلا الحركة الراقصة المرتجلة في ساحة البريد المركزي التي كانت وما زالت عصب الانتفاضة الأول والأخير. وساحة موريس أودان، الشاب الفرنسي الذي يتخبط في قبره متعذبا لإصرار

“تشي غيفارا سبق الجميع في وصف الجزائر بكعبة الثوار، ولم يكن تواجده في قاعة الأطلس جنباً إلى جنب مع الرئيس الراحل أحمد بن بلة عام 1963 مصادفة لمشاهدة مسرحية “شعب الظلمة” للمسرحي الكبير ولد عبدالرحمان كاكي”
المستعمرين المنتسبين إلى أصله وفصله ظلما وبهتانا على المضي في تكتيكهم لإفشال ثورة انتفاضة الأحرار، كانت وما زالت هي الأخرى تضرب موعدا أسبوعيا مع منتفضين سلميين اتخذوا من الرسم الكاريكاتيري والصورة واللغة والخطاب والهتافات والأغاني والأناشيد الوطنية والأشعار والأمثال سلاحا نفسيا وفنيا وثقافيا يفتك بمعنويات أعداء الداخل والخارج في أجواء احتفالية لم يعرفها العالم، وفي ساحة أودان رفعت خريطة الجزائر في شكل مجسم يمثل العلم الوطني الذي يغطي كافة أنحاء البلاد في تعبير عن وحدة نفسية وأخلاقية وفكرية غير مسبوقة تتجاوز وتحطم كل محاولات التقسيم والتفتيت. وقبالة بحر عاصمة الأحرار رفعت الأعلام الأمازيغية غير العنصرية بالضرورة في تعايش سلمي تفهمه إلى حين وطنيون يشككون في نوايا أصحابها وآخرون لم يقتنعوا بتعايش ظرفي أملته المصلحة الواحدة. ورغم تباين الرؤى، رفرف العلمان بعيدا عن العدائية المنتظرة وشكلا مع العلم الفلسطيني عرس ألوان اجتمعت تحت سماء واحدة لتحتفل بعيد كل التواقين للحرية وفي جو ربيعي لا يشبه جو الربيع العربي الذي حول إلى جو شتوي نتيجة كل ممثلي التطرف والإقصاء بمباركة دولية ورعاية أعداء الداخل الأمر الذي يفسر استياء وقلق ودسائس فرنسا الجارة القريبة والدول العربية البعيدة التي ندد بها المنتفضون في أحلى وأرقى اللغات الفنية الممكنة.
حلقات الخطابة المسرحية المشبوهة وغير المشبوهة حضرت بقوة هي الأخرى وكادت أن تتحول إلى شجار لولا تجند وفطنة وتعقل منتفضين انتبهوا لتكتيك بعض الخطباء الذين تسللوا مخترقين جموع المنتفضين داعين تارة إلى العنف الذي لا ينفع مع سلطة لا تفهم السلمية حسب تعبير أحدهم وتارة إلى التريث وإلى عدم التسرع في المطالبة برحيل الجميع تجسيدا لأشهر لافتات الاحتجاج “اتروحو يعني أتروحو قاع” (كلكم). وخطيب صادق حتى إشعار جديد جمع حوله في ساحة البريد المركزي الآلاف بخطابه الثوري الذي مكنه من شحذ الهمم وتفجير زغاريد مدوية اعتماداً على مرجعيات رموز الحركة الإصلاحية، كعبد الحميد بن باديس، والعربي التبسي، وعلى مرجعية الثائر الكوبي، تشي غيفارا، الذي سبق الجميع في وصف الجزائر بكعبة الثوار، ولم يكن تواجده في قاعة الأطلس جنباً إلى جنب مع الرئيس الراحل أحمد بن بلة عام 1963 مصادفة لمشاهدة مسرحية “شعب الظلمة” للمسرحي الكبير ولد عبدالرحمان كاكي.

عن ملحق ضفة ثالثة

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق