دواعِش الفلسفة

من الجذر اللّغوي” دَعِشَ ” تأتي مفردات: الدَاعِشيَّة، الاسْتدْعَاش، التَّدَعُش، المُتدَعِش، المُسْتَّدعِش، الدَاعِش، الداعُوش، الدَعْدُوش، الدَعْيِدش، التَّدْعِيْش، الدَّعْشنَّة، التَّداعُش، التدعُش، أي دَعِش دعْشاً فهو داعش… وجميعها ليست حُروفاً تتناوب الترتيب، بل تقف على أرضيةٍ واسعةٍ من الثقافة التي تشكل الأفكار ورؤى الحياة. ناهيك عن الإشارةِ إلى تنظيم داعش العولمي الذي استباح القتل وإقامة دولة الخلافة فوق خراب المجتمعات العربية.

إذن لا توازي الداعشيةُ النُتوء الجغرافي لجماعات يربطها بالديانة الإسلامية أو غيرها رباطٌ تأويليٌّ تكفيري للنصوص المقدسة وحسب. فكما كانت المفردات السابقة آليات وممارسات تمرح على خريطة الدماء المُراقة يومياً دون حسيب، كذلك أظهرت جذورها البعيدة والمتفرقة التي لا تنتمي إلي قطاعٍ واحدٍ حصراً.

بتلك الزاوية لا تعدُّ الداعشية ظاهرة محدُودة المعالم، لكنها نتاجٌ أخير لجوانب إضافية- زائد الجذور الدينية- في الثقافة العربية الاسلامية. يمكننا القول بوجود دواعش في السياسة ودواعش في الفن ودواعش في الفكر ودواعش في المجتمع ودواعش في المؤسسات ودواعش في التعليم ودواعش في الحياة الجارية بمسميات خادعةٍ. هم يمارسون أدوارهم بتكتم مُريب وتوظيف أخبث ما يتصور المتابع لأفعالهم وأفكارهم. التعميم ليس قفزاً مُخلَّاً بالمعالم البنائية للتدعيش بمعناه الديني الإرهابي، لكنه يضعنا أمام الأساليب والمفاهيم العنيفة لانتهاك الآخر والمجتمع بضربةٍ واحدةٍ. الدواعش هنا وهناك ( داخل الدين وخارجه) يؤدون المهام نفسها ويتماثلون في الاعتقاد ويتبادلون اعتماداً راجعاً إلى أوبئة الثقافة التي تغذي تلك المعطيات.

والآن إذا كانت الداعشية هي التطور الأبرز لمسار الجماعات الإرهابية، ففي أحسن الأحوال ثمة جوانب من الحياة اليومية دفعتها إلى السطح كاتجاه له معالم دينية خاصةً. بحيث سيكون النظر مركَّزاً نحو الارهابيين غافلاً عن سواهم الأشد فتكاً. إنَّ الحقيقة الثقافية أكبر من ذلك بكثير، الداعشية ظاهرة تُغرِق بنية مجتمعاتنا العربية وتنتج نفسها في مجالات ثقافية متباينة.

دوماً الثقافة العربية الاسلامية التقليدية تحصُرنا داخل زاوية ضيقة للاختيار بين بدائل ما، وهذا لا يعني بالضرورة وجود بدائل بمعناها الحر والمفتوح. ومن مكر واقعها أنَّه يحتم عادةً تفريغ صورته المأزومة في أشكال عينية هم جماعات العنف الديني ورموزها فقط. حتى إذا تم مواجهة الواقع بصورته الكئيبة كان برئياً مما يحدث على المدى الطويل. وبالتالي يحدث أن تتحمل تبعات العنف كتل تنظيمية بعينها إزاء مظاهر الحياة، إذ يأتي العنف دوماً مبرراً في غير أوانه. في حين أنه لا يوجد عنف ديني كأنّه خارج لتوه بكل ملابساته وأسبابه. لأنَّه مشحون بأزمنة عميقة الأبعاد فيما لا نراه الآن من التخلف الحضاري والفهم الدموي للدين.

اتساقاً مع ذلك إذا حفرنا وراء العنف وصوره المراوغة نجده منتشراً في أكثر الاتجاهات نعومة واحتماء بمقولات التسامح والتنوير والعقلانية وحتى التمرد والثورة أيضاً، بحكم أنَّه وليد البيئة التي تضم الأفعال وتعيد انتاجها. معنى ذلك أنَّ مفارقة العنف في الثقافة العربية تأتي برداء الانفتاح بالدرجة ذاتها التي تحمل انغلاقاً. على سبيل المثال تجد أحد المثقفين مهووساً بتكرار مقولات التنوير والوعي تجاه استعمال العقل. وكأنَّه ينحت عقولَ متلقيه بشكل حتمي وقد تحول إلى فارز للأفكار بطريقة الأيديولوجيا. ولو حاد أحدٌ من أتباعه، سينال الجزاء الرمزي مثلما يحدث لأتباع الديانات حين يخرجون عن مسار شريعتها. وتباعاً يتعامل مع الفكر كأنَّه يمسك بمقادير الأشياء صانعا من نفسه سلطةً فوقةً.

هكذا بتنا نرى في مجال التنوير إقصاءً باسم الفكر، حتى أنَّ دواعشه كوَّنوا طبقةً من اللاهوتيين الأقحاح الذين يتصرفون بالأفكار كما تتصرف جماعة الفقهاء والقساوسة بأمور الدين. وبتنا نسمع أنَّ هناك إلهاماً خاصاً من كانط الذي يأمرهم باستعمال عقولِّهم بجرأة دون سواهم. وقد اجتروا عنف الخطابات الميتافيزيقية غير سامحين بأي انفتاح للآخر ولا اعطائه مساحة للاختلاف.

وهذا الأمر يمثل شيئاً فاجعاَ:

  • يضع صاحب الإيديولوجا والمُنظِّر لها معياراً مطلقاً دون مساءلة.
  • يشرع العقاب الرمزي كوسيلة إدارة للأفكار والحوار بين المختلفين.
  • يجعل من الصراع الدموي بصور أخرى هو الغالب في جوانب المجتمع.
  • يقضي على اختلاف العقول وينمطها وفقاً لقوالب واحدة.
  • لا يسمح بما هو جديد مهما يكن.
  • يجتر الماضي الغابر من التقاليد المستبدة والسلفيات القمعية.

في إطار كهذا قفز ما يمكن تسميتهم بـ” دواعش الفلسفة” كظاهرةٍ ناتجة عن غياب أصالة الفكر وادعاء المعرفة واستسهال الكتابة ونهب الفرص المتاحة للظهور، بالوقت نفسه تزامن ذلك مع احتياج الواقع العربي لملء الفراغ العقلي الراهن. إنَّهم أرتال من الأساتذة وكتاب الفلسفة ودارسيها الذين يلتزمون بأوهام متصلبة إزاء الواقع وداخله. وقد ظنوا أنهم يمثلون نحلةً هم انبياءها والناطقون وحدهم بلسان ” الغيب الفلسفي ” بعيداً عن آفاق الفكر الحر والتطور الخلَّاق والإبداع. وكأنَّ العِوز العقلي قد نَصَبَ سوقاً ثقافياً لتسليع الأفكار والعقول كبضائع تدخل من باب المواصفات العالمية لما يماثلها في ثقافات أخرى!!

حقاً ينتدب ” دواعش الفلسفة” أنفسهم ليقدموا الأفكار بصيغة الوصاية، فهم العارفون – من وجهة نظرهم- بالتنوير وهم حملة مشاعل العقل وآلهة الأوليمب الجُدد. وحين يوجه لهم انتقادات ينتفضون باتهام سواهم بعدم فهم علاقات التنوير بالمجتمع كما يفهمونها هم، ولا يدركون أبعاد العقل كما يتمثلونها هم، ولا يتشوفون إلى الحرية كما جاءت إليهم وحياً!!

دواعش الفلسفة اخترعوا فكرة التنظير دون أنْ يعترفوا بتطبيقه على أنفسهم. هم ديكتاتوريون في سترات حمراء كإشارة إلى تفجير من يقترب من حدودهم. يمجدون تاريخهم العلمي وتوجهاتهم كأنهم يؤدون شعائر علنية في إهاب الحقائق. وبذلك يهدرون أبرز ما في العقل من احتمال التنوع والتطور ومراجعة تاريخه بأكثر المعايير صرامة ونزاهة وموضوعية.

على أي حال هؤلاء الدواعش كثيراً ما ينفُر منهم الناس، لأنَّ الثقافة تستدعي جوانبها في لحظات تاريخية وتعلن في زمن ما عن تصادم المصالح وصراع الرغبات، ولا سيما أنَّ مجتمعات العرب تمر بأقسى درجات الاختبار البنائي منذ نشأتها. فالتحولات الربيعية في بداية القرن الحادي والعشرين خلخلت أركانها وجعلت الدواعش بأنواعهم ينفرزون بسهولة أمام النظر النقدي. فهؤلاء يقعون في فخاخ ” التكفير الثقافي ” بموازاة ” التكفير الديني”. مما يعني أنَّ إمكانية تجنبهم أمر وارد طالما يطلع المتابع على نتاجات ثقافية أخرى وينوِّع رؤاه عارفاً خلفيات الأفكار الرائجة.

أما الجيل الأشد خطراً وتدميراً من “دواعش الفلسفة”، فهم هؤلاء المحتالون الذين يتربحون من وراء الفكر والمعرفة إلى حد التسوق الرخيص وعرض الخدمات لكل حاكم قزم ونيل ما لا يستحقون من الحظوة التافهة. هم أشد قسوة من المجرمين المخادعين، فلا يعبئون بأيَّة مسؤولية تُمليها عليهم قيم النقد وحرية الفكر ويبتذلون في ترويج بضاعتهم لمن يشتري. يتساوى في ذلك انصاف المواهب( على أنهم عباقرة بغلبة ثقافة البهلوانيات) مع المتذللين للسلطة القائمة واللاهثين خلف المناصب أينما حلوا.

وهؤلاء يعتبرون التنوير مجرد حيلة لمجاراة السلطة لاكتساب أكبر مساحة من النفوذ في الواقع الموبُوء. تجدهم في خدمة أية سلطة مقدمين قرابين الولاء والطاعة نتيجة تقزمهم الفكري. إنَّهم كارثة في مجتمعاتنا العربية التي تحاول لملمة وجودها المهترئ وإعادة صياغة تاريخها الذي انفرط عقده حد الجنون. ويزيفون قيم التنوير الحقيقي، يعتبرونها قوارير براقة مثلها مثل المشروبات الغازية التي تسهل هضم الأكلات الدسمة من الاستبداد السياسي والديكتاتورية.

أفدح ما ينشرونه هو تلون المواقف والعلاقات والقيم بحسب المصالح وضياع أهمية الفكر في نشر الوعي الحقيقي وتعرية الواقع بما يكافئ وجوده التاريخي الفعلي لا المزيف. ونظراً لتلاعبهم بقدرات العقل يؤكدون خفة الحقائق ويغطونها في دهاليز التزيف والتزلف لمزيد من الرواج الدارج منتظرين مزيداً من الأرباح. إن التنويري الحقيقي يتحمل وطأة الواقع واستبداده وقد اختار الإنسانية فينا والعدالة والإنصاف وقيم الحق والتغيير لا احياء البهلوان داخل بطون عربية خاوية وعقول فارغة.

حين أشار كانط إلى جرأة استعمال العقل في المجال العام لم يستثن أيَّ فرد من ذلك ولا يعني أنه يدعم مراوغة الفكر الحر والتسلق على أكتاف البسطاء واستسهال طرق النقد وتغليب المحسوبية واتخاذ المواقف المائعة. إن التنوير قوة حقيقية تحتاج إلى قدرات مقاومة والتحرر ومجابهة للسلطة الغالبة وإن كان هو جزء من وجودها العام.

إنَّ أكبر السلبيات على من يتحدث حول العقل وبناء الفكر هم أصحاب مهمة التفلسف، لأن التزييف لن ينتج إلاَّ مفاهيم متخلفة ستحتاج عقوداً لغربلتها والتخلص منها. كما أن اشتغالهم على أسس الوعي يدفعهم لتدمير بذور التحرر من قيوده. والثقافة العربي من تلك الجهة كانت وما زالت بنية تاريخية تكرر التزييف المؤسَّس بقوة السلطة الغالبة. أخذت أشكالها المتنوعة من القبيلة إلى العقيدة إلى الخلافة إلى الولاية إلى الدويلات إلى مرحلة الدول المستعمرة إلى الدول القومية ما بعد الاستعمارية إلى صورة الدول المتأرجحة التي تحمل ما سبق جميعاً. الميراث قميء إلى درجة الهيمنة نتيجة التزييف في المبادئ والقيم والأعمال والأحداث والأفراد والجماعات والمؤسسات.

ذلك كله ترسب في ممارسات دواعش الفلسفة والفكر تحت عناوين المعرفة أو الثقافة مستعيدين هياكل القبيلة والذود عن مصالح الراعي الذي يسوس عشيرته بعصى النفْرَّة والغلبة. ونتيجة أنَّ هؤلاء لا يترعرعون إلاَّ في عصور الغسق بلغة هيجل، فهم الديدان التي تطفو على سطح الجيف. هم بوم بلا حكمة إلا من نعيق متواصل فوق الخرابات. ولا يمارسون أدوارهم إلاَّ بنخر قيم العقل والحياة الحرة.

لقد جسَد المثقف في مجتمعات العرب نظرية متحركة في تزييف الحرية والتكسب من كل الموائد ومداهنة المسؤولين وإهدار الوعي. لنراجع مثقف ما بعد الربيع العربي، هذا الحيوان الداعشي السياسي بامتياز، وكيف امتهن الخنوع والانبطاح وجعل من صهوته موضعاً مريحاً لكل الأقزام شرقاً وغرباً في العالم العربي. أصبح استاذاً في حياكة المؤامرات بين الدول وبين الأنظمة العربية (ظاهرة المنظرين السياسيين) بدلاً من كونِّه مشعلاً يضيء لإنسانيتنا الراهنة مستقبلاً غامضاً لم يتجلَّ بعد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. عبد الرحمن سعيد

    رائع ..كم نعاني من أمثال دواعشة الفلسفة ودعاة التنوير

أضف تعليق