مؤسسة «المنطق» العابرة للتاريخ / عمار المأمون

ترمى «الحلول المنطقيّة» بوجه أولئك العاطفيين أو الضاحكين أو اللاجديين، الذين يُتهمون بأنهم «لا منطقيين» ولا يدركون كيف تجري الأمور. ومنهم هاملت، هو لا منطقيّ لأنه شاهد شبحاً، لا لأنه يريد الانتقام. أو المُنتحر، هو لا منطقيّ، لأنه يمارس أقصى السيادة على حياته ويصادر حق الدولة والإله بها. هذه التهمة، «لا منطقي»، تكشف عن تاريخ «العقل» وهيمنته، وما نشأ عنه من قوانين وضوابط أوصلتنا إلى الآن، إلى هذه اللحظة التي نتواصل عبرها خلال الشاشات ونتابع «لا منطقيّة» رئيس أقوى دولة في العالم.

نتتبع سطوة هذا «المنطق» في التاريخ الثقافيّ عبر ملاحقة نقيضه وعدوّه في كتاب اللامنطق: تاريخ الجانب المظلم للعقل لجوستين إي. أش. سميث، أستاذ الفلسفة وتاريخ العلوم في جامعة باريس السابعة؛ ونقرأ في ثمانيّة فصول عن هيمنة المنطق وتقاليده، وتوليده لأعدائه، أولئك الذين نَفَاهم من تقليده اللغويّ، لنصل إلى التنوير والهيمنة العلميّة للعقلانيّ والديموقراطيّ، تلك المفاهيم التي تبدو “منطقيّة” جداً، لكنها كظاهرة ثقافيّة أشبه بالدين أو الميتافيزيقا، تفسيرات لغويّة للعالم، ومناهج للحكم تبدو صالحة، وجديّة، وخاليّة من أي خطأ أو تناقض، بعكس الأحلام والنكات والهلوسات وقراءة الطالع.

يُوظِفُ المنطق العنف كأداة لنفي أعدائه، حتى قبل محاكمة غاليليو، إذ ألقى الفيثاغورثيون زميلهم هيبسوس في البحر وتركوه للغرق، كونه اكتشف الأعداد اللامنطقية عبر معادلة رياضيّة توضّح وجودها ضمن النظام العلمي وتكوين العالم، ما شكل صدمة للفيثاغورثيين. ومن هذه الحكاية يتناول الكتاب «المنطق» بوصفه تقليداً متوارثاً، وسلسلة من الحجج اللغويّة وألاعيبها ورثها الفلاسفة عن السفسطائيين. وكلما امتد هذا التقليد في الزمن، نفى ما حوله وما يهدده، أو بصورة أدق، ما يقدم تخيّلاً بديلاً عن العالم، وكأن تاريخ المنطق والتنوير والعقل المفاهيم التي «أقامت العالم الحديث» متطابقة مع تاريخ الحوادث والجرائم والحروب، ليتحرك التاريخ بين «المنطقي» و«اللا منطقيّ»، الحجة وضدها، والسعي دوماً لإعادة تعريف اللامنطقيّ وتقليص دوره.

يتجلى هذا القرين المختلف والخطير، على المستوى الشخصيّ، بالأحلام، المشاعر، الشغف، الرغبة، اللذة، أثر الكحول والمخدرات؛ وعلى المستوى الاجتماعيّ والسياسيّ، نراه في الدين والروحانيات والسرد و نظريات المؤامرة والتعصب الرياضيّ وأعمال الشغب. هذا اللامنطقي هو ما يحرك التاريخ البشريّ. وإن كان المنطق يسعى للتنوير، وخلق التوازن في الحياة البشريّة لمنفعة الجميع والمساواة بينهم، فالأفعال اللامنطقيّة يفترض أنها تهديد له، لكن نكتشف أن الأمر ليس كذلك، المنطق ليس ثابتاً أو محركاً واحداً للعالم نحو شكل مثالي، فلا «كائن» أو «كيان» يتطابق مع مقولاته المتخيّلة، النازيةّ كان لديها حلم «منطقيّ»، دولة وطنيّة متماسكة، الديمقراطية ذاتها، تسعى لذات الشيء، مواطنون متساوون بالحقوق والواجبات.

اللامنطق: تاريخ الجانب المظلم للعقل

يتناقض التقليد اللغويّ لتعميم ما هو متنور ومنطقيّ ومتعالي، مع ذاك البشريّ، اللامنطقيّ، العاطفيّ، ليتحول التنوير حسب الكتاب ومتابعة لتقاليد مدرسة فرانكفورت إلى ميثولوجيا، منهج وتقليد قادر على تفسير «كل» العالم. لكن لماذا سؤال «اللامنطقيّ» الآن، عام 2019؟ لأن ترامب، عدو التنوير، له مؤيدين وأتباع ومؤمنين بـ «خطابه» وحلوله البسيطة، الواضحة، «نعم لنبني جدار»، حلّ منطقيّ لغوياً لأزمة المهاجرين، ذات الشيء مع «لنجعل أميركا بلداً عظيماً من جديد». لكن اللامنطق الذي يكمن في خطابه يتجلى في تهديده للـ «حقيقة». من يمتلك الحقيقة؟ الصحافة ؟ أخبار كاذبة. هو؟ الجميع يكذّبه دوماً. أجهزة التحقيق؟ لم يدينوه. المجتمع الدولي؟ يتعامل معه ويستجيب لقراراته. ما نكتشفه إذاً هو أن الحقيقة هشة وسياسيّة بحتة، بالرغم من لا منطقيتها.

ميوعة المنطق
لطالما كان «المنطق» ملكةٌ تُنمّى داخل العقل، ونزعة تسعى الفلسفة لتكوينها والاحتفاء بها، لتظهر الدولة التي تحتكر العنف وترتبط بتاريخ أوروبا نفسها، كأوج هذه «المنطقيّة» التي لا بد من تعميمها كخاصيّة «إنسانيّة»، وفرضها على «العالم». الأوربي كان يرى في نفسه سابقاً و حتى الآن، ولو بشكل آخر، متفوقاً ومنطقياً، يحتفل بالحليب ويستحمّ به لأن لونه أبيض، ويؤمن أن هناك عرقاً أشد عقلانيّة ودراية بقوانين العالم والطبيعة. حاربت هذه العقلانيّة الأوربية اللامنطق، نفت الأحلام بعد أن كانت وحياً إلهيا للحاكم، تحولت النبوءات إلى هلوسات. الأهم، أن انتصار شكل من أشكال «الإنسان» ترافق مع منطق محدد وشكل واحد للعالم، وتطور هذا الشكل مع الزمن والتكنولوجيا وليدة العلم والقوانين الأولى للعقل، جعلتا مفاهيم المنهج والتنوير مقترنة مع السلاح والعنف، اللذان يتجليان بالاستعمار.

مرة أخرى، لماذا الآن، عام 2019، ؟ لأن السياسة، الجديّة، والشكل المنطقيّ للحكم، تحول إلى حرب «ميمز» Mems ينشرها ترامب على تويتر مستوحياً من مسلسل «غيم أوف ثرونز»، ولأن هناك متحف لنظرية الخلق يثبت «حقيقة» سفينة نوح، ولأن هناك تنظيم بأكمله يؤمن بأن هناك حوريات في الجنة لابد من نيلها، ما كان إيماناً شخصياً تحول إلى سلوك اجتماعي وسياسي، يمارس في قمّة الهرم السياديّ، ذاك الذي يُبنى منطقياً بالتصويت الديمقراطيّ ضمن دول تضمن حقوق الإنسان.

التعميمات والسخريّة التي نوظفها ناتجة عن كم الأمثلة الهائل في الكتاب عن «ضد المنطق» والتناقضات السياسية والاجتماعيّة التي شهدها تاريخه حتى الآن. لكن ما يجب ذكره، أن الكتاب لا يعتمد على التراث «المنطقي» الفلسفي، بل يقتبس من الحكايات والأقاصيص الشعبية والروايات الأدبيّة ومختلف أشكال التعبير الإنسانيّ، التي حكم عليها «المنطق» بأنها لاجديّة، بمعنى أدائيّ، أي لا أثر حقيقي لها في الواقع -نظرياً-، لنكتشف لاحقاً أنه يمكن لنكتة أن تشعل مظاهرة ، ولرسم كاريكاتور أن يحرّك الجموع ويحشدها. وأيضاً، يمكن أن تتساوى حجج آل غور مع حكايات بورخيس، وتتشابه متخيلات ترامب عن العالم مع حكايات الأخوين غريم.

«أخطبوط يلتهم أبناءه»
لفهم المنطق كظاهرة ثقافيّة يتعامل معه الكتاب كتقليد، مجموعة من القواعد والأعراف اللغويّة التي تتكرر، و تتغير كلما تكررت وأنتجت ذاتها حتى يتلاشى أصلها وتتضاءل قيمته، إذ ينزاح المنطق عن الأصل في كل مرة يتكرر فيها، إلى حين يختفي الأصل ويصبح «لامنطقياً». فـ «لوغوس» كلمة الخلق الأولى، وكلمة منطق، تحولت إلى شكل خطابيّ، ريتوريكيّ، يُستخدم من قبل الخطباء والمحامين في قاعات المحكمة لإثبات البراءة. التلاعب بالعلاقات المنطقيّة داخل المنطق الأرسطي تحول من حجة فلسفيّة إلى أسلوب يستخدمه السياسيون ليُنتخبوا. ومع تطور التقاليّد نفى المنطق نقيضه، الحكايات، الأحلام، الفنّ، النكات، التاريخ، وكل ما يتجاوز إطار المنطق ومحدودية خياراته اللغويّة وعلاقاته التي تدّعي المنفعة، فنظرياً لا منطق يبشر بالخراب أو الشر، وكأنه في جوهره متعال عن الظاهرة البشريّة، بوصفه ملكة ميتافيزيقيّة تطفو فوق رؤوسنا، نحيد عنها أو نقترب منها.

بالعودة للأخطبوط وأبنائه حسب شيشرون، يمتلك المنطق القدرة على الاقتباس من «اللامنطق» لإثبات صحته، إذ يضرب الكتاب مثلاً بسلافوي جيجيك، الذي يقدم حججه ويسلسل منطقه كمؤد كوميدي، يحسن صياغة أفكاره مقتبساً من سينما هوليوود «الفن-اللامنطق» ليثبت الهيمنة الإيديولوجيّة، ويحكم بناء عباراته منهياً أيها بـ«بانش لاين» أشبه بنكتة متقنة الصياغة. فهو مثل كل مروجيّ المنطق ومتنبني تقنياته، الذين يوظفون حذلقات لغوية وعقليّة، تجعلهم مترفعين عن الظاهرة الدينية (اللامنطقيّة). فحسب جيجيك، مثلاً، حادثة التحرش التي شهدتها مدينة كولونيا من قبل مجموعة من المهاجرين يمكن تفسيرها «منطقياً» بأنها مشابهة لكرنفال باختيني يعود للقرون الوسطى، لكن لا يمكن تفسيرها بأنها سحر ألقته امرأة فاتنة في قلوب الرجال. المقصود أن كلا التفسيرين عشوائيين ومبتذلين، لكن «المنطقي» بينهما يطغى على الآخر ويعتبر أكثر شرعيّة لأنه صادر عن «فيلسوف».

الإنسان على حقّ، ولكنّ ؟
يحيلنا الكتاب إلى الانقلابة الأنطولوجيّة، والتسليم بصحة ومنطقيّة شكل الإنسان الطبيعي بوصفه المهيمن، المتربع على قمة الهرم الفكري، و يعنون الفصل الذي يتناول هذه الانقلابة بـ «لا داعي للتفكير»، العبارة التي تفترض أن الخيار الإنسانيّ صحيح دوماً بوصفه جزء من الطبيعة البشريّة أو الدماغ المولّد للمنطق. لكن في ذات هذا الجسد والعقل هناك اللامنطق، الروح و تجلياتها ، وكذلك الخوف والحبّ، اللذان لا تفسير لهما. وهنا نعود للتقسيم الثنائيّ وما ينتج عنه من حدود بين الجديّ الوظيفي العقلاني وبين المتخيل الهذياني اللامفيد، ذات الشيء ينطبق على الأحلام، التي نُفيت من المنطق والعلم، وأعادها سيغموند فرويد إلى الخطاب “العلميّ” في محاولة «لمنطقتها». وهنا يبرز التناقض، لِمَ نرفض منطقية الأحلام و نسلم بالرياضيات بأكملها، وكلاهما له أثر في الواقع؟ لِمَ ما ينتجه العقل من صور لا منطقي، وما ينتجه من أشكال هندسيّة وأرقام منطقي؟ نعود هنا للمنطق الأوروبي. الكثير من الحضارات «الأخرى» ترى الأحلام ذات معنى، بل ومنهجاً معرفياً؛ بعكس المركزية الأوروبيّة التي تنفيها، وهنا نكرر ذات السؤال: لِمَ يحوي الجبر حقيقة والأحلام تحوي الهلوسة، لكن كلاهما بلحظة ما قادران على إنتاج الـ «عبقريّة»، الصفة التي تتحرك بين المنطقي واللامنطقي دوماً، المثير للاهتمام أن هذه الصور والهلوسات تظهر في الفنّ وأشكاله، الذي يرى في المخيّلة بوابة نحو منطق بديل، أشد حرية وقدرة على مواجهة النظام المعرفي القائم.

انتصار التفاهة
كل الحججّ السابقة يمكن تفنيدها وإعادة قراءتها، لكن أشّد الظواهر «لامنطقية» هي العلوم الزائفة التي يعزو الكتاب سبب انتشارها وتزايد أتباعها إلى فوز ترامب من جهة وكم «البيانات» الهائلة المتوافر على الانترنت من جهة أخرى. فعندما نرى حجج المدافعين عن الأرض المسطحة، نلاحظ أنها أشبه بخطاب ترامب وجداره، إذ تعتمد المقاربات البسيطة شديدة المنطقيّة. نعم، الأرض مسطحة لأننا نرى جزيرة على الطرف الآخر من النهر. والأهم أنها توظف الغرور الشخصيّ عوضاً عن المعرفة العلمية، وتحول تقاليد العلم إلى شكل من اشكال «افعلها بنفسك» التي يروج لها اليوتوب. كذلك، يتلاشى مفهوم التجربة العلميّة وشروطها ومقاييسها أمام «الإيمان الشخصي» ونظرية المؤامرة التي تخفي «الحقيقة».

كسرت ديمقراطيّة المعرفة احتكار المؤسسات العلميّة، لكنها في ذات الوقت أتاحت ظهور مجموعة مُعتقدات تهدد هيكل العلم نفسه ومنتجاته، أما سبب رواج مؤتمرات الأرض المسطحة وسخريتهم من ناسا وشهرة تجاربهم «اللاعلميّة» الفاشلة، فهو شكل هذه الأفكار الذي لا يدّعي الترفع على الناس، و يدعو الجميع للمشاركة، بعكس رجال الدين والعلماء الذين يشتركون بامتلاكهم معارف لا يمتلكها العاديّ المصدق الأعمى. كذلك، تحوّل خطاب العلم إلى نكتة أو معرفة شعبيّة نقرأ عنها في مقالات «أشارت دراسة..» و«أثبت علماء..»، ليأخذ شكلاً يتطابق مع زوايا الأبراج: كلاهما يحفزان التسليم بقوة لا نعرفها، سواء كنا قرّاء جديين أو ساخرين لهذه الأشكال من «المعرفة».

 

عن الجمهورية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق