دراسة نقديّة في فكر هابرماس السياسيّ

هابرماس وجه فلسفي- سياسيّ و الديمقراطيّة التداوليّة

 

  هابرماس وجه فلسفي- سياسيّ:

لم ينقطع هابرماس عن الاهتمام بالسياسة سواء بجانبها النظريّ كأحد ميادين الفلسفة العمليّة، أو بانخراطه الشخصي فيها كمثقف نقديّ آخذاً العديد من المواقف السياسية الشجاعة غالباُ والمثيرة للتساؤل والجدل أحياناً. في هذا الصدد يمكن التذكير مثلاً بموقفه السلبي المحافظ جداً من الثورة الطلابية 1968 حيث وصف الطلاب الألمان المنتفضين باليسار الفاشي. ويمكن لنا استحضار موقفه في منتصف ثمانينات القرن العشرين من المؤرخين الألمان Historikerstreit الذين طالبوا بمراجعة ماضي ألمانيا القريب (النازي) للخلاص من عقدة ذنب الهولوكوست التي تكبل ألمانيا بمشاعر ذنب مبالغ فيها تعيقها أن تعيش الحاضر وتتركها فريسة التبكيت والشعور بالذل في حين أنها – بحسب ما ذهب إليه بعض المؤرخين وبخاصة أرنِست نولته – لم ترتكب من المجازر والفظاعات أكثر مما ارتُكب في أماكن أخرى من العالم وبخاصة من قِبَل نظام الإتحاد السوفيتي سابقاً أثناء “التطهير” الستالينيّ. رفض هابرماس موقف هؤلاء المؤرخين وأصر، بمازوشية لا يُحسد عليها[1]، على إبقاء ماضي المحرقة النازية حاضراً لأن نسيانه، بحسب ما يقول، سيؤدي إلى تكراره[2].

لكن هابرماس وقف بالمقابل موقفاً نقدياً حادّاً من سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في حرب الخليج عام 2001[3] وأنكر بوضوح طريقة تعاملها “الإرهابية” عقب وقوع أحداث 11 سبتمبر[4] على برجي التجارة كما كان من أبرز المثقفين العالميين الموقعين على بيان رفض غزو جورج بوش الابن للعراق عام 2004؛ وكان يتدخل بشكل شبه يوميّ أثناء الاستفتاء على الدستور الأوروبي[5]. هذا ولا يجب أن ننسى لهابرماس موقفه المدافع عن استقبال ألمانيا مؤخراً للاجئين بما فيهم اللاجئين السوريين. وهذه مجرد أمثلة من المواقف السياسية على سبيل المثال لا الحصر إذ أن اسم هابرماس يظهر ما أن يكون هناك حدث سياسيّ كبير في أوروبا أو العالم.

حتى كتابه هذه الكلمات، لا يزال هابرماس عن عمر ناهز التسعين عاماً يكتب مقالات في الصحف والمجلات المختصة حول الأحداث السياسية الألمانية، والأوروبية والعالمية[6]. بل إنه لم ينقطع وهو في عز نجوميته الفلسفية عن الكتابة في الجرائد معلقاً هنا وهناك على أحداث السياسة ومنخرطاً في مناظرات ونقاشات سياسية عديدة ومتخذاً عدة مواقف سياسية علنية واضحة من مشاكل العصر وأحداثه.

يذهب البعض إلى اعتبار الجانب العمليّ في أعمال هابرماس ظل رخواً، مثالياً، حالماً فهو، في نظر هؤلاء، يربط الفعل السياسيّ والأخلاقي والقانوني والاجتماعي بالفعل التواصليّ النظريّ المثاليّ في نظرية مُركبّة مُتطلِّبة يسودها النقاش الحر والمحاججة العقلانية والتفاهم الساعي للتوافق والحوار في شروط مثالية ترانسنتدنتالية متعالية وسابقة على الفعل السياسي المباشر، ولهذا فأفكاره غير عمليّة كفاية كما يقولون. على خلاف هؤلاء فإننا نجد أن الفلسفة العملية قد حدّدت توجهات هابرماس النظرية لا العكس وجعلته بعيداً عن كل ما يخرج عن الأفق العمليّ المباشر للفلسفة التي ستقتصر عنده على فلسفة الفعل البراغماتي وإمكانية التحقق. في نظرنا الشخصي يظل هابرماس أبعد من يكون عن الفلاسفة الحالميين أو الغارقين في النظريّ والنظريات وهذا ما يفسّر معاداته المضمرة وعدم احتفاله بكل ما خرج عن الفلسفة العملية ونقله مدرسة فرانكفورت – التي انشغل جيلها الأول بالنقد الأدبي أو الفن كقدرة نفي وتجاوز للواقع أو كرؤية سوداوية موجهة لنقد الثقافة ما بعد الرأسمالية المسيطرة – إلى مجرّد نظرية اجتماعية للفعل مقدّمة غالباً بأسلوب معياريّ صارم ومعقّد وجاف ومشحون بالسياسة حتى في أكثر نصوصه نظرياً.

لا شك أن هابرماس الألمانيّ ينتمي إلى مدرسة الشرعية المعيارية في السياسة التي تميز أوروبا القاريّة بخاصة في ألمانيا وفرنسا عن مدرسة الواقعية السياسية التي تسيطر على تفكير وممارسة العالم الأنجلوساكسونيّ، إلا أنه من أهم من من حاول الجمع بين المدرستين ليس فقط في كتاباته النظرية حول التواصل وإنما أيضاً في كل توجهاته العملية التي أطرّها في أفق التواصل. فبتأثره بالبراغماتية الأمريكية – ليس فقط في جانبها اللغويّ pragmatics، وإنما بالفلسفة البراغماتية The Pragmatism التي تحدِّد معيار الصلاحية بإمكانية التحقّق -، طغت السياسة بوصفها الفعل الممكن على فكر هابرماس ومجمل أعماله.

وإذ يحصر هابرماس الفلسفة المعاصرة بكونها التفكير ما بعد الميتافيزيقي[7]، فإنه يحدّدها إذن بالفلسفة العملية وميدان الفعل والإمكان والصلاحية والواقع. ومع أنه لا يقول ذلك تماماً، لكن قراءته تؤكد هذا النزوع العمليّ المُسيطر الذي يحيل اللغة والتفكير إلى مجرد أدوات لفلسفة عملية تواصلية، سياسية، قانونية، أخلاقية، اجتماعية.

لا شك أن لتاريخ ألمانيا النازي الذي عاشه هابرماس في طفولته حيث كان هو نفسه منتسباً إلى شبيبة هتلر Hitlerjugend[8] في حين كان والده عضواً في الحزب القومي-الإشتراكيّ (النازيّ) أُثرٌ لن ينمحي أبداً وسيدفع هابرماس بعقدة التعويض والتكفير إلى أخذ مواقف فكرية وسياسية متشددة حيال كل ما يتعلق بتلك الفترة وضحاياها. فبعد سقوط النازية وأثناء متابعته لسيرورة محاكمة النازية على الإذاعة تفتح وعي هابرماس على عمق الجريمة وانقلب بشكل كامل على النازية بجذرية لا تقل عن حماسه وهو طفل لها. يظهر هذا الموقف من النازية في تطرفه في مهاجمة فلسفات ارتبط اسمها بالنازية حتى ولو بشكل مباشر مثل فلسفة نيتشه وهايدجر، ولكن أيضاً كارل شميت. ولم يكتف هابرماس بنقد هذه الفلسفات من مواقع آيديولوجية متشنجة وإنما طال انتقاده كذلك كل من تأثر بتلك الفلسفات وبخاصة من الفلاسفة الفرنسيين مثل فوكو ودريدا، بل إنه لم يعفٍ أستاذيه في مدرسة فرانكفورت هوركهايمر وأدورنو من النقد لأنهما تأثرا بنيتشه في كتابهما جدل التنوير (1944).[9] هكذا مثلاً لم يستطع فيلسوف التواصل أن يرى في فلسفة هايدجر سوى موقف تنظيري للنازية وبروباغندا فلسفية للحزب النازي حتى في “قراءته” ﻟ الوجود والزمان، أكثر مؤلفات هايدجر عمقاُ وأصالة فلسفية[10].

ترتب على ردة فعل هابرماس على النازية إذن مواقف فكرية وسياسية متوترة ومنحازة فقد قام الشاب هابرماس، على سبيل المثال، بإعادة بناء تاريخ المثالية الألمانية انطلاقاً من تأثرها بالتصوف اليهودي، بل وولادتها من رحمه كما تجلى ذلك في مقالته “الفلسفة الألمانية والتصوف اليهودي”[11] على سبيل المثال لا الحصر وفي إشاراته هنا وهناك حول الانحياز الموارب للسياسات الإسرائيلية والصمت إن لم يكن تبرير بعض سياساتها وإن بشكل حذر.

وبما أن اهتمامنا منصب على تفكيره دون التوقف كثيراً عند مواقفه السياسيّة، فإننا سنقتصر في الصفحات التالية على تناول إنتاجه في الفكر السياسيّ في الفترة التي تلي ظهور كتابه نظرية الفعل التواصلي. ولأن هذه المهمة تحتاج مجلدات إذا ما أردنا تحديد البعد السياسيّ فيها حتى في كتاباته غير السياسية بشكل مباشر أي تلك التي تعالج مسائل القانون والأخلاق والدين، فإننا سنكتفي هنا في تناول مؤلفاته ذات المضمون السياسيّ الواضح والمباش التي ظهرت بعد عام 1985. هكذا سيتركز اهتمامنا على مؤلفاته التالية: السلام الدائم – المئوية الثانية لفكرة كانطية (1996)، و ما بعد الدولة الأمة (1998)، وحواره في الفلسفة في زمن الإرهاب (2003)، و عن أوروبا (2006)، و دستور أوروبا (2012)، وبعض البيانات والحوارات والمقالات. من هذه المؤلفات والنصوص سنتحدث بشكل أساسيّ عن ثلاث قضايا أساسية انشغل بها هابرماس في مؤلفاته تلك وهذه المحاور هي: 1- الديمقراطية التداولية 2- ما بعد الدولة/الأُمة، 3- حاضر ومستقبل أوروبا والأتحاد الأوروبي، و 4- المواطنة العالمية.

في هذه الفترة التي سنعكف على دراستها كان فكر هابرماس السياسيّ قد نضج أكثر وتكثفت كتاباته حول الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة الشعب، وضرورة الانتقال إلى ما بعد الدولة/الأمة، وسياسات وآثار العولمة، ومستقبل أوروبا، والإرهاب، والمواطنة العالمية.

  • الديمقراطية الجذريّة وسياسة التداول:

في كتابه بين الحقائق والمعايير Faktizität und Geltung يؤسس هابرماس لمفهومين جديدين للديمقراطية هما “الديمقراطية التداولية الإجرائية” و “الديمقراطية الجذريّة” حيث يشير في مقدمة الكتاب إلى مفهوم مركب سيعتمده من وجهة نظر إجرائية procéduralisme كشرط ضروري للفهم والفعل في المجتمعات المدمقرطة والمعلمنة مؤكداً أنه “في ظل سياسة معلمنة بالكامل لا يعود من الممكن الحصول أو الحفاظ على دولة القانون دون ديمقراطية جذريّة.”[12] بصياغته لهذا المفهوم، يريد هابرماس للديمقراطية الجذرية أن تلعب دور الرابط “بين المجتمع المدني والفضاء السياسيّ العام” اللذين يميز بينهما. هكذا تحتل الديمقراطية الجذرية عند هابرماس المكان الذي تشغله الفكرة التقليدية حول “سيادة الشعب” في كلاسيكيات العلوم السياسية. بصوغها على خلفية نظريته في الفعل التواصلي، يقدم هابرماس الديمقراطية الجذرية كنتيجة للنقاش الحر الذي يؤديه مجموعة من الممثلين الاجتماعيين المستقلين الذين يتداولون ويسعون للوصول إلى حلول تتعلق بعالمهم السياسي والاجتماعي المشترك في الفضاء الديمقراطي العام الذي يشكل الخلفية الضرورية للتواصل السليم. يرى هابرماس أن هؤلاء الممثلين الاجتماعيين يسهمون بهذه الطريقة في صياغة الآراء والإرادات الشعبية من خلال فرضهم لنوع من الضغط الاجتماعي على دولة القانون. وبمعنى أبسط يحاول هابرماس إيجاد حيز اجتماعي جديد للسياسة لا تؤطره مؤسسات الدولة أو الأحزاب أو النقابات فقط، وإنما مشاركة شعبية تواصلية متحررة من كل هذه الإكراهات المؤسساتية لتتحوّل إلى قوة سياسية حرّة غير ممؤسسة قادرة على أن تفرض ثقلها ومطالبها على الدولة ومؤسساتها. لكن لكي تصبح هذه الفعالية السياسية الشعبية ممكنة وفعالة، يجب توفر مجتمع مدني معلمن ومدمقرط. بحسب هابرماس، فقط مع توفر هذين الشرطين (العلمانية والديمقراطية رُكنا دولة القانون) يمكن للرأي الشعبي أن يخلق هيئات تشريعية وقانونية غير رسميّة تنتج عن المداولات الشعبية وتتولد من التفاعل ” بين الإرادة الممؤسسة في دولة القانون والفضاء العام الذي تستنفره الثقافة.” [13]

بهذا المعنى تساعد الديمقراطية الجذرية التواصلية أيضاً في شرح “كيف يمكن تقديم صياغة جديدة للوعد القديم لتنظيم تشريعيّ ذاتي للمواطنين الأحرار والمتساوين في شروط مجتمع معقّد.” [14] لكن بأية طريقة يمكن للتواصل أن يؤثر عملياً أو أن يفرض نفسه على السلطات الممؤسسة في دولة القانون؟ يجيب هابرماس على هذا السؤال بالصيغة التالية:

تتمثل وظيفة تدفق التواصلات الدائرة بين تشكيل الرأي العام والقرارات الممؤسسة الناتجة عن استطلاع الرأي والقرارات التشريعية في ضمان ترجمة التأثير الناتج عن الوسائل الصحفية وعن السلطة التي تولِّدها وسائل التواصل بوسائل التشريع إلى سلطة يمكن للإدارة استخدامها. [15]

هكذا يمكن للمواطنين أن يفرضوا نتائج نقاشاتهم التي تتشكّل في الفضاء العام عبر سيرورات المداولات الممؤسسة. يوضّح هابرماس أن الفضاء العام في نظريته حول السياسة التداولية لا يطمح للهيمنة على سياسة دولة القانون أو أخذ مكانها، ولكنه يكتفي بممارسة ضغط شعبي على السياسة التي تتبعها الحكومة ويوجه بذلك أيضاً استخدام السلطة الإدارية. هكذا يفترض مفهوم الديمقراطية التداولية، “صورة لمجتمع غير متمركز يخلق، بواسطة الفضاء العام السياسيّ، مسرحاً مشحوناً بالمشكلات التي تهم المجتمع في كليته بتصور وتحديد هويتها ومعالجتها.”[16]

أما في ما يتعلق بالمفهوم الآخر الذي يقترحه هابرماس للديمقراطية وهو “الديمقراطية الإجرائية التداولية” فإننا نجد شرحاً له في كتابيه بين الحقائق والمعايير و الإندماج الجمهوريّ[17]. يحدِّد هابرماس مفهومه الجديد هذا بتمييزه عن نموذجين آخرين للديمقراطية، أي النموذج الليبرالي والنموذج الجمهوري ليهيب بتصوره للديمقراطية التواصلية لعب دور الوسيط والمُصالح بين الممارسة والنظرية للديمقراطيات حيث يوضّح في الفصل السابع[18] من بين الحقائق والمعايير ذلك بالقول:

تاركاً جانباً هنا هذين المستويين، أي مستوى نظرية مقارنة الدساتير، ومستوى تحليل المؤسسات كما تقوم به العلوم السياسية، فإنني سأبحث بالأحرى عن عمليات انتقال تسمح بمصالحة النماذج الديمقراطية بهيأتها المعيارية مع نظريات الديمقراطية التي تقدمها العلوم الاجتماعية.[19]

وهو في تمايزه عن ذينك النموذجين للديمقراطية، فإن نموذج الديمقراطية الإجرائية التداولية الذي يقترحه هابرماس لا يقصيهما أو يحل محلهما وإنما تعيد بناؤهما وتجد مكانها بينهما بحسب ما يقول:

إن نظرية النقاش التي تضيف لسيرورة الديمقراطية تضمينات معيارية أقوى مما يطرحه النموذج الليبرالي، لكن أضعف مما يطرحه النموذج الجمهوريّ تستعير مرة أخرى عناصر من هذا وذاك لإعادة ترتيبها بطريقة جديدة. فهي بتوافقها مع النزعة الجمهورية، تمنح مكاناُ مركزياً لسيرورة تشكيل الرأي والإرادة السياسيّة، لكن دون أخذ دستور دولة القانون كظاهرة ثانويّة؛ بل على العكس فهي تصوغ مبادئ دولة القانون كجواب عن السؤال حول معرفة كيفية مأسسة أشكال التواصل المُشترِط التي يتطلبها التشكل الديمقراطيّ للرأي والإرادة. [20]

بصياغته لمفهوم الديمقراطية التداولية الإجرائية، يأمل هابرماس أن يتجاوز النماذج الديمقراطية التي يكون فيها المجتمع متمركزاً على الدولة كما هو الحال في النظريتين التقليدتين للديمقراطية: الليبرالية والجمهورية اللتين توجها – رغم نقده لهما – خطى هابرماس وحججه للدفاع عن نموذجه في الديمقراطية التداولية. يشرح هابرماس بالعبارات التالية كيف استفاد من هاتين النظريتين في بناء فكرته حول الديمقراطية الإجرائية التداولية:

تستعير نظرية النقاش عناصر من هاتين المدرستين وتدمجها في مفهوم إجراء مثاليّ للتداول وللقرار. يُنشِئ هذا الإجراء الديمقراطي رابطاً داخلياً بين التفكّر البراغماتي، والتوافقات، والنقاشات المتعلقة بالعدالة ويؤسس بذلك افتراضاً يقول أنه ما أن نحظى بتدفق المعلومات المتوافقة وبمعالجة مناسبة لهذه المعلومات، فإننا نصل لنتائج عقلانية وعادلة. [21]

عبر الديمقراطية الإجرائية والديمقراطية الجذرية يحاول هابرماس إذن تقوية وتعضيد السلطة الاجتماعية والمجتمع المدني والفضاء العام في مقابل سُلطة الدولة دون أن يدعو بذلك للتخلي عن مؤسسات الدولة السياسية أو عن الدولة نفسها لصالح المجتمع المدنيّ والفضاء العام. إن تطوير سياسة ديمقراطية تداولية يعني أيضاً عند هابرماس تطوير نظرية إجرائية للديمقراطية التواصلية على أساس من نظرية معيارية تداولية للقانون حيث يؤكّد : “لقد علمتنا تفكراتنا في نظرية القانون أن الإجراء الذي تضعه السياسة التداولية موضع العمل يشكِّل لُب سيرورات الديمقراطية.”[22]

يزعم هابرماس أن تصوره للديمقراطية التداولية يتجنب مأزق انسداد آفاق الأفكار السياسيّة التي تتعامل مع المجتمع ككلية اجتماعية أو ذاتاً هائلة متحدة، أو حتى تلك الأفكار التي تعتبرها مجرد نسق بسيط من المعايير المدسترة. لكن في رأينا فإنه وفي حرصه على عدم جعل الرأي العام شمولياً، فإنه ينتهي إلى الشمول والوقوع في ما ينتقده باقتراحه مفهوم “البينذاتية العليا”[23]« l’intersubjectivité supérieure »  حيث يُشيد كلية اجتماعية أو شمولية اجتماعية عملاقة.

**********

[1]  لا شك أن الهولوكوست هو من أفظع وأشنع ما ارتُكب من فظاعات في العصر الحديث وهذا موقفنا الشخصي، لكن إدانة، بل تكفير وتجريم حتى الأبحاث العلمية والتاريخية التي تشكك بالأحداث أو الأرقام أو فرادة الحدث بحجة معاداة الساميّة ومن ثم تحويل كل انتقاد لدولة إسرائيل ضمن معاداة الساميّة هو جوهر المشكلة وموضع اختلافنا مع هابرماس. أثناء دراستنا المطولة لأعماله مرّ معنا مواقف سياسية عديدة مُقلقة وقد أشرنا إلى ذلك في مقدمة الترجمة التي قمنا بها لكتاب الفلسفة في زمن الإرهاب : حوارات مع يورغن هابرماس وجاك دريدا، ترجمة خلدون النبواني، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013، ص. 15-16.

[2] Habermas, « Une manière de liquider les dommages. Les tendances apologétiques dans l’historiographie contemporaniste allemande. », Devant l’histoire. Les documents de la controverse sur la singularité de l’extermination des Juifs par le régime nazi, Éditions du CERF, Paris, 1988, pp. 47-49.

[3] Habermas, « The Gulf War », The Past as Future, Translated by Max Pensky, Polity Press, 1994.

[4]  انظر: الفلسفة في زمن الإرهاب : حوارات مع يورغن هابرماس وجاك دريدا، ترجمة خلدون النبواني، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013.

[5]  انظر مقالاته ومداخلاته المجموعة في كتيب:

  1. Habermas, Sur l’Europe, trad. Christian Bouchindhommeet Alexandre Dupeyrix, Bayard, 2006.

 [6] جُمعت مقالات هابرماس الصحفية في عشرة مجلدات تحت عنوان

 Kleine politische Schriften .

[7] انظر كتابه : الفكر ما بعد الميتافيزيقي: مقالات فلسفية، 1988.

[8]  شارك الفتى هابرماس في خريف 1944 في الحرب في صفوف هتلر حين التحق كمساعد على جبهة خط سيغفريد حتى أن المؤرخ والصحفي جواكيم فيست Joachim Fest قد صرّح في سيرته الذاتية التي ظهرت بعد وفاته بأن هابرماس كان من “قادة شبيبة هتلر ومرتبطاً بالنظام النازي حتى العظم”، الأمر الذي أغضب هابرماس كثيراً ونفى ذلك بقوة. انظر:

Fest, Joachim. 2006. Ich nicht: « dem Regime in allen Fasern seiner Existenz verbundenen HJ-Führer ».

[9]  في رده على نقدي له حول هذه النقطة يراجع هابرماس مواقفه تلك بالقول: “لستُ راضياً أنا نفسي عمّا استطعتُ قوله حول هذا الموضوع في مواقف مختلفة.” انظر:

Dialogues avec Jürgen Habermas, CNRS Editions, Paris, 2018, p. 460.

[10] منذ أن كتب مقاله الأول :التفكير مع هايدجر ضد هايدجر”، لم يستطع هابرماس أن يرى في هايدجر سوى فيلسوف النازية وعرابها الفلسفيّ بالإضافة إلى كارل شميت. كتب هابرماس عدة مرات عن هايدجر، لكن تهمة النازية التي إلتصقت بهايدجر أعمت هابرماس عن رؤية أي شيء مفيد ومهم وعميق عند فيلسوف الوجود. انظر على سبيل المثال نقده المخصص لهايدجر في كتاب الخطاب الفلسفي للحداثة وبخاصة الفصل  V من المحاضرة المخصصة لهذا الفيلسوف والمعنونة ﺑ “العقلانية الغربية التي يرشح منها نقد الميتافيزيقا: هايدجر”:

  1. Habermas, Le discoursphilosophique de la modernité, trad. Christian Bouchindhomme et Rainer Rochlitz, nfr, Gallimard, 1988, p. 184-190.

[11]  قام الدكتور نظير جاهل بترجمة هذا المقال وضمه في كتاب حمل نفس العنوان. في تقديمه لهذا الكتاب يلاحظ الدكتور جاهل هذا الحماس الغريب لهابرماس بإعادة تفصيل تاريخ الفلسفة الألمانية بناءً على ردة فعله من النازية، لكن الدكتور نظير جاهل يخطئ بتأريخ كتابة المقال فهو يرى أن هابرماس كتبه بعد عام 1976 أي بعد هزيمة حزيران المذلة للعرب ليظهر اليهود كملائكة سلام بقوله: “الصمت أبلغ من الكلام والتفكّر بالعلم يُلغي الفلسفة الكلاسيكية، والتفكّر على إسهام اليهود في تشكيل الفلسفة يحجب تاريخ اليهود الحديث: يهود هابرماس هم أنبياء يدعون إلى السلام وقد تم القضاء عليهم، وهو يبكيهم في السبعينات وبعد سنوات على حرب حزيران 1967 ! إنها مفارقة عجيبة مفارقة الداخل الغربي الذي يسلط علينا عنفه نحن “الخارج” الملغى من خلال ضحايا ماضيه الذين يصادرون اليوم مستقبلنا.” انظر:

يورغن هابرماس، الفلسفة الألمانية والتصوف اليهودي، ترجمة نظير جاهل، المركز الثقافي العربي، 1995، ص. 7.

ومع أن هابرماس في هذه القضية بشقها السياسيّ ملكيّ أكثر من الملِك إلا أن هذا المقال نُشر لأول مرة بالألمانية عام 1961 قبل أن يعاد نشره في كتاب مأخوذ من كتاب وجوه فلسفية وسياسية (1971) الذي ترجم الدكتور جاهل عن ترجمته الفرنسية هذا النص ويبدو أن المترجم خلط بين تاريخ نشر المقال وتاريخ نشر الكتاب.

[12] J. Habermas, Droit et démocratie. Entre faits et normes, trad : Rainer Rochlitz et Christian Bouchindhomme, Paris, Gallimard, 1997, p. 13.

[13] المرجع السابق، ص. 326.

[14]  المرجع السابق، ص. 21

[15]  المرجع السابق، ص. 323 – 324.

[16] المرجع السابق، ص. 326.

[17] يعالج هابرماس هذه المسألة في الفصل السابع من هذا الكتاب وه يعنون هذا الفصل ﺑ “ما هي السياسة التداولية؟”. انظر:

Jürgen Habermas, L’intégration républicaine. Essais de théorie politique, trad. Rainer Rochlitz, Paris, Fayard, 1998.

[18] « La politique délibérative – un concept procédural de la démocratie » in Droit et démocratie, op. cit., p. 311- 354.

[19] Droit et démocratie, op. cit., p. 312.

[20]  المرجع السابق، ص. 322- 323.

[21] المرجع السابق، ص. 321.

[22]  المرجع السابق، ص320..

[23]  المرجع نفسه، ص. 323.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق