من الإسلاموية الراديكالية إلى الإسلاموية الريعية / حارث حسن

الإسلام السياسي
برزت الأحزاب الإسلامية الشيعية كلاعب رئيس في العراق غداة الغزو الأميركي وسقوط نظام صدام حسين العام 2003، ولعبت أدواراً أساسية في بلورة العمليات الدستورية والسياسية، كما الديناميكيات الداخلية للسياسات العراقية. حزب الدعوة الإسلامية هو أقدم هذه الأحزاب، وقد عاد معظم قادته إلى العراق في العام 2003، بعد ردحٍ طويل من الزمن في المنفى. وفي الفترة بين 2005 و2018، تسنّم ثلاثة من قادته، هم إبراهيم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي، منصب رئاسة الحكومة. ومع انتقاله من موقع المعارضة إلى الإمساك بصولجان السلطة، وَهَنَ التزام الحزب بإقامة دولة إسلامية، وانتهج سياسات زبائنية، وتلوّنت أولوياته على نحو مطّرد وفق إيقاع تحديات الحوكمة.

ثلاثة أسباب أملتْ هذا التحوّل: الأول، هو ظهور مفهوم المكونات الطائفية والإثنية كإطار مُهيمن على التمثيل والتعبئة السياسيين، مادفع حزب الدعوة إلى التركيز على مسائل الهوية على حساب الإيديولوجيا. والثاني، هي المستلزمات الانتخابية التي أدت بالحزب إلى السعي للعمل على اجتذاب قاعدة شعبية أوسع، عبر إعادة صياغة لونه السياسي واستخدام وسيلة الزبانة والمحسوبيات السياسية. والسبب الثالث كمن في الطبيعة الريعية للدولة العراقية، التي قوّت من عضد التوجهات الحزبية الفئوية المتمحورة حول توزيع الغنائم، بدلاً من التنافس بين البرامج الإيديولوجية والسياسية.

من الإيديولوجيا إلى سياسات الهوية
حارث حسن
حارث حسن باحث أول غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، تركّز أبحاثه على العراق، والطائفية، وسياسات الهوية، والقوى الدينية، والعلاقة بين الدولة والمجتمع.
أسفر سقوط نظام حزب البعث عن توسيع هوّة الانقسام بين الطائفتين السنّية والشيعية. وهذا دفع الإسلاميين الشيعة إلى التشديد على الهوية الطائفية على حساب المشتركات الإيديولوجية بينهم وبين الإسلاميين السنّة. وجاءت التحالفات التي أبرمها حزب الدعوة لتجسّد هذا المنحى. إذ هو تحالف في معظم الأحيان مع الجماعات الشيعية المنافسة له، مثل المجلس الإسلامي الأعلى في العراق، أو التيار الصدري، أو حتى مع مجموعات شيعية غير دينية كالمؤتمر الوطني العراقي الذي يرأسه أحمد الجلبي، في الوقت نفسه الذي كان يتجنّب فيه عقد شراكات مع جماعات إسلامية سنّية كالحزب الإسلامي العراقي.

بيد أن هذا التحوّل نحو السياسات الطائفية لم يولد فجأة كصاعقة في سماء صافية، بل كان حصيلة تحوّلات عدة، منها تنامي مشاعر الهوية الشيعية خلال وجود الحزب في المنفى. في مرحلة نشأته، كان هدف الحزب الأساسي هو تحدي الدولة العلمانية والإيديولوجيا العلمانية، والمطالبة بدورٍ مركزيٍ للدين في النظام الاجتماعي- السياسي. وكان نشطاؤه يستلهمون منظمات إسلامية سنّية على غرار جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير، وكذلك مؤلفات إيديولوجيين إسلاميين كسيد قطب وحسن البنا وأبو الأعلى المودودي. كان الهدف النهائي لكل الإسلاميين السنّة والشيعة هو إقامة الدولة الإسلامية، وإن كان كل فريق منهم قد تبنى تفسيره الخاص لها.1

لم يكن بمقدور مؤسسي الدعوة، الذي كانوا من الشيعة الأتقياء وكثير منهم يتحدرون من عائلات دينية، تجاهل الخصوصيات العقائدية الشيعية، خاصة أنهم كانوا بحاجة إلى إضفاء الشرعية على أنفسهم في أوساط طائفتهم. وهكذا سعوا إلى عقد شراكة مع رجال الدين في النجف، مركز الفقه الشيعي، لاستقطاب مزيد من الدعم. وقد تمثّل ذلك في الدور الحاسم الذي لعبه آية الله محمد باقر الصدر، رجل الدين الشيعي الذي أصبح راعي حزب الدعوة ومنظّره الإيديولوجي الأول. وقد حاول الصدر طرح الإسلام كبديل لليبرالية والشيوعية، فيما كان يؤكد على دور رجال الدين الشيعة في القيادة السياسية.

تأثّرت الحركات الإسلامية الشيعية إلى حد كبير بثورة إيران. وبما أن النزعة الإسلاموية تركّز على العامل الديني وليس على الهوية القومية أو الوطنية الجغرافية، أمكن للإسلاميين من غير الإيرانيين التماهي مع الدولة الإسلامية الإيرانية. هذا التماهي تعزّز على إثر اندلاع الصراع مع النظام الذي يهيمن عليه السنّة في العراق، خاصة بعد حملات القمع التي شنّها ضدهم. كما استهدف النظام البعثي أيضاً رجال دين كبار مثل الصدر الذي دعم بحماسة قيادة أية الله روح الله الخميني.

لذلك، فرّ العديد من أعضاء حزب الدعوة من العراق، ما عزّز انجذابهم إلى الإحساس الشيعي بالغبن ومشاعر الضحية. في المنفى، سعى هؤلاء، ومعهم المجلس الإسلامي الأعلى الذي كان يعرف آنذاك بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، إلى كسب حلفاء من جماعات غير إسلامية، خاصة بعد فشل الانتفاضة ضد النظام العراقي العام 1991. وهكذا، طوّر هؤلاء علاقات عمل مع القوميين الأكراد، والإسلاميين السنّة، وحتى الليبراليين، وغيرهم. وخلال مؤتمر المعارضة الذي عقد في لندن العام 2002، اتفقت هذه الأحزاب على أن يكون عراق مابعد صدام حسين ديمقراطياً وتعدديا.

في أعقاب سقوط النظام العام 2003، أملى ميزان القوى الجديد تحوّلاً من الثورية الإسلاموية إلى البراغماتية. إذ كان على الإسلاميين الشيعة أن يتعاطوا مع حقيقة الاحتلال الأميركي وأن يقبلوا واقع عدم قدرتهم على أن يضعوا بمفردهم القواعد السياسية الجديدة للعراق. كان صانعو السياسة الأميركيون وجماعات المعارضة المنفية سابقاً قد تبنّوا رؤية للعراق تستند إلى انقسامه إلى مكونات طائفية إثنية. وقد جعلهم هذا يركّزون على بناء توافق بين النخب الطائفية، بهدف إضفاء الشرعية على النظام الجديد. كان ذلك خياراً جذّاباً ومُقيِّداّ في آن بالنسبة إلى الإسلاميين الشيعة: هو جذّاب لأن نحو 60 في المئة من سكان العراق هم من الشيعة، مايسمح لهم باحتكار التمثيل السياسي لأكبر مجموعة طائفية في البلاد. وهو مُقيِّد، لأنه يجبرهم على الانخراط في لعبة مساومات مديدة مع الممثلين السياسيين الآخرين.

في العام 2005، شكّل حزب الدعوة وفصائل شيعية أخرى الائتلاف العراقي الموحّد، وهو تحالف حصد الأغلبية في الجمعية التي وضعت الدستور الجديد. كما طوّر الحزب، بمعية الأحزاب الكردية، قواعد نظام سياسي يستند لا إلى بناء دولة إسلامية، بل أساساً إلى تمثيل الفئات الإثنية والدينية والطائفية، في إطار ترتيبات فيدرالية تعددية.

هذا التوجّه تجسّد في الدستور. فالمادة الأولى منه تصف العراق بأنه “دولة اتحاديةٌ واحدةٌ مستقلةٌ…، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ (برلماني) ديمقراطيٌ”. وكما يُلاحظ، لم تستخدم كلمة “إسلامي”. وفي ما يتعلق بدور الإسلام في التشريع، وصفته المادة الثانية بأنه الدين الرسمي للدولة ومصدر رئيس للتشريع، بدلاً من أن يكون المصدر الرئيس للتشريع. ومع ذلك، تم النص على أنه لايجب على أي قانون أن يتعارض مع أحكام الإسلام أو مع مبادىء الديمقراطية والحريات الأساسية. لكنها كانت مجرد تسوية لفظية لم تأخذ باعتبارها إمكانية تصوّر حالة تتناقض فيها أحكام الإسلام مع الديمقراطية والحريات الأساسية. كما نصت المادة الثانية على أن “هذا الدستور يضمن الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما ويضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، كالمسيحيين، والإيزديين، والصابئة المندائيين”. وبقبول الإسلاميين هذه المواد، تراجعوا عن متبنياتهم الإيديولوجية القديمة، وهو تراجع فرضته المشاركة في نظام سياسي تعددي يتطلب منهم اجتذاب قواعد انتخابية أكبر من ذي قبل.

السياسات الانتخابية وتحديات الحوكمة
لم يكن الابتعاد عن الإيديولوجيا بالأمر السهل بالنسبة إلى الإسلاميين الشيعة العراقيين، الذين كانت مسألة بلورة نظرية مفصّلة حول الحوكمة الإسلامية موضع جدل وتجاذبات كبيرة بينهم. لكن، مع الوقت باتوا مُدركين للمشاكل التي تشوب النموذج الإيراني وللتوترات التي لم تجد لها حلاً الناجمة عن تبني مصدرين للشرعية في إيران: السلطة الدينية والسيادة الشعبية. كما كان هناك أيضاً توترات لدى الإسلاميين العراقيين بين الولاء الديني للقيادة الإيرانية وبين هويتهم الوطنية العراقية. وهذا أدى إلى انقسام حزب الدعوة في المنفى؛ وهو انقسام لازال يترك بصماته وتأثيراته في الديناميكيات الداخلية الشيعية، كما يتبدى بوضوح في الانشطار الراهن داخل حزب الدعوة بين جناح المالكي، الذي بات قريباً من إيران وحلفائها، وبين جناح العبادي، الذي نسج علاقات أفضل مع الغرب.

بدأ بعض النشطاء والمُنظّرين في الحزب، في إطار محاولتهم تجاوز النموذج الإيراني وهيمنة الحرس الثوري الإيراني على الحركات الإسلامية الشيعية، بإعادة النظر في هدف إقامة دولة إسلامية.على سبيل المثال، تخلى رجل الدين الشيعي اللبناني البارز محمد مهدي شمس الدين، الذي دعم حزب الدعوة في سنواته المبكرة الأولى، عن الدعوة إلى إقامة دولة تستند إلى الشريعة الإسلامية، وبات يعتبر الديمقراطية أفضل نموذج للحوكمة. بيد أن افتقاد حزب الدعوة إلى جهود تجديد عميقة، أعاق تطوير إطار حوكمة واضحة تستند إلى مبادئه التأسيسية. وكما لاحظ مراقب للحركات الاسلامية العراقية: “أقرَ حزب الدعوة الآليات الديمقراطية لكن ليس المبررات الفلسفية للفكرة الديمقراطية التي واصل الحزب اعتبارها “علمانية” و”غربية””. وهذا ترجم نفسه في توجه العديد من الأعضاء إلى طلب الأذن من الفقهاء الدينيين قبل خوض الانتخابات أو قبول مناصب في الحكومة العراقية.2

جَهدَ قادة الحزب للعثور على صيغة يُمكنها الجمع بين معتقداتهم الإيديولوجية وبين دورهم الجديد كسياسيين في بلد منشطر طائفياً. وهو أدركوا أن التبنّي الجامد للإيديولوجيا قد يعيق جهودهم لحصد شرعية أوسع، وهو أمر كان ضرورياً لتأمين بقائهم السياسي. وهذا يوضح لماذا عمد المالكي، الذي ترأس الحكومة في الفترة بين 2006 و2014، والعبادي، الذي كان رئيس الوزراء بين 2014 و2018، إلى خوض حملاتهما الانتخابية من خلال إئتلافات شملت حلفاء غير إسلاميين، وإلى تبنّيهما لغة وطنية. لاتتمركز القضية الدينية في خطابهما السياسي.

لكن الرجلين لم يكونا مستعدين، في الوقت نفسه، وبسبب الانقسامات الطائفية وتأثيراتها على القواعد الشعبية السياسية، للتخلي تماماً عن الإسلاموية وعن التماهي الحزبي، اللذين كانا وسيلتين مهمتين للحفاظ على قواعدهما الأصلية وتحالفتهما الأساسية. وهكذا تأرجحا بين الخطابين الإسلامي والوطني، استناداً إلى الحالة القائمة في المشهد السياسي. صحيح أن هذا كشف عن نزعة براغماتية، لكنه وشى أيضاً عن مدى عمق التناقض أحياناً بين الهوية الإيديولوجية وبين المتطلبات العملية للقيادة والحكم. وحتى حين ترأس المالكي والعبادي إئتلافات متنافسة في الانتخابات البرلمانية العام 2018، لم يتخليا عن عضويتهما في حزب الدعوة.

على الرغم من كل ذلك، تموضع حزب الدعوة بشكل أفضل من باقي الجماعات الإسلامية، في مجال التأقلم مع السياسات الجديدة في العراق، لأنه لم يكن مرتبطاً بأي أسرة مُحددة من رجال الدين، كما الأمر مع المجلس الأعلى الإسلامي والتيار الصدري، ولايتلقى توجيهاته من رجل دين واحد. نتيجة لذلك، تمتع الحزب بليونة أكثر لإعادة طرح نفسه سياسياً وجذب مختلف فئات الناخبين. لكن هذا لم يكن دوماً دليل قوة. إذ أن الحزب، وبفعل افتقاده إلى الوضوح الإيديولوجي والقاعدة الاجتماعية المُحددة، بات أكثر اعتماداً على منصب رئاسة الحكومة وعلى السلطة المنبثقة عنها. فالمالكي والعبادي طرحا نفسيهما كبناة دولة، ووسعا شبكات الموالين لهما في مؤسسات الحكم. والمالكي على وجه الخصوص برع في مَركَزَة السلطة بين يديه وشكّل مؤسسات موازية أو عيّن موالين في مناصب بارزة بالوكالة، للالتفاف على الإجراءات البرلمانية البطيئة وتعميق نفوذه الشخصي والحزبي في المؤسسات العامة. وقد نسج العبادي نسج على منواله، خصوصاً بقراره ملء عدد كبير من المناصب الشاغرة بمقربين له قبيل مغادرته منصبه بأسابيع قليلة.

بيد أن أجندة الحزب لم تكن مُتطابقة بالضرورة مع أجندة رئيس الحكومة. فالعلاقات كانت متوتّرة بين قادة الدعوة وبين المالكي حين اعتمد هذا الأخير أكثر على أتباعه الشخصيين من اعتماده على الحزب. وقد كان هذا أحد الأسباب التي دفعت قياديين بارزين في الحزب إلى التخلّي عن المالكي في خضم صراعه للبقاء كرئيس للحكومة بعد انتخابات 2014 التي حصد فيها إئتلاف دولة القانون العدد الأكبر من المقاعد. وحين شعر هؤلاء القادة بأن فرص المالكي للبقاء في المنصب محدودة، طرحوا العبادي كبديل. كان الهدف من هذا التحوّل هو مواصلة إحكام الحزب سيطرته على منصب رئاسة الوزراء، على رغم أن ذلك أماط اللثام عن فقدانه لأجندة موحدة.

عقب ذلك، بات حزب الدعوة مُنقسماً على نحو مطّرد بين جناحي المالكي والعبادي. وفي حين أن هذا الانقسام ارتدى لبوس التنافسات الشخصية، إلا أنه تأثّر أيضاَ بالتنافس الأميركي- الإيراني في العراق. فقد تلقى العبادي دعم واشنطن بعد أن بدا أنه يبتعد عن النهج السلطوي للمالكي خلال المعارك العسكرية ضد مايسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، وأيضاً بعد أن تبنّى ما اعتبره العديدون مقاربة لاطائفية وأحياناً معارضة لقوات الحشد الشعبي، وهي مظلة تضم أساساً الميليشيات المدعومة إيرانياً والتي قاتلت إلى جانب القوات العراقية. بدوره ساعد المالكي على تشكيل قوات الحشد، وتقارب مع إيران، وغدا أكثر شكّاً بالأميركيين، مُنحياً باللائمة عليهم لفشلهم في ردع تنظيم الدولة الإسلامية قبل استيلائه على الموصل والمدن السنّية الأخرى العام 2014.3

بعد الانتخابات البرلمانية العام 2018، تحالف إئتلاف دولة القانون برئاسة المالكي مع تحالف الفتح، وهو الجناح السياسي لقوات الحشد الشعبي المدعوم من ايران، فيما تحالف إئتلاف النصر بزعامة العبادي مع رجلي الدين الشيعيين مقتدى الصدر، وعمار الحكيم قائد تيار الحكمة الوطني. وحتى قبيل الانتخابات، توقف الدعوة عن العمل كحزب موحّد، وسمح لأعضائه بالاقتراع للوائح الانتخابية من دون استخدام اسم الحزب، في الوقت نفسه الذي كان يقدّم فيه وعوداً غامضة لإعادة توحيد الحزب بعد الانتخابات. مثل هذا الترتيب دلّ على أن الحزب خسر اتساقه السياسي وتزعزع بفعل السياسات الزبائنية والشخصانية المتفاقمة. كما أنه عكس عدم وجود قواعد شعبية واسعة مستقلة عن رؤساء الحكومات المنضوين تحت لواء الحزب. وبالتالي، فشل الدعوة، الذي سيطر عليه الأعضاء القدماء الذين دخلوا سن الشيخوخة والذين استقوا معظم خبراتهم السياسية في المنفى، في تجديد نفسه وتوسيع قاعدته.

صعود الإسلاموية الريعية
تتميّز السياسات العراقية هذه الأيام بوجود مؤسسات ديمقراطية شكلية، تغشاها السياسات الزبائنية والممارسات خارج القانون. هذه الحصيلة كانت إلى حد بعيد الابنة الشرعية للاقتصاد العراقي، حيث أدى الاعتماد على عائدات النفط إلى التسابق والتدافع على الغنائم، ما خلق ثقافة سياسية ريعية. ولذا، يمكن الحديث عن إسلاموية ريعية تحل فيها الزبائنية غالباً مكان الإيديولوجيا في تشكيل السلوك السياسي للأحزاب الإسلامية.

استخدم المالكي، خلال تسنّمه رئاسة الحكومة، أسلوب الزبائنية في إدارة الدولة والموارد. مثلاً، بث الروح مجدداً في سياسة نظام حزب البعث الخاصة بكسب ولاء شيوخ القبائل من خلال العطايا المالية، فشكّل ما بات يُعرف بـ”مجالس الإسناد” في المدن الجنوبية. وفي حين أن الهدف المُعلن من هذه التجمعات العشائرية هو ضمان الدعم المحلي للأمن، إلا أن المالكي وظّفها لتوسيع قاعدته الانتخابية. وقد خصصت موازنة العام 2015 التي وضعتها حكومة المالكي 380 مليون دينار عراقي (مايوازي 282 مليون دولار اليوم) لتمويل هذه المجالس، بما في ذلك رواتب شهرية لأعضائها. لكن المالكي رفض، في المقابل، مواصلة تمويل بعض مجالس الصحوة القَبَلية السنّية التي قاتلت تنظيم القاعدة، ما أضعف هذه المجموعات وسهّل عودة الجهاديين في المناطق السنّية.

بالمثل، طوّرت حاشية المالكي، التي تضم أعضاء من عائلته، شبكة من الشراكات مع العديد من أصحاب المصالح ورجال الأعمال، مُستغلة سلطة مؤسسة رئاسة الوزراء التي أصبحت في عهد المالكي أقوى من أي هيئة أخرى في الدولة. ويمكن قول الأمر نفسه عن منصب القائد العام للقوات المسلحة، الذي اعتبره النقاد أداة غير شرعية في يد المالكي لتأكيد سلطته الشخصية على الجيش ولتقويض مسؤوليات وزارة الدفاع. ولهذا، عمد العبادي، في سياق تنافسه مع المالكي، إلى إلغاء هذا المنصب حين أصبح رئيساً للوزراء. وفي حين عزّز المالكي الموالين شخصياً له على حساب عناصر من قيادة حزب الدعوة، تحالف العبادي مع كوادر معيّنة في الحزب، مقرباً بعضا منهم على حساب أعضاء آخرين كان قد جرى إقصاؤهم. وبعد فشل الدعوة في الاحتفاظ برئاسة الحكومة، دفع الامتعاض ثلاثة أعضاء قياديين إلى إصدار بيان اتهموا فيه العبادي بالتسبّب في انقسام الحزب.

استخدم حزب الدعوة، الذي يحظى بدعم شعبي واسع، وسائل أخرى أيضاً لبناء قواعده الشعبية، فكان من ضمن المؤسسات العامة التي وُظفت للأغراض الزبائنية مؤسسة السجناء السياسيين ومؤسسة الشهداء، اللتين كانتا بقيادة شخصيات في الحزب أو عناصر قريبة منه. وكانت الوظيفة الأساسية للمؤسستين هي التدقيق والتصديق على طلبات التعويض لأولئك الذي سجنوا في عهد البعث، أو الذي أعدم النظام أفراداً في عائلاتهم (وعدد كبير منهم كانوا مرتبطين – أو اتهموا بالارتباط – بحزب الدعوة). بيد أن دائرة المستفيدين توسّعت لتشمل حتى أفراداً فرّوا من العراق. وقد ساعد نواب الدعوة في البرلمان على إقرار قوانين تسمح بفتح باب التعويض على مصراعيه، بغية كسب المزيد من الدعم من المستفيدين.

خلق استخدام حزب الدعوة للسياسات الزبائنية شبكات أتباع ترتبط بالمصالح وليس بمشروع إيديولوجي مُتّسق. وما ميّز حزب الدعوة عن باقي الأحزاب المنخرطة في سياسات مماثلة، هو غياب أي شخصية حزبية تعمل كمرجع أعلى وملاذ أخير. فسلطة المالكي والعبادي اشتقت أساساً من موقع رئاسة الوزارة. ولهذا قد يشهد حزب الدعوة في طوره مابعد الإيديولوجي، انحساراً في أهميته السياسية أكثر من أي مجموعة أخرى على إثر خسارته لهذا المنصب.

خلاصة: لم يمت، لكنه يحتضر
في تشرين الأول/أكتوبر 2018، وبعد 13 عاماً كان فيها أحد أعضاء حزب الدعوة رئيساً للوزراء، عُيّن عادل عبد المهدي، الذي كان سابقاً في المجلس الأعلى الإسلامي، رئيساً للحكومة. واليوم، حزب الدعوة مُنشطر ولا يمتلك رؤية موحّدة حول هدفه ومراميه. الحزب لم يمت، لكنه يحتضر ويعاني سكرات الموت. معظم قادته باتوا مُسنين، والحزب عاجز تقريباً عن استقطاب جيل جديد من الناشطين. ثم أن فكرة الدولة الإسلامية لم تعد مُغرية لشيعة العراق، على الأقل كما طُرحت في حقبة الستينيات والسبعينيات. وتتركز نقاط دعم حزب الدعوة اليوم بين قطاعات الطبقة الوسطى وموظفي الدولة لمابعد العام 2003، لكنه يُواجه منافسة شديدة من أحزاب أخرى في هذه القطاعات نفسها. ومع خسارة الدعوة لمزايا المناصب الحكومية، ومع انقساماته الحادة، ستشهد قاعدة الحزب المزيد من الانكماش والانحسار.

لكن مهلا. هذا الحال يعكس في الواقع أزمة كل التنظيمات السياسية التي تشكّلت إبان مرحلة الإيديولوجيات والسرديات الكبرى. ففيما تخوض هذه التنظيمات عباب عملية سياسية تُشكّلها المتطلبات الانتخابية، ستجد من الصعوبة بمكان أقلمة إيديولوجياتها الأصلية- وطرازها- مع الحقائق السياسية الجديدة. لقد خسرت هذه الاحزاب في نهاية المطاف جاذبتها الإيديولوجية، وهي تعتمد أكثر فأكثر على الزبائنية لتبقى على قيد الحياة، ما يتطلب منها الآن البقاء في موقع المسؤولية لتقديم العطايا. ومع وجود جماعات تمثّل الاجيال الجديدة من الإسلاميين، بما في ذلك الصدريين وفصائل الحشد الشعبي، أصبحت إسلاموية حزب الدعوة إرثاً في طور الأفول وغير قادرة على تعبئة أعداد كبيرة من الأنصار، ولا على منحهم إحساساً قوياً بأنهم أصحاب رسالة.

لكن أزمة حزب الدعوة لاتنفصم عراها عن التحديات التي تواجه الجماعات الإسلامية الأخرى. فقد تقلصت جاذبية هذه الجماعات بسبب الفساد والخلل الكبير الذي يضرب نظام الحكم الراهن، والذي تتمتع فيه الأحزاب الإسلامية بموقع مُهيمن. وهذا ما أبرزته الاحتجاجات منذ العام 2015 والتي كشفت النقاب عن مدى الحنق الشعبي وخيبة الأمل المُتصاعدة من النخبة الحاكمة. هذا علاوة على أنها أوضحت أن التعبئة السياسية كانت تتحوّل من قضايا تتعلّق بالإيديولوجيا- والهوية- إلى مسائل تُشدّد على المطالب الاجتماعية- الاقتصادية. وبسبب ذلك، أصبح الإسلاميون الشيعة أكثر انقساماً، وبعضهم بدا أكثر استعداداً للجّوء إلى إجراءات قمعية لحماية سلطته وشبكات مصالحه. وعلى المدى الطويل، يمكن لمثل ردة الفعل هذه أن تُزعزع أكثر شرعية هذه الأحزاب، ما يفسح المجال أمام احتمال تطور ديناميكيات تعبئة بديلة وبرامج سياسية مُعارضة مختلفة، تستهدف حصد دعم أكبر في الشارع.

هوامش
1 فالح عبد الجبار، العمامة والأفندي: سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني، ترجمة أمجد حسين (بيروت: الجمل، 2010). رشيد الخيون، مائة عام الإسلام السياسي في العراق: الشيعة (الامارات: مركز المسبار للدراسات والبحوث، 2011).

2 نقاش غير رسمي أجراه المؤلّف مع عضو سابق في حزب الدعوة، واشنطن العاصمة، 18 تشرين الأول/أكتوبر 2015.

3 مقابلة أجراها المؤلّف مع رئيس الحكومة السابق نوري المالكي، بغداد، شباط/فبراير 2017.

عن موقع معهد كارنيغي

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق