الجسد والسينما… الثورة الجنسية / شفيق طبارة

“الجنس يفسّر كل شيء” قالها فرويد. وإن لم تكن من أنصار تلك النظرية إلّا أنّك لن تستطيع الهروب من الواقع، الجنسانية ملازمة للإنسان، الجنس للجنس والجنس للتكاثر على حدٍّ سواء. من هذه الحقيقة باتت الإثارة الجنسية ميكانيزماً بحاله، ميكانيزم ثقافي فنيٌّ إبداعي. تطوّر الجنس وتطورت معه مفاهيم الإثارة بتفاوتٍ تاريخيٍ إنسانيٍ ومجتمعيٍ. لكل مجتمع، لكل عصر ولكلّ حضارة فهمٌ مختلف للجنس. الجنس غريزي، متعةٌ لا حدود لها، إلّا أنّه تعرّض للتشويه الممنهج، تمّ التحكم به لا بل وحصره بالغاية الإنجابية. انعكس الأمر على الإثارة التي تلازم الجنس، فواجهت بدورها الخط الاحمر. يكفي أن يؤطَّر أو يُحظر شيء ما، لتولد رغبة أكبر في الخيال لتذوق المحظور خلسة وفي الواقع لكسر التابو.

ضمن سلسلة “الجسد الجنس والسينما” بدأنا في الحلقة الأولى بأولى محاولات التعرّي منذ الصورة، حتى الحركة الصامتة وصولاً إلى إضافة الصوت. الجنس السينمائي الموارب والمتحايل في زمن الرقابة الاجتماعية، الدينية والقانونية، التي أثّرت على مفهومه على الشاشة كما واقعياً. نكمل في الحلقة الثانية من السلسلة في سرد زمن ما بعد سنّ وتهشيم قانون هايز (من المقال السابق “الجسد الجنس والسينما… لغة البدايات”)، الزمن الذي شهد على تغيّر جللٍ في الأسس الاجتماعية وبالتالي على المضمون السينمائي.
Video Player

افتتاح عصر الجنس في السينما
يمكن اعتبار استقالة جوزيف برين العام 1954 إلى حد ما بداية نهاية “قانون هايز”. برين كان من اشرس المدافعين عنه وكان يرأسProduction Code Administration PCA، وهي بمثابة لجنة مراقبة المحتوى. جاءت الاستقالة نتيجة عجزه عن فرض القانون، فقد سجلت في ولايته عدة خروقات مقصودة وكبيرة، من أشهرها تجرّؤ المنتج الكبير هاوارد هيوز عام1953 على عرض فيلم”The French Line” الذي تظهر فيه الممثلة جاين راسل بلباس بحر مكشوف نسبياً، رغم رفض برين. في نفس السنة فيلم المخرج أوتو بريمنغر “The Moon Is Blue” رفضه برين بسبب تحفظات على الحوار، لكن شركة “يونايت ارتست” عرضت الفيلم متجاهلة تحذيراته. والجدير بالذكر أنه قبل عامٍ على الاستقالة، أُطلق العدد الأول من مجلة “بلاي بوي” مع نجمة الإغراء مارلين مونرو على الغلاف، حتى ذلك الحين كان يستحيل عملياً أن تقوم نجمة من هوليوود بالظهور عارية. وفي الوقت عينه شاركت عارضة الأزياء الشهيرة بيتي بيدج بثلاثة أفلام ذات محتوى جنسي ملحوظ. أيضا في العام نفسه فيلم “Glen or Glenda” الذي أخرجه ومثل فيه إد وود، فيلمٌ يقع بين السيرة ذاتية والدراما الوثائقية عن وود نفسه، الذي كان من الرجال الذين يحبون ارتداء ملابس النساء، ويطرح قضية العبور الجنسي. المثير للسخرية أنّه في العام الذي استقال فيه “برين” حاز جائزة أوسكار تكريمية لإدارته “الضميرية والمنفتحة للقانون”.
بعد عامٍ على استقالة برين، يطبح فيلمٌ بالحاجز الأخلاقي والقانوني، إنه فيلم “Garden Of Eden” الوثائقي للمخرج ماكس نوسك، يتحدث بأكمله عن الناتوريزم أو مذهب التعري. وعلى الرغم من أن الفيلم حُظر وقت قصير من عرضه عام 1954 باعتباره غير لائق، إلا أنه اعتبر فيلماً ثورياً فتح الباب على مزيد من العري في الأفلام. وفي العام 1959 أحدث المخرج روس ماير ضجيجا هائلاً في الولايات المتحدة بعدما تجرأ على اخراج أول فيلم إيروتيكي جماهيري “The Immoral Mr. Teas”، حطّم الفيلم كل القيود الأخلاقية والحكومية والدينية، والنتيجة؟ فيلم إباحي تتخطى إيراداته المليون دولار، بينما لم تتجاوز كلفة انتاجه 25000 دولار وبالتالي فيلم ثبّت ماير في مسار الأفلام الإيروتيكة التجارية لسنوات تلت. كل ما سبق مع دخول التلفاز غرف الجلوس، والسينما الأجنبية الجريئة التي طرحت قضايا غير مألوفة على المشاهد الأميركي، جعلت قانون “هايز” يتحوّل بنظر البعض إلى عقبة وكثر الكلام عن تحرير الإنتاج السينمائي.

أصيب قانون هايز بضرباتٍ قاتلة في منتصف الستينيات لكنه صارع الموت. كتيبة داعمي القانون من الكاثوليكيين استمرّت في شنّ هجمات على بعض الأفلام، أدانوا أفلام مثل “Kiss Me, Stupid” العام1964 للمخرج بيلي ويلدر بسبب تناولها لعلاقات خارج إطار الزواج. في حين اعتبر الفيلم التجريبي “Flaming Creatures” العام 1963 عملاً فاحشاً وضعت الشرطة يدها عليه، فقد أظهر المخرج جاك سميث أشخاصاً يقومون بأفعال جنسية كانت تعتبر وقتها من المحرمات (المثلية، اورجي…) . وفي العام نفسه، كان العرض الأول لفيلم “Promises!Promises!” للمخرج كينغ دونوفان، أول فيلم أميركي ظهرت فيه ممثلة معروفة عارية وهي جين مانسفيلد.
Video Player

لكن المسمار الأخير في نعش قانون “هايز” دقّه فيلم “I Am Curious) Yellow)” للمخرج فيلغوت خومان، تم منعه لكنّ احتجاجاتٍ قادت إلى عرضه في العام 1967، محققاً نجاحاً لا نظير له. جمع الفيلم أكثر من 5 ملايين دولار أميركي على شباك التذاكر متربّعاً بذلك على عرش الأفلام الأجنبية “الأكثر جماهيرية” طوال عقدين ومن هنا بدأ التغيير.

انجاز الأميركيين في ذلك الوقت كان في تحدّي الرقابة، وتهشيم قانون “هايز” لكنّ سينماهم المتعلقة بالجنس، اتّسمت ببعض السطحية المبررة ربما. أمّا السينما الأوروبية فقد تجاوزت المضمون الجنسي أو الصور العارية منذ زمن، وهي باتت في مرحلة المعالجة الأعمق للموضوعات الجنسية. المخرج الإسباني لويس بونويل الخبير في الميلودراما المستندة إلى الهوس والبارانويا المتعلقة بالجنس كما في أفلام مثل This Strange Passion The Criminal Life Of Archobaldo de la Cruz. لكنّ لم يخلُ الأمر من بعض “التقليدية” التي هيمنت في بعض البلدان، نتحدّث عن مجتمعات كنسية أو تقاليد اجتماعية لا عن رقابة مقوننة ولجان من المحافظين الذين يلاحقون كلّ قبلة. في المملكة المتحدة مثلاً، في العام 1960 فيلم”Peeping Tom” الذي يعتبر اليوم تحفة سينمائية، إلّا أنّه منذ عقودٍ دمّر عملياً الحياة المهنية للمخرج مايكل باول، هو قدّم فيه صورة جميلة عن شهوة التلصص، وكان تقدّمياً بالنسبة إلى زمانه متخطياً لما يمكن للرأي العام تقبّله. سينما باول يومها استبقت المجتمع، عرّته وهاجمته فأسكت لأنه لم يُرَد من هذا الفنّ فضح ما يخاف منه الناس أو ما يشتهونه أو يفعلونه في الخفاء.

الثورة الجنسية
في العام 1968، استبدلت جمعية الفيلم الأميركي (MPAA) وعلى رأسها جاك فالنتي، قانون هايز بنظام تقييم الأفلام. إنّه فلانتي الذي أراد التغيير فهو صرح في سيرته الذاتية بأنه يسعى إلى ضمان الحرية للمخرجين الأميركيين لإنتاج الأفلام التي يريدونها دون رقابة. وصنفت القانون الجديد الأفلام عمريّاً:
– (G) مناسب لجميع الأعمار
(PG)- بعض المواد قد تكون غير مناسبة للأطفال
-(PG 13) بعض المواد قد تكون غير مناسبة لمن هم تحت الثالثة عشرة.
-(R)من هم تحت السابعة عشرة عاماً يجب أن يصاحبهم راشد.
(NC 17)- لا يسمح لمن هم دون السابعة عشرة عاماً من المشاهدة.
وبناء على طلب من جمعية مالكي دور السينما تم إضافة تصنيف (X) للأفلام التي لا يمكن لمن هم دون الثامنة عشر مشاهدتها. وهذا التصنيف ليس محصوراً بالجمعية بل يستطيع منتجو الفيلم أنفسهم وضعه بكلّ استقلالية.

استقبلت الولايات المتحدة السبعينيات برقابةـ بدأت تنتفي بينما هبّت رياج الموجة الإيروتيكية من أوروبا، خاصة من فرنسا وإيطاليا. وهنا استقبلت الولايات المتحدة بشكل أكبر الأفلام الأوروبية والعالمية، بشرط بسيط وهو التصنيف المستحدث، أفلام مثل”Bilitis”، “Story of O”، “Casanova”،”Salò”، “LastTango In Paris”،In The Realm Of The Senses”،”Bye Bye Monkey”،”Arabian nights”، “The Night Porter”. أفلام لأهمّ المخرجين الأوروبيين والعالميين مثل بيار باولو بازوليني، فيديريكو فيلليني، دايفيد هاملتن، بيرنالدو بيرتولوتشي، ناجيزا أوشيما وغيرهم الكثير، بالإضافة لمخرجين أوروبيين عُرفوا بأفلامهم الإيروتيكية الفنية مثل الإيطالي تينتو براس والإسباني جيسوس فرانكو. لكن ذروة الانفتاح الأميركية جاءت من داخل أميركا نفسها، عرض فيلم”Deep Throat”العام 1972 ليجلب معه ثورة اجتماعية داخل المجتمع الاميركي، مشاهدته تجاوزت الفضول أو الرغبة بالإثارة الجنسية.

تزامن عرض هذا الفيلم الجنسي الصريح (بورن) مع عاصفة اجتماعية وسياسية أطلقتها الحركة القومية الهادفة الى التحرر الجنسي والمساواة، هي ثورة هدفت الى ترسيخ قيم الثقافة المضادة (المعارضة للقيم الثقافية والجمالية والأخلاقية السائدة). بات الفيلم في قلب هذه الثورة الاجتماعية. شنّت حكومة نيكسون ومركز التحقيقات الفيدرالي حملة “صليبية” على الفيلم وصنّاعه متذرّعين بالدين. في الحقيقة الفيلم يعدُّ قفزة للسينما الأميركية فهو قدّم المضمون الإباحي مع حبكة درامية تتطور فيها الشخصيات ومع موزانة ضخمة نسبياً. الفيلم الذي حظي باهتمام كبير، شكل نقطة البداية لتيار سينمائي عُرف بالإباحية النظيفة او الأنيقة “بورن شيك”.

حقق إيرادات ضخمة جدا، فنجح جماهيرياً كما نخبوياً، لقد شاهده وكتب عنه عدد من النقاد والمخرجين والممثلين السينمائيين. النجاح المنقطع النظير لمثل هذه الأفلام فرض على هوليوود انقلاباً، كانت منذ عقدٍ من الزمن ترفضه وتصفه بأبشع النعوت، فشُرّعت الأبواب لإنتاج إباحي سينمائي أكبر وأدسم. هو عصر الإباحية الذهبي في السينما والذي امتدّ على 15 عاماً من سنة 1969 إلى 1985، أفلام إباحية متتالية من انتاج أميركي حققت نجاحات كبيرة في الصالات. بدأت من فيلم “Blue Movie”لاندي وارهول ثمّ كرّت السبحة لأفلام مثل”Behind The Green Door”،”The Devil In Miss Jones”، “The Opening Of Misty Beethoven”.

ومع بداية الثمانينيات كان لا بدّ للعصر الإباحي الذهبي أن يخفت سينمائيا، أي في الصالات. مع وصول أجهزة الفيديو فضّل كثرٌ الاستمتاع بهذا النوع من الأفلام بخصوصية في منازلهم. في المقابل بات مرض الإيدز في دائرة الضوء، إذ انتشر بين بعض ممثلي الأفلام الإباحية حتى قضى بعضهم بسببه. على الصعيد السياسي وصل رونالد ريغان إلى سدّة الرئاسة، الرجل ذو الخلفية التمثيلية والمقرّب من هوليوود، ساهم في دفع هذه الصناعة وإنتاجها إلى الأمام. دخلت ثنائية الجنس والسينما في مسارٍ آخر، مخرجون بعدسات أكثر عمقاً طرقٌ جديدة وزوايا أوسع في المقال التالي.
عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق