500 عام على وفاة دافنشي: فن رفيق للفلسفة والعلم / سارة عابدين

بعد مرور 500 عام على وفاة الفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي، يوم 2 مايو/ أيار 1519، ما زالت أسرار أعماله الفنية والنحتية غير مستكشفة بعد. ولا يمكن بأي حال من الأحوال حصر دافنشي في كونه رساما ومصورا فقط، فقد كان أيضاً خبيراً بأصول التشريح، وملّماً بشؤون الطبيعة، وساعياً وراء العلوم والمعارف العلمية والنظرية.
كان الفن والعلم أشد ارتباطاً عند دافنشي منهما في عصرنا الحالي، لذا كان فنه رفيقاً للفلسفة والعلم. حتى ظهور دافنشي كان الفن فقط في خدمة الدين، بينما حاول هو أن يجعل الفن في خدمة الحياة والإنسانية. فقد كان يرى أنه ليس هناك ارتباط بين الدين والعلم، على عكس ما كان يرى غيره من علماء العصور الوسطى خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، فلم يشغل نفسه بالتوفيق بينهما، ما جعله أكثر حرية في الاستكشاف.
بالرغم من أنه كان يهدف في أعماله الفنية إلى التعبير عن الجمال وفق مفهوم المثل الأعلى الجمالي بعصر النهضة، إلا أنه كان يرى الجمال كنوع من أنواع الفضول أو الأحجية التي يتوجب عليه حل طلاسمها حتى يصل إلى الحقيقة، فقد كان حريصا على التعرف على كنه الجمال وسره، لكي يمكنه التعبير عنه بالطريقة التي تخصه.
حياته المبكرة
ظهرت الميول الفنية لدافنشي في وقت مبكر، عندما كان عمره حوالي 15 عاما، وقام والده بإلحاقه بورشة “فيروتشيو” الشهيرة آنذاك، وتلقى تدريبات متعددة شملت الرسم والنحت، وفنون

“حتى ظهور دافنشي كان الفن فقط في خدمة الدين، بينما حاول هو أن يجعل الفن في خدمة الحياة والإنسانية”
الميكانيكا. في عام 1472 تم قبوله في نقابة الرسامين بفلورنسا، لكنه بقي في الورشة لمدة عامين آخرين، وتدرب على الرسوم الفنية، مثل المضخات والأسلحة العسكرية والأجهزة الميكانيكية، الأمر الذي يوضح أسباب شغفه بالميكانيكا والهندسة الفنية منذ بداية حياته.
في عام 1482 انتقل دافنشي إلى ميلانو، إذ كانت الروح الأفلاطونية السائدة في فلورنسا ضد رغبات دافنشي وعقله الموجه للتجريب.
أمضى دافنشي 17 عاما في ميلانو، حتى سقوط لودفيكو من السلطة عام 1499، وتم إدراجه في سجلات العائلة المالكة كرسام ملكي، بسبب شخصيته الأنيقة الكريمة، وسمعته الطيبة في الأوساط الفنية والملكية، كما كانت تتم استشارته كمستشار تقني في مجالات الهندسة المعمارية والتحصينات العسكرية، وعمل مهندسا هيدروليكيا وميكانيكيا، ووضع لنفسه أهدافا لا حدود لها، وكان دائما يتتبع هدفه.
من أهم اللوحات التي أنجزها دافنشي في تلك الفترة، لوحة “عذراء الصخور”، ولوحة “العشاء الأخير”. بالإضافة إلى ذلك عمل على تمثال ضخم للفروسية (بارتفاع خمسة أمتار) من البرونز على شرف فرانشيسكو سفورزا، دوق ميلانو.

فترة الازدهار
غادر دافنشي ميلانو في ديسمبر 1499، بعد دخول الفرنسيين منتصرين إليها، ولجأ إلى البندقية، ومن البندقية عاد مرة أخرى إلى فلورنسا بعد غياب طويل، واستقبل بترحاب كبير، وفي نفس العام تم تعيينه خبيرا معماريا في لجنة التحقيق في الأضرار التي لحقت بكنيسة سان فرانسيسكو والهيكل الخاص بها.
خلال تلك الفترة أيضا اهتم دافنشي بالتشريح ودرسه دراسة علمية بمستشفى سانتا ماريا نوفا، ووسع عمله التشريحي ليشمل دراسات كاملة للهيكل البشري ووظائفه، بالإضافة لدراسته حول طبيعة وحركة المياه، والخواص الفيزيائية لها، مقارنة بخواص الهواء.

فترة ميلانو الثانية
حاز دافنشي على تكريم كبير من الملك لويس الثاني عشر بميلانو، واقتصرت مهامه على المشورة في المسائل المعمارية، والتفكير في بعض المشروعات الهندسية، والجسور التي تربط ميلانو بأماكن أخرى. خلال تلك الفترة أصبح مرسم دافنشي تجمعاً للفنانين والطلاب والأتباع الذين كانوا أكبر سناً في بعض الأوقات.
ازدهر نشاط دافنشي العلمي خلال تلك الفترة، وحقق دراسات وإنجازات جديدة في علم التشريح، خاصة بعد تعاونه مع ماركنتونيو ديلا توري، عالم التشريح الشهير، وقام بوضع خطة شاملة للجسم البشري وأجهزته، ووظيفة كل عضو.
كانت مخطوطاته زاخرة بالدراسات الرياضية، والضوئية والميكانيكية، والجيولوجية والنباتية، وكانت تلك الدراسات تستند إلى فكرة مركزية مفادها أن القوة والحركة كوظائف ميكانيكية أساسية تنتج جميع الأشكال الخارجية في الطبيعة العضوية وغير العضوية وتعطيها شكلها الخارجي.

السنوات الأخيرة
في نهاية عام 1513 ذهب دافنشي إلى روما برفقة مساعديه وتلاميذه، وبقي هناك ثلاث

“مخطوطاته زاخرة بالدراسات الرياضية، والضوئية والميكانيكية، والجيولوجية والنباتية، وكانت تلك الدراسات تستند إلى فكرة مركزية مفادها أن القوة والحركة كوظائف ميكانيكية أساسية تنتج جميع الأشكال الخارجية في الطبيعة العضوية وغير العضوية وتعطيها شكلها الخارجي”
سنوات، ازدهر خلالها النشاط الفني بشكل كبير، حيث كان رافائيل يرسم غرف منزل البابا، ومايكل آنجلو يكافح لإكمال قبر البابا يوليوس الثاني، بالإضافة إلى نشاط العديد من الفنانين الشباب.
في سنّ 65 قبل دافنشي دعوة الملك فرانسيس الأول لزيارة فرنسا وخدمة الملك، وفي عام 1516 غادر إيطاليا إلى الأبد مع ميلزي تلميذه الأقرب، وقضى السنوات الثلاث الأخيرة من حياته في منزل صغير بالقرب من قصر الملك.
حمل في نهاية حياته عدة ألقاب منها: الرسام الأول، ومهندس الملك، وعامله الملك بكل احترام كضيف شرف دائم على القصر، وسمح له بحرية التصرف.
لم يرسم دافنشي سوى القليل من اللوحات أثناء وجوده في فرنسا، بالإضافة إلى عمله على أطروحته عن علم التشريح.
توفي دافنشي بعد حياة حافلة ودفن في كنيسة قصر سان فلورنتين. ودمرت الكنيسة خلال الثورة الفرنسية، وتم هدمها بالكامل في بداية القرن التاسع عشر؛ ولم يعد ممكنا تحديد موقع قبره تماما.

“العشاء الأخير”
يعتبر إنتاج دافنشي الذي نجا ضئيلا بالفعل، فقط 17 لوحة، بالرغم من اعتباره أبرز المهندسين المعماريين والرسامين والنحاتين، ومؤسس عصر النهضة العليا، كما أن أعماله لم تتأثر بتقلبات الأفكار الجمالية في القرون والمدارس الفنية اللاحقة، وبقيت كقطع جمالية عظيمة.
ربما يرجع سبب عدم اكتمال عدد كبير من لوحاته إلى أنه كثيرا ما كان يخفق في أداء مهماته، فقد كان يشرع في لوحة ثم يتركها غير مكتملة، رغم مطالبات الراعي الملحة، لكنه كان يصر على أنه هو نفسه من يقرر انتهاء العمل، ويرفض تسليمه حتى يرضى عنه.
أغلب معاصري دافنشي يتأسفون على الطريقة التي بدد بها وقته متنقلا بين فلورنسا وميلانو وروما وأخيرا فرنسا. ومن سوء الحظ أن عددا من أعماله التي أكملها في سنوات النضج الفني وصلت إلينا في حالة رديئة جداً.
حين ننظر إلى جداريته الشهيرة “العشاء الأخير” يجب أن نحاول تخيل كيف بدت للرهبان الذين رسمت لهم. اللوحة تغطي جدار قاعة مستطيلة كانت تستخدم كقاعة طعام لرهبان دير سانتا ماريا دل غراتسي بميلانو. وعندما أزيح الستار، ظهرت مائدة المسيح وحوارييه جنباً إلى جنب مع موائد الرهبان الطويلة، وبدا الأمر وكأن قاعة أخرى قد أضيفت إلى قاعتهم، اتخذ العشاء الأخير فيها صورة ملموسة.
اندهش الرهبان في البداية من التفاصيل الدقيقة في اللوحة والتي تشبه الطبيعة، من الصحون

“اندهش الرهبان في البداية من التفاصيل الدقيقة في لوحة (العشاء الأخير)، التي تشبه الطبيعة، من الصحون والمائدة، وطيات الملابس، والضوء الساقط على المائدة، وكيف أسبغ الاستدارة والتجسيم على الشخوص”
والمائدة، وطيات الملابس، والضوء الساقط على المائدة، وكيف أسبغ الاستدارة والتجسيم على الشخوص، لكن ذلك لم يكن سوى استجابة أولى لرهبة اللوحة.
بدأ الرهبان بعد ذلك في الالتفات إلى طريقة دافنشي في تصوير القصة الواردة في الكتاب المقدس. لا شيء في هذا العمل يشبه أي تصوير قديم للموضوع ذاته. ففي النسخ القديمة يظهر الحواريون وهم جالسون باطمئنان صفا واحدا إلى المائدة، ويهوذا معزول عن البقية، بينما المسيح يوزع القربان المقدس في هدوء. كانت لوحة دافنشي مختلفة عن ذلك التصور، إذ إنها انطوت على دراما وانفعال.
لقد عاد ليوناردو مثل جيوتو من قبله إلى نص الكتاب المقدس، وبذل جهده لكي يتصور مظهر المسيح حين قال “الحق أقول لكم إن واحدا منكم يسلمني”، فحزنوا جدا وأخذ كل واحد منهم يقول: “هل أنا هو يا رب؟” (إنجيل متى 26: 21- 22). إن هذا السؤال وهذه الإيماءة هما اللذان بعثا الحركة في المشهد. كان المسيح قد قال كلماته الباعثة على الأسى، فارتد الذين على جانبيه خوفا إلى الوراء عند سماع الرؤيا. البعض الآخر حاول تأكيد براءته وحبه للمسيح، وبعضهم يناقش من عسى أن يكون المقصود، ويبدو الباقون وهم ينظرون إليه مستوضحين ما قال.
إذا نسي المتفرج جمال التكوين، يشعر فجأه أنه يواجه قطعة من الواقع مقنعة وإنسانية، إذ لم يهتم دافنشي فقط بالتكوين والتقنية واتجاه الضوء، لكنه كان متبصرا أيضا لسلوك الرجال حول المسيح واستجاباتهم النفسية والحركية، مع قوة خيال كبيرة مكنته من وضع المشهد أمام أعين المتفرج.

 

عن العربي الجديد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق