“سارقو المتاجر” لهيروكازو كور-إيدا.. مسألة عائلية / محمد صبحي

بعض الأفلام يقتلك، ببساطة. فجأة، وبكثافة مكتنزة، قد ينزل فيلم على المتفرج بحيث يصعب على الأخير ألا يتحمس، ويتأثر به كليّة، أو يستسلم سلبياً لخيار التخلّي عن سطوته الهائلة المفاجئة. وثمة أفلام أخرى، تقترب من جمهورها بروية، بشكل حثيث ومن دون إزعاج، ومع ذلك، في نهاية الأمر، يمكنها أيضاً تجاوز كل التوقعات، وربما ما هو أكثر من ذلك.

“سارقو المتاجر”(*)، الفيلم الجديد للياباني هيروكازو كور-إيدا، ينتمي للنوع الأخير، بقصته البسيطة وسرده الآسر والتزامه الإنساني الأصيل، متخففاً من استخدام أي مؤثرات أو طاقات خارجية خاصة، ليدفع دراما حكايته اعتماداً على منطقها الداخلي وتشابك عواطفها وسحرها العادي، بأقل قدر من النزوع العاطفي المبتذل. والسؤال الذي يعيد المخرج الياباني طرحه مرة أخرى هو سؤال معروف جيداً: ما العائلة، وما الذي يحددها حقاً؟ مع ذلك، من المدهش دائماً مدى التفاني والحكمة والودّ الذي يستكشفه المعلّم الياباني في دراسة مدى تعقيد الإجابة وجوانبها المختلفة.

في الفيلم، ثمة عائلة “مخترَعة “تجتمع حول عامل البناء أوسامو (ليلي فرانكي) وزوجته المفترضة نوبويو (ساكورا أندو) التي تعمل في مغسل للملابس، جنباً إلى جنب، مع جدة مفترضة تعيش على راتبها الاجتماعي الهزيل، وحفيدة مفترضة تعمل في واحدة من أكثر المهن كآبة، والصبي شوتا الذي يعتبر حفيداً مفترضاً هو الآخر، ثم الطفلة يوري آخر الأحفاد وأجددهم.. يعيشون في منزلهم المتواضع في مكان ما من ضواحي طوكيو، لا نراه كثيراً في ما يأتينا من صور يابانية. ما يربطهم جميعاً شيء أقوى من الدم والقوانين الأرضية، وما يبدو من وئام رقيق يحيط اجتماعهم في البداية، تستكمله كيمياء مضبوطة مطلوبة لإنجاح سرقات يومية صغيرة تزوّدهم بدخل غير كافٍ، فضلاً عن شعور غير مشروط بالمودة والتكاتف في ما بينهم. وكل ذلك الترابط العضوي يتجلى في مواجهتهم شبح الخطر الأكبر: أن تُكتشف بنيتهم العائلية غير التقليدية، وتنكسر لُحمتهم، فيتفرّقون فرادى في الزحام.
Video Player
في حياته المهنية، التي أكسبته مقارنات مع مخرجين مكرّسين، بداية من مواطنه ياسوجيرو أوزو، وحتى الأخوين البلجيكيين داردان، عاود كور-إيدا تناول فكرة الأسرة والروابط العائلية في أفلامه، وبالتالي ألقى بآراء لافتة وغير مألوفة في كثير من الأحيان عن مجتمعنا المعاصر المعقد. وموضوع ما إذا كانت ومتى كانت عائلة “حقيقية” أو “مخترعة”، ليس جديداً بأي حال من الأحوال على السينمائي الياباني الأبرز خلال ربع القرن الأخير. ففي فيلمه “ما زالوا يمشون” (2008)، حقق واحداً من أكثر أفلامه بيوغرافية حول عائلة يجتمع شملها بعد وقت طويل من فقدان أحد أفراد العائلة. وفي فيلمه “أتمنّى” (2011)، أكثر أفلامه بهجة وتفاؤلاً، نتابع حكاية شقيقين تمزّقت علاقتهما بسبب طلاق والديهما. وفي “الابن سرّ أبيه” (2013) تطالعنا حكاية عجيبة عن أسرتين تبادلا طفليهما بالخطأ عند ولادتهما، ومن قبل ذلك كله، في “لا أحد يعلم” (2004)، حقق نجاحه العالمي الكبير الأول، حيث نشهد وقائع مؤلمة لترك أم لأطفالها الأربعة.

وكما هو الحال في فيلمه “لا أحد يعلم”، يركّز كور-إيدا على شخصيات تعيش على هامش المجتمع الصناعي المتقدم، تخترع مبادئها وقوانينها الخاصة وتعيش بسعادة، بموازاة عالم خارجها تتحدد في مجتمعه العلاقات بصرامة الدم والنسب. يقدّم الفيلم بورتريه مرسوماً بعناية، وليس إلهاماً مسترسلاً بقوة القصور الذاتي لحكايات تعطي شعوراً طيباً لمشاهديها. في أحد المشاهد، يستلقي أوسامو على ظهره، في ظهيرة رطبة، ممسكاً كيساً بلاستيكياً في الهواء، مثل قطة تلعب. أجواء مثل هذه المشاهد هي ما يغلّف كامل الفيلم، بدِعَته الهشّة وهدوئه الحذِر، في زاوية منسية من العالم حيث تتفق مجموعة من البشر على تكوين عائلة صغيرة تخصّها، حيث للمرح قيمة مهمة وليس محصوراً في الصغار. ومثلما تحضر ثيمة فعل الشيء الصحيح في المكان الخطأ، في فيلم “الابن سرّ أبيه”، ينشغل “سارقو المتاجر” بسؤال مشابه حول دعاوى الملكية والولاءات الاجتماعية ومسؤوليات الآباء وحب الآخرين. قضايا كبيرة يعكسها كور-إيدا بعناية فائقة ودقة شاعرية تكاد تُخفى نفسها في مفاتيح البيانو من رقّتها.

والبيانو هو المرافق الموسيقي الأكثر حضوراً في كل أفلام كور-إيدا، وهو ملازم متوافق تماماً مع ما تقدّمه تلك الأفلام من ملاحظة هادئة في وقائع حيوات ومصائر بشر تمتزج فيها الدراما بالمرح واليومي بالسحري، من دون أن يفقد السينمائي قدرته على النظر إلى مساحات رمادية وظلّية، يزداد ضبابها بسبب غموض أصبح في صلب فكرة العائلة الحديثة نفسها.

شيء آخر يجعل الفيلم حدثاً سينمائياً خاصاً، إذ ليست معتادة رؤية دراما اجتماعية محكمة بدلاً من الحكايات الخيالية وقصص المغامرات، تدين بالكثير لأسلوب السرد المميز لكور-إيدا وإلى تكوينات كاميرا ريوتو كوندو التي تضيف دائماً لمسة من الميلانكولية والأمل في الأحداث المضطربة بشكل متزايد على الشاشة. ما يتبقى هو تحفة سينمائية صغيرة تتواجد في مكان يتجاوز الخير والشر، الصواب والخطأ، ما تملكه وما هو لغيرك. مكان يتذبذب بين أنواع مختلفة، مثلما بين أمزجة مختلفة؛ بهدوء وببراعة تجاوُر لحظات مؤلمة ورائعة من الحب غير المشروط وغير المحدود، في عالم أصبحت “قواعده العامة” سجناً أبدياً لبشر لم يختاروا أصلاً الحياة في ظلالها.

(*) عُرض الفيلم مؤخراً في بيروت. ونال جوائز سينمائية عالمية عديدة، أبرزها السعفة الذهب من مهرجان “كان” السينمائي 2018، وجائزة أفضل فيلم في جوائز الفيلم الآسيوي 2019، و”سيزار” أفضل فيلم أجنبي 2019.

عن المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق