تاريخ المسيحيّة والإسلام كتاريخ لجدل الأفكار

 

– لقد ملأ العرب والمسلمون الدرجة المخصصة لهم من التاريخ – هيغل

– بعد سقوط آدم لم ينزع الله الجلال عن العقل بل وطده على الأرجح – لوثر

 

المشكلة الرّاهنة لدى الأنتلجينسيا أنّها، حتّى حين تنظر بوعي إلى التّاريخ، فإنّها تخرج بتساؤلات – وحتّى بإجابات – لا تاريخيّة ولا عقلانيّة بل سحريّة، وبالتّالي تصبح جزءا من تراث لاعقلاني رغم أنّها تقف على الجانب المقابل من اللاّهوت. وكما لو أنّ هناك سرّا غامضا أو لعنة أو سوء طالع، لهزيمة الفلسفة في الإسلام أو لانتصار الحضارة الأوروبيّة بعد عصر النّهضة، وكما لو أنّنا إذا عرفنا السرّ فسوف نعرف حلّ اللّغز. وكأنّ كلّ حقبة هي جوهر بدل أن تكون ظاهرة زائلة، كما لو أنّ الزّمن لا يتحرّك لأنّه يبدو ثابتا في كلّ حقبة منه، مثل ذلك الفيلسوف اليوناني الّذي أثبت أنّ السهم يكون في كلّ لحظة في نقطة وبالتّالي إنّ السّهم المنطلق لا يتحرّك، أو كما قال “هيجل” إنّ النّاس لا يصدّقون أنّ الظّاهرة ليست جوهرا طالما كانت قائمة ثمّ حين تزول يعرفون أنّها لم تكن جوهرا لكنّهم حينها ينصرفون عن الموضوع، والحقيقة أن لا أسرار في التاريخ ولكن صيرورة تاريخيّة حيث كلّ شيء سيظهر على لوحة التاريخ بوضوح تدريجيّ كما يقول “هيجل” .

والماركسيّة تتبنّى النّظرة الهيغليّة للتطوّر التاريخي حيث كلّ حقبة حديثة ليست بديلا موازيا للحقبة السّابقة بل تطوّر وتجاوز لها أي إنّ الماضي متضمّن في الحاضر لكن الحاضر متفوق بالضرورة عليه والماركسيّة – من وجهة النظر الأساسيّة – تطور وتجاوز للهيغليّة بالمعنى الإيجابي وليس السلبي لأنّها تجاوزتها بعد أن تضمّنتها ثمّ استبدلت أفكارا بأفكار وتسميات بتسميات لكنّها وضعتها ضمن نفس البنية الفلسفيّة الهيغليّة وضمن نفس / الجهاز / الهيغلي ولكن إذا نظرنا إلى التاريخ من اللّحظة الرّاهنة بشكل تاريخي فهل كانت الهيغلية حقا تقف على رأسها وإنّ الماركسيّة هي الّتي أوقفتها على قدميها؟

 

الفلسفة اليونانيّة ولوغوس المسيحيّة

قدّم اليهود أوّل ديانة سماويّة توحيديّة تتمحور حول كتاب “التوراة” ، وقدمت اليونان الفلسفة والعقل، وحين امتلأت الحضارة اليونانيّة بذاتها قدمت الإسكندر المقدوني تلميذ “أرسطو” الّذي انشأ بفتوحاته “الهلنيستية”، الثقافة اليونانيّة في الشرق. وبعده بقرنين ترجمت التوراة إلى اليونانيّة، ثمّ ظهر المسيح في هذه البيئة اليهوديّة المحاطة بالثقافة اليونانيّة وتسربت المسيحيّة إلى اليونان. وبعد المسيح مباشرة كتبت الأناجيل باليونانيّة وبدأت الفلسفة بالتراجع أمام المسيحيّة، وإن كان إنجيل يوحنا يبدأ بالقول: “في البدء كانت الكلمة والكلمة كانت الله وكان الكلمة من عند الله” وهي بداية تشير إلى تأثير الفلسفة اليونانيّة بالمسيحيين الأوائل من خلال “اللّوغوس” أي ” الكلمة أو العقل في اللّغة “فهل كان هذا التّقدم للتّاريخ، حين استبدلت اليونان الفلسفة بالمسيحيّة، تقدما للعقل والفكر أم تراجعا لهما؟ وفي ما بعد، قام اليهود بتأليف “التلمود” لكي يبقى حكرا على العبريّة ويمنعون ترجمته إلى لغة أخرى مثلما كانت التوراة قديما. هزمت اليونان أمام روما الّتي احتلت اليونان والشّرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث عاش “أوغسطين”، وكان الرومان قد أسسوا إمبراطوريّة شاسعة متفوّقة إداريا وعسكريا، لكنّهم عجزوا ليس عن إبداع فلسفة وحسب بل عن تقليد ونسخ الفلسفة اليونانيّة كما يقول “برتراند راسل” في كتابه “حكمة الغرب” ، ثمّ انهزمت اليونان وروما بشكل كامل أمام المسيحيّة. وبعد أن كانت روما تحارب اليهود ثمّ المسيحيين ولكن في انعطافة من انعطافات التّاريخ، لم يأت القرن الثالث حتّى انقلب مصير المسيحيّة عندما سمح القيصر الروماني “قسطنطين” بالديانة المسيحيّة، وأسّس القسطنطينيّة وابتدأ عهد تحوّل المسيحيّة إلى الازدهار كديانة أولى ثمّ تمّت ترجمة الإنجيل الى اللاتينيّة الّتي أصبحت لغة الإنجيل “المقدّسة .”

وفي أقلّ من قرنين من انتصار المسيحيّة في روما، وإلى نهاية هذه الحقبة يرجع استخدام بابا الكنيسة للمرّة الأولى تعبير “الحداثة” بمعنى الفاصل بين المسيحيّة وما قبلها كما يقول “هابرماس”، انهارت الإمبراطوريّة الرومانيّة في القرن الخامس الميلادي أمام اندفاع الشعوب الجرمانيّة من قلب الغابات على تخوم الإمبراطوريّة، الّتي ظلّت بمنأى عن الخضوع للسيطرة الرومانيّة وللديانة المسيحيّة، ماعدا قبائل “القوط”  الّذين كانوا مسيحيين لأنّهم كانوا على الحدود بين الرومان والجرمان، مثل قبائل الغساسنة المسيحيين الّذين  كانوا على حدود سوريا بين البيزنطيين وعرب الجزيرة في أعماق الصحراء..وبينما كان القوط مسيحيين لكنّهم اندفعوا مع إخوانهم الوثنيين باعتبارهم جرمان مثلهم لاحتلال كلّ الأراضي الرومانيّة، وانتشرت القبائل الجرمانيّة في كلّ مكان انهارت فيه الإمبراطوريّة الرومانيّة، وتشكّلت الهويات المحليّة الأوروبيّة بالامتزاج بالهويّة الجرمانيّة في فرنسا – الفرانك – وإيطاليا وفي كلّ أوروبا الغربية. ولكن في هذه الحقبة أخذت الأقوام الجرمانية المنتصرة – ماعدا ساكسونيا في قلب جرمانيا – تدين بالمسيحيّة المهزومة لأنّ المسيحيّة كانت هي ما تبقى من “هويّة” جامعة حلّت محلّ الإمبراطوريّة الرومانيّة، وسيطر القوط على إسبانيا إلى حين وصول المسلمين .

ظهور الإسلام ولوغوس القرآن

مثلما أنّ الرومان لم يدخلوا إلى أعماق الغابات الجرمانيّة أبدا واكتفوا بتنصير القوط على الحدود، كذلك لم يعرف الرومان الشرقيون “البيزنطيون” ما يدور في الصحراء العربيّة من خلف قبائل الغساسنة المسيحيين. وفي القرن السابع الميلادي ما إن ظهر الإسلام حتّى استعاد الفاتحون العرب سوريا ومصر، وسرعان ما اندفعوا إلى الخارج بقوة بعد انتصارهم على الرومان الشرقيين وعلى الامبراطوريّة الفارسيّة في حركة شبيهة بحركة الجرمان في أوروبا وهو ما أسماه ماركس “بالثورة الإسلاميّة”، وبعودة اعتبار الغساسنة لأنفسهم عربا وإن لم يكونوا مسلمين، فقد انضمّوا للفاتحين باحتلال ممتلكات البيزنطيين بعد قرنين على الغزو الجرماني الوثني لأوروبا المسيحيّة، ولذلك ليس غريبا أن يلاحظ اشبنغلر إعجاب النخبة الألمانيّة بالثقافة العربيّة كما يقول في كتابه الشهير”تدهور الحضارة الغربية” . ووصل المسلمون الى اسبانيا حيث هزموا القوط الغربيين في أوائل القرن الثامن الميلادي وأقاموا دولة الأندلس وسط وجنوب إسبانيا. وبينما استطاع “شارل مارتل” صدّ تدفّق المسلمين إلى فرنسا، فإنّ المسلمين احتلّوا جنوب إيطاليا، ووصلت طلائع فرسانهم إلى مقربة من روما حيث الكنيسة المركزيّة.

ومثلما امتزج الجرمان بالهويات الأوروبيّة المحليّة مشكلين بذلك أوروبا الحديثة امتزجت الهويّة العربية مع الهويات المحليّة في مصر القبطيّة والمغرب البربري وفي كلّ مكان ممّا يعرف اليوم بالوطن العربي، وكما لو أنّ الفتح الإسلامي المعادي للأوثان والتّماثيل وللصور – الأيقونات – والّذي لا يؤمن بألوهيّة السيّد المسيح كان بمثابة إعادة صياغة للطوائف المسيحيّة الّتي حاربتهما بيزنطة وروما وهي النسطورية واللاّأيقونية المسيحيّة مثلما يرى كلّ من (اشبنغلر/ وتوينبي)..وأكثر من ذلك فإنّ كتاب المسلمين القرآن الكريم شكل ظهورا آخر للوغوس ليس بالمعنى المجازي فقط “حيث المسيح كلمة الله” كما يصفه القرآن الكريم نفسه بل بالمعنى الحرّ في حيث كلّ كلمة في القران هي كلمة الله. ويعلّق الفيلسوف “ايمانويل كانت” وهو بروتستانتي ألماني على تحريم الاسلام للتّماثيل بقوله: “هنا يكمن فخر الإسلام”. ويرى “كانت” مشكلة المسيحيّة فلسفيا في تعدد الأقانيم المقدّسة وهو تقديس لا عقلاني. وكذلك الإسلام لا يقدّس سوى الله والوحي وهو ديانة حاولت تحرير الإنسان من الاستلاب وليس من النّزوع الوجودي للإيمان بقوة متعالية / ترانسندنتالية وميتافيزيقية / فوق البشر. أي أنّ حريّته ضمن النزوع الطبيعي لعبادة الله، والبيئة العربية المانعة بشرطها الطبيعي القاسي وصحرائها الّتي ولد فيها الإسلام كانت بيئة النّاس الأحرار من القبائل الّتي لم تتبع لإمبراطورية مجاورة ولم تخضع حتّى لملك عربي أو سلالة حاكمة، لكنّها تبعت نبوّة محمد، ومقولة قبيلة قريش القديمة رغم غلبتها: “إنّ قريشا لا تحكم أحدا ولا يحكمها أحد”  .وقد حمل الإسلام رسالة اعترفت بالديانتين السابقتين، أي أنّ الإسلام تجاوز إيجابي لا سلبي لليهودية والمسيحيّة حين اعترف بالنبوّة لموسى وعيسى المسيح ولم يعترف بالعصبية الماديّة لليهوديّة ولا بإلوهية المسيح، أي أنّه يستوعبهما بالضرورة لأنّه تال عليهما بالزّمن وبالصيرورة، وأنّه تقدم تاريخي نحو هدف قد لا يدرك لكنّه موجود هناك في الغاية وفي الارتقاء نحو غاية نهائية، وبذلك فالإسلام ابعد ما يكون عن تصور نيتشه للتاريخ وللتكرار الأبدي، وأقرب ما يكون للتّصور الهيغلي حول التّقدم التاريخي المتضمن لمعنى جوهري يتّضح شيئا فشيئا مع تعاقب الحقب، ففي الهيغليّة كلّ حقبة تأتي بعد الحقبة السابقة وتتفوق عليها، هكذا حتّى يتّضح كلّ ما هو خفي أو مجهول بالتدريج ولأنّ التاريخ صيرورة لا تكرار فقد اعترف الإسلام بالوحي في الديانتين السّابقتين وفي نزول القرآن باعتبار إنّ الوحي حقّ، لكنّه أعلن نهاية الوحي والنبوّة، ودعا إلى عبادة لله دون وساطة ودون اكليروس..أي أنّه فتح باب العقل (طالما أنّ باب الوحي قد أغلق) فهل كان هذا تقدما للتّاريخ العربي ام تراجعا؟ يقول هيغل: ” أنا أفهم المسيحيّة أكثر من آباء ومؤسسي المسيحيّة لأنّني من حقبة معاصرة أفهم حاضري وتاريخي” وإذا كان هيغل يقول بالرّوح في مؤلفه “فينومنولوجيا الرّوح” فلأنّه يقول بالجوهر أو الماهية الثابتة، الّتي تتظاهر بالظّواهر المتغيّرة فلا مانع أن يسمّيها /المسيح / كاسم فقط مثلما قد يسميها المسلم /الله/، ويسميها البراهمي /براهما/ .

– ابن رشد وابن عربي، أو العقلانيّة واللاعقلانيّة

تفوّقت فلسفة ابن رشد على التّفكير الأوروبي في بداية عصر النّهضة، ممّا أدى إلى ظهور “المدرسة الرشديّة” في أوروبا، مع ظهور ” توما الاكويني” ومحاولته المنهجيّة لحلّ مشكلات التّفكير الأوروبي الّذي كان يعاني صعوبة الانبثاق من ربقة الهيمنة الكنسية المسيحيّة، بينما كانت فلسفة ابن رشد قد انبثقت من قلب حضارة دينيّة منافسة وعدوة ولذلك وجد فيها الأوروبيون حلا فلسفيا للتوفيق بين العقل والكنيسة، وفي الرشديّة نجاح مقبول من هذه الناحية بالذّات. في هذا الوقت تقريبا كان مغرب العالم الإسلامي قد شهد في الأندلس والمغرب وفاة (ابن رشد)، العقلاني، وولادة اسم (محي الدين بن عربي) رائد التّصوف، الّذي رحل إلى مصر وسوريا بعد جنازة ابن رشد، ثمّ استقرّ في دمشق فهل كان هذا التقدم التاريخي تقدما للفكر والعقل أم تراجعا لهما؟ إنّ الأنتلجنسيا العربية ذاتها الّتي تندب تدهور التفكير العقلاني الرشدي في الإسلام كما لو كان حادثة لا تاريخيّة – متعالية على التاريخ – هم الّذين تثير إعجابهم فلسفة ابن عربي والرومي رغم أنّها ولدت بعد توقف الفكر العقلاني في الإسلام وعاصرت ازدهار التصوف، وعودة الفكر العرفاني “الغنوصي ” والقول بعدم توقف الوحي.

وقبيل عودة الصليبيين إلى أوروبا، شنّت الكنيسة الكاثوليكية بالتحالف مع ملك فرنسا حربا استئصالية ضدّ طائفة / الكاثار / في جنوب غرب فرنسا في منطقة لانغويدوك، المتاخمة لجنوب شرق إسبانيا، أي الأندلس، بعد ازدهار مناطق الكاثار الّذين كانت أفكارهم معادية لفساد الكنيسة الكاثوليكيّة، أمّا الكاثوليك فاعتبروا الكاثار انبعاثا جديدا للغنوصية في قلب المسيحية وتمّت إبادتهم عن بكرة أبيهم في القرن الثالث عشر. في القرن التّالي شنّت الكنيسة حربا استئصالية مماثلة ضدّ فرسان الهيكل، الّذين كانوا طليعة الجيوش الصليبيّة لكنّ الكنيسة اعتبرتهم حاملين للأفكار الإسلامية، ولكنّ أكبر تحدّ للكاثوليكية ظهر في القرن السّادس عشر عندما عاد الجرمان للتّعبير اللاّواعي عن ثقافتهم (الأوروبيّة) ونزوعهم القومي العميق، بتأسيس البروتستانتيّة ضدّ الكنيسة الكاثوليكيّة وانتظروا من كلّ ألماني أن يصبح بروتستانتيا كديانة للألمان أكثر عقلانيّة من الكاثوليكيّة، ومعادية للأيقونات والتّماثيل، وخصوصا للأكليروس والأقرب إلى (الإسلام الأرثوذكسي)، برفضها تقديس البابا ورفض الرّهبنة ودعوتها لقراءة الإنجيل دون وساطة. والإسلام الأرثوذكسي والّذي يمثّل العقلانيّة في الإسلام، هو ديانة العرب مثلما أنّ الكونفوشيوسية ديانة الصين والهندوسيّة ديانة الهند، وكان لابدّ للجرمان أن ينتفضوا على ديانة غريبة عن الرّوح الألمانيّة هي الكاثوليكيّة الّتي هي بالإضافة إلى أنّها ديانة روما – بحسب شعور الألمان – فإنّها دين مشرقي وافد على أوروبا كلّها وتشبه الغربة اللاواعيّة الّتي عاشتها إيران، وهي حضارة عريقة تكوّنت كأمّة قبل تكون الممالك الإسلاميّة، لكن انتصار العرب عليها أورثها الإسلام ولذلك لم تفوت فرصة تأطير الشيعة، وهي بالأصل طائفة دينيّة عربيّة، كديانة قوميّة خاصّة بها، بينما قبل الأتراك الإسلام الأرثوذكسي لأنّهم لم يكونوا أمّة متكونة مسبقا بل شعوب وافدة من آسيا اجتاحت الأراضي الإسلاميّة.

والبروتستانتيّة، رغم أنّها أصبحت طائفة الأقليّة الأوروبيّة، لكنّها أسهمت بنشوء البرجوازيّة..على حدّ المقولة الشهيرة لـ(ماكس فيبر).. أي كأنّها تعبير عن الطبيعة الأوروبيّة الحقيقيّة أكثر من المسيحيّة الكاثوليكيّة، لكنّ أوروبا اللاتينية أي فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، هي الّتي قاومت الإصلاح البروتستانتي للكنيسة الكاثوليكية معتبرة أنّ الكاثوليكيّة هويتها شبه القوميّة مقابل قوميّة البروتستانت، ثمّ إنّ البروتستانتية لو كانت مجرّد إصلاح لأصبحت أقل تزمتا من الكاثوليكية لكنّها أثبتت أنّها أكثر تصلّبا، وهذا دليل على أنّ الدّافع التاريخي للحركة البروتستانتيّة كان دافعا فكريا وقوميّا ومن جهة أخرى، وبعد قرنين من الزّمن فإنّ فرنسا الّتي رفضت مجرّد الإصلاح للكنيسة أطاحت بها بشكل متطرّف بعد الثورة الفرنسيّة، بينما تسلّلت البروتستانتية إلى بريطانيا وشمال اوروبا بسهولة نسبية. وقد رحب هيغل بالبداية بالتّشكيك بحقيقة المسيحيّة عندما رحب بالمذاهب التحرريّة من الدين بقوله: “هذه أول مرّة تشرق فيها شمس الحريّة على الإنسان” ولكن أيّة حريّة؟ إنّها وعي الضّرورة، لكن تمادي الفكر الإلحادي أثناء حياة هيغل في نكران أي فائدة سابقة للدين وأي إنجاز كما لو أنّ الدين “خطأ ” دائم والإلحاد عودة  إلى “صواب”، كأن الدين كان انحرافا عن طريق التاريخ، وهذه نظرة لا تاريخيّة وجهل بالصيرورة لا يقبله هيغل فليس ثمّة انحرافات لأنّه ليس ثمّة سوى طريق واحد هو التاريخ بكليته، وسرعان ما جعل هذا هيغل يتّخذ موقفا نقديا من النزعة الإلحاديّة بتأكيده الجوهري على أنّ الدين مثل كلّ الظواهر التاريخيّة لا يخلوا من الانجاز الإنساني وأنّ النزعة الإلحاديّة تستبدل هكذا معبود ” الله  “بمعبود “العقل”، ويقول “مارتن لوثر” مؤسّس البروتستانتية شيئا مشابها: ” قبل عصرنا، لم يعرف أحد من الفلاسفة والعلماء كيف يستخدم علمه استخداما صحيحا، أمّا الآن وقد تعلموا منّا، فإنّهم يشكرون لنا جهودنا وأفضالنا بسخريتهم منّا وبنظرهم إلينا كأكثر النّاس بعدا عن العقل، لكن تعسا لهم ” والإسلام الأرثوذكسي هو الإسلام العقلاني التاريخي، وهو مذهب الغالبية الّذي يتحفظ تجاه التّصوف قدر تحفظه تجاه المذهب الشيعي، وهنا مفارقة الإسلام: فالغالبية لا يمكن أن تكون (عقلانيّة) لأنّ العقلانيّة هي (دين) النّخبة.. بينما مذاهب وطوائف الأقليات في الإسلام بإيمانها بالخوارق والمعجزات وتقديس كلّ ما يمسّ المقدّس..هو نزوع العامّة في كلّ مجتمع أي الأغلبية.. وبسرعة تشرب المذهب الشيعي تصوّف ابن عربي واحتواه وأنتج تصوفا خاصا، وأضاع الحدود الفاصلة بين التّصوف والتّشيع إلى حد وجود اعتقاد شعبي سائد بان ابن عربي كان شيعيا رغم أنّ تفكيره كان فقط لا عقلانيا ولا تاريخيا بسبب تصوفه، فكأنّ (الشيعة) مذهب الأغلبية رغم أنّهم أقلية، لكنّهم يجذبون عموم النّاس، وكأنّ (السنّة) مذهب الأقليّة رغم أنّهم أغلبية مذهبيّة، فهم يجذبون الخاصّة.

ومرّة أخرى، فإنّ عقلانيّة الماركسية لا يمكن أن تكون مذهب الأغلبيّة بل الأقليّة، فلم يتمسّك بها للنهاية سوى نخبة من المفكرين حين صارت فلسفة علميّة أكثر من الهيغليّة وحددت الرأسماليّة كأعلى تطور لما قبل الماركسيّة، وأنّ الماركسيّة بالتالي هي مستقبل البشرية مع تفسّخ القيم وانكشاف أستار الرأسماليّة، وقدمت الحتمية في بلوغ الفردوس الشيوعي وأصبحت دين الجماهير لكن، من انتصر هو الرأسماليّة الشائخة والمتعفّنة الّتي دفنت الماركسيّة وهي في ريعان شبابها، لأنّ مكانة أمريكا الإمبراطوريّة كاستطالة حديثة لأوروبا تفوّقت على أوروبا مثل تفوّقت الإمبراطوريّة الرومانيّة على اليونان، والتركيّة على العرب، دون أن تنقل أمريكا الثّقافة أو الفلسفة إلى العالم كما فعل اليونانيون والعرب والأوروبيون، فهل هذه اللّحظة المتقدمة من التاريخ، تقدّم أم تراجع للفكر وللإنسان؟  وقد لا تكون هزيمة الماركسيّة انتصارا جديدا للهيغليّة ولكنّه دليل على أنّ الهيغليّة كانت تقف على قدميها وليس على رأسها، وأنّ الهيغليّة وإن كانت قد ماتت، فقد عاشت حياتها بشكل طبيعي حتّى شيخوختها وأورثت حملها كاملا للماركسيّة، أمّا موت الماركسيّة أمام رأسماليّة عاجزة ومتوحّشة، فهو مصير تراجيدي راهن للبشرية ومحطّة من محطّات صيرورة التّاريخ البشري وفشل للحداثة.. وإذا كانت الماركسيّة وجه من وجوه الحداثة الغربية فإنّ ما بعد الحداثة وجه من وجوه هزيمة الماركسيّة، ولا غرابة أن ترتد ما بعد الحداثة للاعتراف بالأساطير واللاعقلانيّة والاعتقاد النيتشوي بتكرار التّاريخ، في هذه الحقبة الأكثر تقدما في تاريخ الإنسان كما لو أنّه مكر التاريخ، أو “مكر الله” كما يقول القرآن الكريم.

*                *              *

بعد حوالي 500 سنة أخرى على نشوء الحضارة العربيّة الإسلاميّة وحين بدأت  تشيخ وجهت ضربة مشهودة للصليبيين في أواخر القرن الثّالث عشر قبل ان تدخل عصر الانحطاط وأعقب تراجع التّفكير الفلسفي في الإسلام ليس ضعف الإسلام، بل نشوء الإمبراطورية العثمانيّة كأقوى إمبراطوريّة إسلاميّة أخافت الغرب، ورغم أنّها قامت على أرض البيزنطيين واحتكت طويلا بهم وجعلت من بيزنطة عاصمة للعثمانيين وأسموها استانبول، إلّا أنّ العرب هم من نقل الفلسفة اليونانيّة إلى أوروبا وليس الأتراك الّذين همّشوا التّفكير والاجتهاد في الإسلام، في ظاهرة شبيهة بالإمبراطوريّة الرومانيّة، فالأتراك مثل الرّومان لم ينتجوا تراثا فلسفيا، ولكن دمار بيزنطة أعظم مدينة مسيحيّة في العالم القديم لم يحدث في القرن الخامس عشر عندما فتحها العثمانيون بل دمّرت في بداية القرن الثّالث عشر على أيدي المسيحيين من الرّومان الغربيين في الحملة الصليبية الرّابعة الّتي بدل أن تصل إلى الشّام احتلت القسطنطينيّة قبل نصف قرن من اجتياح المغول لبغداد ونهاية الخلافة العباسيّة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق