الضّحك عند برجسون

(…) ورأيه في الضّحك أنّه في وقت واحد تطور منطقي وحاسة اجتماعية.

فنحن نضحك إذا رأينا إنسانًا يتصرف تصرف الآلة ويقيس الأمور قياسًا آليًّا لا محل فيه للتمييز المنطقي، ولكننا نضحك في الجماعة عامة ولا نضحك منفردين؛ لأن الضحك تنبيه اجتماعي أو عقوبة اجتماعية لمن يغفل عن العُرف المتبع في المجلس، أو في المحفل، أو في الهيئة الاجتماعية بأسرها.

والضحك عند برجسون إنساني بمعانى الكلمة جميعًا؛ فلا يشاهد في غير الإنسان، ولا يستثيرنا الضحك في غير عمل إنساني أو عمل نربطه بالإنسان.

فنحن لا نضحك من منظر طبيعي أو من جماد كائنًا ما كان إلا إذا ربطناه بصورة إنسانية وجعلناه شبيهًا بإنسان نعرفه، أو منسوبًا إلى عمل من أعمال الناس، وقد نضحك من قبعة نراها فلا يكون الضحك من القبعة، بل من الإنسان الذي يلبسها ونتصور هيئته فيها.

ومن شروط الأمر المضحك عند الفيلسوف أن يكون عملًا إنسانيًّا بغير معنى، أو يكون المعنى فيه مطَّردًا على طريقة آلية كأنه من أعمال الأدوات المجردة من التفكير.

ومن شروط الأمر المضحك عنده أن يحصل في جماعة أو يرتبط بالتصرف في الجماعة؛ فقلما يضحك الإنسان على انفراد إلا إذا استحضر العلاقة الاجتماعية في ذهنه، وقلما ننظر إلى أحد يضحك على انفراد إلا خامَرَنا الشك في عقله ما لم يكن له عذر نعلمه، فلا يزال الضحك على انفراد محتاجًا إلى اعتذار وتوضيح.

لهذا يقرر برجسون أن الضحك مرتبط بالتصرف المنطقي وبالحاسة الاجتماعية في وقت واحد؛ فهو وسيلة من وسائل المجتمع لحمل أبنائه على التصرف فيه تصرف الراشدين الذين يفقهون معنى ما يصنعون.

ويفسر الفيلسوف أنواعًا كثيرة من الضحك على ضوء هذه الشروط، فيقول مثلًا: إن مرونة الحركة تهم الأطفال كثيرًا، فهم يضحكون من كل حركة تصطدم بغير وعي ويفقد فيها المرء قدرته على المرونة، ويقول: إن كل خلل في الحركة يضحكنا إذا قارنَّا بين الخلل الواقع، وبين اللباقة التي يستدعيها تمام الخلقة والتكوين والتصرف المعهود. وكثيرًا ما يضحكنا شرود الذهن؛ لأن الإنسان الذاهل ينسى عقله وحاسته الاجتماعية ويتكلم أو يعمل على غير ما تقتضيه الحالة التي هو فيها.

ويومئ الفيلسوف إلى مناظر المحاكاة فيقول: إن المحاكاة تضحكنا لأنها عمل يشبه عمل الآلات، وتضحكنا لأنها تلفت النظر إلى الغفلة أو التناقض في الإنسان المحكي لأنه شبيه بالآلات، وإذا رأينا وجهين يتشابهان تشابهًا تامًّا ضحكنا؛ لأننا نتصور أنهما مصنوعان في قالب واحد كما تصنع الوجوه التمثيلية.

ويضحكنا أن يتحكم الجسد في العقل والإرادة تحكمًا غير مناسب للموقف الحاضر، فنضحك من الخطيب الذي تغلبه الحماسة والعطاس في وقت واحد، ويضحكنا أن نرى أمامنا أحدًا يطبق على الأحياء أحكام الآلات، وهذا هو سر ضحكنا من الطبيب الذي يقول للمريض: إن موته باطل. لأنه لم يجر على وفاق الأصول المتبعة.

ويضحكنا الرجل الذي تتكرر في كلامه لازمة محفوظة نتوقعها فنضحك حين نسمعها.

وهذا المثل من أمثلة برجسون جدير بالانتباه إليه؛ لأنه يرجح رأيه على آراء القائلين بشرط المفاجأة في الضحك.

فالرجل الذي يكرر لازمة واحدة يضحكنا حين نسمع ما ننتظره منه، فلا يقال إذن إنَّه يضحكنا بالمفاجأة، بل يصح فيه رأي برجسون وهو الرأي الذي خلاصته أن المضحك من أعمال الإنسان هو الذي ينساق فيه انسياق الآلات.

•••

ونحن نستدرك ما يستدرك من هذه الآراء في أثناء تلخيصه، وقبل الانتقال إلى التعقيب الأخير عليه؛ لأننا نحب أن ننتهي إلى النتيجة خالصة من الاعتراض والاستدراك خالية من اللبس ودواعي الإطالة في المناقشة والتمحيص.

والمثل الذي يجب الانتباه إليه من أمثلة برجسون يرجح رأيه على رأي القائلين بالمفاجأة لأول وهلة، ولكنه لا يلبث أن يعود بنا إلى القول بالمفاجأة من جانب آخر.

فمشابهة الآلات هي في ذاتها مفاجأة مستغربة من الآدميين العقلاء؛ ولهذا يتفق القولان ولا يتناقضان. ويجوز أن يُقال إن المفاجأة ومشابهة الآلة شيء واحد، وإن مشابهة الآلة باب من أبواب المفاجأة لا يستوعبها ولا يمنع الضحك من غيرها.

وأما الضحك من تكرار اللازمة التي ننتظرها فهو لا يدل قطعًا على نفي المفاجأة أو على الضحك من الشيء لأنه منتظر … بل هو نوع من استعادة الضحك السابق كما نبتسم عندما يمر بخاطرنا تمثيل دور مضحك شهدناه من قبل ونود أن نعيده ونتملاه من جديد.

وهذا المثل — بالذات — أصلح الأمثلة لتوضيح الحقيقة في هذا الخلاف.

فاللازمة المتكررة لا بد أن تتكرر حتى تصبح لازمة ملحوظة، وحين نبدأ بالاستماع إليها لا نلاحظ أنها لازمة تعاد في مناسبة وفي غير مناسبة إلا إذا سمعنا صاحبها يتكلم في مسائل شتى ويعيد لازمته على اختلاف هذه المسائل وتناقضها، ومتى ثبت لدينا أنها لازمة وانتظرناها فإنما نحن نستعيد ضحكًا سابقًا ولا ننشئ الضحك لأول مرة، ويصدق على هذا النوع من الضحك أنه من قبيل استعادة المناظر التي سبق لنا أن ضحكنا منها وأحببنا أن نتملاها ونرجع إليها حينًا بعد حين.

•••

ونستطرد بعد هذا في سرد الأمثلة المتعددة التي ينطبق عليها رأي برجسون، ومنها غير ما تقدم مثل الشاطر الذي يُغلَب بالشطارة، أو مثل الفخ الذي يقع فيه واضعه، فإن هذا الشاطر — على شطارته — يتصرف كالآلة حين ينعكس عليه عمله وهو أحق من سواه بالاحتراس منه.

وهذا المثل — كالمثل السابق — يمكن تفسيره برأي برجسون ورأي القائلين بالمفاجأة معًا؛ لأننا نتوقع من الشاطر أن يغلب غيره بالحيلة ونشعر بالمفاجأة حين يقع غير المتوقع وهو انخداعه بما يخدع به الناس.

ويعلل برجسون ضحك الكثيرين من النكتة الجناسية بأنها تحول الذهن من المعنويات إلى الحسيات؛ لأن الكلمتين المتجانستين تتشابهان في اللفظ وتختلطان في المعنى، فيتصور السامع الحركات الجسدية وهو يفكر في المعاني الأخلاقية أو الذهنية، وهذا الضحك يشابه الضحك من الخطيب الذي تأخذه الحماسة لفكرة من الأفكار ثم يغلبه العطاس؛ فإنه في هذا الموقف مغلوب لضرورات جسده الآلية ويتصرف على الرغم منه كما تتصرف الآلات.

وعلى هذا النحو مواجهة الذهن بكلمتين متجانستين إحداهما مادية والأخرى معنوية، وتلحق بالجناس كلمات الكناية والاستعارة والمجاز وسائر الكلمات التي تواجه الذهن بصورتين إحداهما لائقة بالإنسانية والأخرى غير لائقة، كأن يقال عن أحد: إنه من أهل اليسار، أو إنه فنان، أو إنه جبل، أو إنه طويل الباع.

والحاسة الاجتماعية عند برجسون أعم من جميع الأسباب؛ فالضحك إذن مَلَكة اجتماعية يراد بها تصحيح الخطأ في معاملة الجماعة، وهو يتناول الأخطاء التي لا تبلغ حد الإجرام؛ لأن المجتمع يعالج هذه بالجزاء القانوني أو بالانتقام، ويتناول الأخطاء التي يَنْبو عنها الذوق كل النبو مع سوء النية؛ لأن المجتمع يداوي هذه بالنفور والاشمئزاز، وإنما يكتفي بالضحك من الأخطاء التي يسهو فيها الإنسان عن التقاليد الاجتماعية على غير قصد وبغير نيةٍ سيئة، فهذه الأخطاء يكفي في التحذير منها أن يتعرض صاحبها للضحك وأن يكون هذا الضحك عقوبة على قدر الإساءة العارضة، فيحسب في هذه الحالة كأنه قانون خفيف، حيث لا حاجة لتطبيق القانون الذي يحمي المجتمع من الجرائم والأضرار الجسام.

بل يكاد يكون الضحك عقابًا اجتماعيًّا خفيفًا لمن يدينون بالأحكام الحرفية ويطبقون القواعد في دقة وصرامة توحي إلى الذهن أن الذي يطبقها آلة لا تفكر ولا تحس بما تصنعه ولا تفرق بين جزاء وجزاء وتقدير وتقدير.

ففي هذه الحالة يكون الضحك تصحيحًا للأحكام المبالغ في «دقتها الحرفية»؛ لأنها صفة آلية لا تليق بالقياس المنطقي والتقدير السليم.

وزبدة الأمثلة جميعًا في رأي برجسون تلخص أسباب الضحك في حماية المنطق الإنساني وحماية الحاسة الاجتماعية على الخصوص، فكلما هبط الإنسان من مرتبة التصرف المنطقي الذي يناسب علاقاته الاجتماعية كان ذلك مثيرًا للضحك منه لتنبيهه إلى تقصيره، على شريطة الوقوف بهذه الأخطاء عند حد لا يبلغ الإجرام ولا يدخله سوء النية، بل يخلو من كل قصد يقصده الكائن العاقل المتصرف، فيرتد إلى الحركة الآلية التي تتجرد من المقصد في جميع الحركات.

*****

المصدر:

عبّاس محمود العقّاد: جحا الضّاحك المضحك، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ص ص48-51.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق