الكاريكاتير في المغرب: ذاكرة السخرية وتعرية التابوهات / نجيب مبارك

يتتبّع الباحث المغربي إبراهيم الحيسن في كتابه “الكاريكاتير في المغرب: السّخرية على محكّ الممنوع”، الصادر مؤخّراً في الرباط، مسار ولادة وتطوّر فنّ مشاكس وعنيد، هو فنّ الكاريكاتير، باعتباره تجسيداً للسّخرية الأيقونية، من حيث هي مجموعة من الخطوط والأشكال والألوان، يستعين بها الفنّان الساخر بهدف التعبير عن موضوع معيّن، أو قضية ما، بأساليب فنّية لا تخلو من تهكّم وسخرية، كما تعتبر هذه السّخرية نمطاً تعبيرياً يتماشى مع ذوق العامّة ويعبّر عن انشغالات النّاس وهمومهم اليومية، مثلما تُعدّ مجالاً جمالياً يجد فيه المتلقّي تنفيساً لرغبات مكبوتة ومُصادَرة اجتماعياً ودينياً وسياسياً.
السخرية، الكاريكاتير والذاكرة
يتوزّع الكتاب على ثلاثة فصول، يتناول أوّلها السّخرية والسخرية الأيقونية، كمفاهيم اشتغلت عليها حقول ومباحث أدبية وفنية عديدة، اعتبرتها وسائل وأدوات لإنتاج الضحك والفكاهة، بحيث تنوّعت فيها الأغراض والمرامي والسياقات. بينما اختار الفصل الثاني أن يقارب الكاريكاتير باعتباره مصطلحاً وإبداعاً احتلَّ مكانة مرموقة داخل نسيج التعبيرات التشكيلية الهادفة والسّاخرة، وذلك بالاستناد إلى تاريخية هذا الفنّ ومرجعياته البصرية والإبداعية المتعدّدة، مرفقة بتعريفات ومقولات لرسّامين ونقّاد وباحثين مرموقين لهم إلمام واسع بـ”كارتوغرافيا” هذا الإبداع المشاغب والمزعج، الّذي تأسس جماليا على وظائف نقدية تفضح الميادين الاجتماعية والسياسية وغيرها.
أما الفصل الثالث، فقد تناول تجربة الكاريكاتير في المغرب، وقد شمل جزءاً من تاريخ هذا الفنّ انطلاقاً من تجربة الرسامين الرواد، وما تلاهم من رسّامين ومبدعين حملوا لواء الكاريكاتير في ظروف سياسية صعبة، مع تباين في الصيغ والمعالجة والتعبير، كما تناول هذا الفصل صحافة الكاريكاتير في المغرب سواء منها الصحف الساخرة الرائدة (أخبار الدنيا، الكواليس، أخبار السوق، التقشاب، الأسبوع الضاحك، أخبار الفن…). وفي الخاتمة، رصد الباحث جملة من الإكراهات التي تعترض مجال الكاريكاتير، كما ورد في شهادات وكتابات

رسامين مغاربة ينتمون إلى حقب وأجيال مختلفة، ليخلص الكتاب إلى توصيات وتدابير تدعو إلى توثيق الرسم الكاريكاتيري في المغرب ودعم مبدعيه وتحفيزهم على المزيد من العطاء والإبداع.

مسار ولادة الكاريكاتير
استطاع فنّ الكاريكاتير، على امتداد مراحل الصراع في المجتمع الإنساني، أن يعالج كثيراً من مظاهر “الحمق” وضروب الظّلم وتقويم السلبيات، وأن يملأ بالابتسامات قلوب الملايين من الناس. ووفقاً لذلك، يعدّ الكاريكاتير وسيلة للإفصاح عن المسكوت عنه وتعرية التابوهات الّتي تبتكرها السلطة الحاكمة، بل هو خطاب ساخر في شكله وفاعل في محتواه، وقادر على توعية الشعب وتقريب المشكلات والحلول من الأذهان. لهذا، يعتبر الكاريكاتير في المجتمعات المتقدمة تيرمومتراً دقيقاً لقياس درجة حرارة الديموقراطية، بينما نجد المجتمعات التي لا ديموقراطية فيها ما زالت تعتبر الرسوم الكاريكاتيرية ضرباً من الممنوعات الّتي يجب مصادرتها. وقد جاوز الكاريكاتير في السنوات الأخيرة مساحته التقليدية في التعبير، وهي الصحف والمجلات إلى اختراق أجهزة أوسع انتشاراً، وهي الإذاعة والتلفزيون، ليصبح حاضراً بشكل يومي في كل وسائل الإعلام المقروء والمرئي.
بالعودة إلى الماضي، نكتشف أن فن الكاريكاتير خرج من رحم الصحافة، وكان ظهوره الأول في أوروبا. ويدعي الإيطاليون أنهم مؤسسوه أثناء عصر النهضة، حيث نما هذا الفن في أعمال الفنان الكبير تشيمبولدو. كما عبّر الفنان ليوناردو دافنشي عن سخطه واستيائه من الحرب، فرسم معركة “دانجاي” الشهيرة التي وقعت بين الفلورنسيين وأعدائهم بأسلوب تهكمي كاريكاتيري. بينما يعتبر كلّ من أنابال كراتشي (1560-1609) وبرنيني هما الرائدان الفعليان لفنّ الكاريكاتير. فالأوّل كان ينجز الأعمال الكارتونية السّاخرة، بينما يعتبر الثاني أوّل من أدخل الرسم الكاريكاتيري إلى فرنسا سنة 1665، قبل أن تظهر جريدة “لاكاريكاتير” الأسبوعية الّتي أنشأها الليثوغرافي الفرنسي شارل فيلبوم سنة 1930، حيث لعبت دوراً كبيراً في انتشار الرسم الكاريكاتيري وانتشار الصحافة الساخرة في أوروبا. غير أنّ أول رسّام احترف فنّ الكاريكاتير هو من دون شكّ بيير ليوم غيتزي (1674-1755) الّذي كان يتاجر بشكل حرّ في رسوماته الكاريكاتيرية في مدينة روما في وقت لم يكن ينظر إلى هذا الفنّ بعين الرضا.
أما على المستوى العربي، فيعتبر قدماء المصريّين أوّل من تنبّه إلى فن الكاريكاتير، فكان الفراعنة يستخدمون الحيوانات والرّموز البسيطة للتعبير عن آرائهم الحقيقية في أصحاب العروش. ويعدّ الفنّان محمد عبد المنعم رخا الأب الحقيقي لفن الكاريكاتير العربي. فقد ابتكر رخا عدداً من الشخصيات الّتي نالت شهرة كبيرة، مثل ابن البلد ورفيعة هانم والمصري أفندي،

وكانت هذه الشخصيات مصرية صميمة في خفّة دمها وتعبيرها عن نبض الشارع المصري، وتجسيدها لأحلام المواطنين وانتقادها للأوضاع الاجتماعية والسياسية بروح لاذعة وخطوط جرّيئة. ومن مدرسة رخا تخرّجت معظم الأسماء الّتي اشتهرت بعد ذلك، مثل عبد السميع عبد الله، زهدي، صلاح جاهين، جورج بهجوري، مصطفى حسين.

الكاريكاتير في المغرب
يُعتبر الرسم الكاريكاتيري حديث العهد في المغرب، شأنه في ذلك شأن مختلف الرسوم الشعبية والتعبيرات الصباغية والفنون الخطّية، التي لم تبرز بشكل متداول في الساحة التشكيلية المغربية سوى مع ظهور أوّل لوحة مِسندية بالشمال خلال نهاية عشرينيات القرن الماضي وتنسب إلى الفنان العصامي محمد بن علي الرباطي (1861-1939). وبالطبع، نشأ فنّ الكاريكاتير في ظروف سياسية واجتماعية حسّاسة ساهمت في حظره ومصادرته ومنعه، لا سيما في اتّصاله بالصحافة المكتوبة، خوفاً من أيّ دور تحريضي يلعبه. وقد طال الحظر والمنع صنوفاً وتعبيرات أيقونية كثيرة كانت تنتج الفكاهة والسخرية والضحك من أجل نقد السلطة والمؤسسات المتواطئة معها، بما في ذلك الفرجة الشعبية والمسرح الضاحك والأغنية الهزلية وغيرها. والسبب أن الكاريكاتير الساخر في المغرب يشتغل كثيراً على تعرية سوء التسيير السياسي وكشف هشاشته، وهو ليس بالضرورة إبداع غايته الإضحاك بقدر ما هو فنّ يدعونا إلى الاستبطان والتأمل في موضوع الكاريكاتير نفسه. ويرى الرسام عبد الغني الدهدوه بأنّ الكاريكاتير المغربي تأثّر بمدرستين كبيرتين، هما المدرسة الغربية الّتي تتميّز بكثرة التعليقات ومدرسة أوروبا الشرقية التي تتميز بندرة التعليقات والاعتماد على الخطوط لإيصال الفكرة، لهذا يصعب تأكيد استقلالية الكاريكاتير المغربي وتمييزه عن الكاريكاتير العالمي.
وبشكل عام، يمكن القول إنّ الكاريكاتير في المغرب لم يتحقّق ظهوره سوى خلال العقد الثالث من القرن الماضي، حين أصدر صحافي يدعى “ميسة” صحيفة ” مجلة المغرب” فاتحاً الباب لظهور منابر كاريكاتيرية ساخرة أخرى، أبرزها “مجلة الاثنين” و”المطرقة”، لكن ومع مطلع الستينيات ستبرز الرسوم الساخرة الّتي كان ينجزها الفنّان التشكيلي العربي بلقاضي (1939-2001)، الذي يعدّ من أوائل رسامي الكاريكاتير الساخر في المغرب. بينما يقف إبراهيم لمهادي بين الفنّانين الأوائل الذين أسّسوا للرسم الكاريكاتيري في المغرب، وقد عبرت رسوماته الحدود إلى بعض المنابر الإعلامية العالمية، نال بفضلها جوائز دولية، أهمها جائزة عن معالجته لحرب فيتنام سنة 1966. ومن جهة أخرى، برز اسم بوهالي حميد كواحد من أقدم رسّامي الكاريكاتير في المغرب، والذي تتّسم رسوماته الفنية عموماً بمسحة الكاريكاتير السردي الغارق في الحكي الشعبي واليوميات. وتعود تجربة بوهالي إلى السبعينيات حيث كان يرسم لسنوات بجريدة “أخبار الدنيا” وبجريدة “الكواليس” التي كان يديرها مصطفى العلوي، قبل أن يؤسّس في مطلع الثمانينات جريدتي “أخبار السوق” و”التقشاب” اللّتين تعرّضتا للمنع سنة 1982 بقرار من وزير الداخلية المغربي آنذاك.
إلى جانب هذين الفنّانين الرائدين، لمعت أسماء أخرى في سماء الكاريكاتير المغربي، على

رأسها تجربة الفنان العربي الصبّان الّذي كان يكتب سلسلة مقالات ساخرة بصحيفة “العلم” تحت عنوان “التنكيت زمن التبكيت”، وأيضاً ينشر في صفحتها الأخيرة رسوماته الكاريكاتيرية الاجتماعية والسياسية التي كان ينجزها بأسلوب فنّي نادر، وهي رسومات كانت تتصدّرها شخصية “مهماز” العنيدة الّتي تجسّد مواطناً مغربياً بئيساً حافي القدمين بطاقية مخططة فوق الرأس. كما أنجز الصبان رسوماً لفائدة صحيفة “القدس العربي” في الفترة ما بين 1990 و1993. ثمّ هناك الراحل محمد عليوات (حمودة) الّذي تألّق برسوماته الإيضاحية الّتي أغنت صحيفة “الاتحاد الاشتراكي” طيلة فترة اشتغاله بها، منذ سنة 1984 إلى أن رحل في عام 1998. كما برز بشكل لافت الرسام عبد السلام المريني، شيخ رسامي الكاريكاتير بشمال المغرب، الّذي ظهرت رسوماته بجريدة “الشرق الأوسط”، قبل أن تشمل منابر مغربية عديدة من بينها “الخضراء” ،”أنوال”، “العلم”… كما لا ننسى الرسام عبد الله الدرقاوي الّذي يمثّل اسماً بارزاً في الكاريكاتير المغرب بالنّظر إلى ما راكمه من مشاركات دولية وحضور وازن خلال الملتقيات والجوائز العالمية التي نالها عن أعماله.
أما بالنسبة للفنانين من الجيل الجديد، فتعرف الساحة المغربية اليوم غنى وتنوعاً في التجارب الفنية، تعكس حيوية وتطورا كبيرين في فن الكاريكاتير، ويكفي أن نذكر أسماء بعض الفنانين الأكثر شهرة في السنوات الأخيرة، مثل: خالد الشرادي، خالد كدار، عبد الغني الدهدوه، محمد الخو، أبو علي، بونيلا، رهام الهور… إلخ.

عنوان الكتاب: الكاريكاتير في المغرب: السّخرية على محكّ الممنوع المؤلف: إبراهيم الحيسن

عن ملحق “ضفة ثالثة”

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق