صندوق سهام ناصر السريّ وحكاياتها / منى مرعي

في استديو “زقاق”، امتثلت كلمات سهام ناصر جداراً أخيراً، يتوارى خلف قصاصات ورق ومقالات وكتابات، شكلت شاهداً على حياة المرأة التي امتشقت عبثية وجودها لاجئةً الى الموسيقى.. بالنسبة إليها، الموسيقى هي كل شيء. في حوار لها مع بترا سرحال، تقول سهام إن اكتشافها الموسيقى الكلاسيكية ذات صيف من طفولتها، غيّر نظرتها للأشياء. الفعل المسرحي، هو فعل نابع من موسيقى داخلية تبنيها سهام من أجساد ممثليها والفضاءات التي يشكلونها. هكذا كانت تستلهم من تقاطيع حركاتهم لتمضي في نغمتها الداخلية.

قبيل دخولي الى حفلة تكريم المسرحية والكاتبة الراحلة، سهام ناصر، والتي أقامتها “فرقة زقاق” قبل أيام، وقفتُ أمام زاوية، ضمت بورتريهات لسهام وصوراً لبعض عروضها ومقالات عنها وكتابات لها حول المسرح، بعضها منشور وبعضها الآخر ما زال مسودات بخط اليد بالإضافة إلى بعض النصوص والقصص القصيرة، وقصاصات اللاكي سترايك الصغيرة حيث دونت سهام بعض الخواطر. في حوزة “زقاق” صندوقان يحتويان على أرشيف صاحبة “الجيب السري” وتنوي الفرقة أن توثق تلك المواد المتنوعة، وتنسقها على أمل أن يبحث في امكانية نشرها في كتاب في ما بعد.

استوقفتني في تلك الزاوية مجموعة من النصوص، منها قصتان قصيرتان نشرتا في صحف محلية. إحداهما بعنوان “البوسطة”. لن يكون هذا النص أقل عبثية مما قدمته سهام على الخشبة. يبدأ بتصريحٍ عن الحب، حيث تتساءل حول مكمن سرّ المرأة التي حين “يغلبها العشق تبدأ من الصفر وتعود طفلة”، لينتهي ببوسطة وسائقٍ ربما يدعونه “سين”، “تدلت من شاربيه أيادٍ، بل مئات من الأيادي، تعلقت هناك على شفتيه الغليظتين، وقد سال منهما لعابٌ أزرق اللون”. ثم تختم نص البوسطة متسائلةً من أين أتى كل هؤلاء والى أين يمضون، لتقول في النهاية “شيءٌ عابر وكفى”. نص سهام ناصر غرائبي، ليس في مضمونه، انما في ربط تفاصيله وسياقاته، وليس سهلاً أحياناً الوصول الى هذا الخيط السردي الجامع لبعض تفاصيل الحكاية.

“تصنع دميةً للعب والفراغ” هو عنوان قصة قصيرةٌ أخرى نُشرت في “النهار”. المشترك بين هذين النصين أن البداية تنطلق دائماً من مكان، لتذهب بمسار السرد الى مكانٍ آخر. نورا “التي حملت المبضع الحاد والتي لونت به جرحاً بليغاً في جسدها”، وأعادت الكرة مراراً حيث كانت تغيّر كل يوم مكان الجرح… “كانت شريرة في خوفها و.. كل مرّة أرادت أن تقترب من الحرب وأن تشمّ رائحتها”. الا أن الحكاية تنتقل من هذا الفعل السادي الإنتقامي المبني على الخوف من الحرب، والتماهي مع سلوك العنف، الى علاقة حب. ذهابٌ وإياب الى حب، لم تحمد عقباه بنهاياتٍ سعيدة، وهذا ما يتجلى نوعاً ما في نص “البوسطة”. نورا حولت رجلاً الى نبي، ثم الى إله، حتى لفظت فعل النبوة عنه في النهاية، وأصبح هذا الطائر الأسود الصغير الذي تجلى كنبوءة تستبق النهايات، ومرآة تتصدّع ذات صباح، تزوجا ليومٍ وبضعة ساعات بعدما التقيا في قبرص، ثم عاد كل منهما على حدة الى “الوطن”. كررت تلك الكلمة في نصها هذا أكثر من مرة. وبين البداية والنهاية، حكايا عن علاقة الشاعر بجدّه، وعن دفن أفراد العائلة للجدّ ونبشهم لقبره، وعن الرقص وتوقفها عنه، عن فم الشاعر… يعود الفم ليحتل مكانةً ما في هذين النصين لسهام وبشكل سوريالي آخر: “لا تزال تذكر أنه كان يملك فماً كبقية المخلوقات وكانت تستمتع بملامسته، وتذكر أيضاً أنه كان يتكلم به أحياناً مع أنه لم يتعلّم القراءة جيداً”. عن أي قراءة تتحدث سهام؟

وتستمر الفانتازيا… حين نبشوا قبر الجدّ، أصيبوا بالذهول و”تفرقوا في كل أصقاع الأرض الضيقة”، ما عدا إحدى بناته التي بقيت في البيت القديم: “.. واستيقظت الصبية فجأةً… وتسمرت عيناها الى روحٍ غريبة على صورة قرد. منذ ذلك الحين، تقول الحكاية، اعتادت الصبية أن تلاقي قروشاً ذهبية تحت وسادتها كل صباح حتى أصبحت تملك كنزاً”… الحوار يزداد عبثية بين الشاعر ونورا، حتى تحرّر تلك المرأة نفسها من صورة النبوة والألوهية وتعود الى الرقص من جديد:
– “سأرسم كل يومٍ ثياباً أنيقة تسترني.
 لو لم تكن من بقايا بيروت العتيقة… لو أنك سهل… أو شجرة واحدة خضراء… بعيد… خارج الضعف والتأرجح، خارج السؤال، لأعطيتك ردائي.
{…}
 سأعمل في الليل وفي النهار لأكسب مالاً كثيراً أشتري به زوجة تغسل لي ثيابي وتحضر لي طعاماً وتحبني دائماً.
كادت تفاصيل وجهه أن تكون مضحكة…
{…}
 سأكون سعيداً كل يوم.
{…}
ها هي الحروف تتجلى وغدت نورا تعرف لغته دون أن تشعر صغر حجمه حتى أصبح بحجم هذا الطائر الغريب… ثم رأت نوراً قوياً ساطعاً يتسلل من النافذة، وشعرت أنها حاضرة للرقص من جديد. اتجهت نحو الباب بسرعة، دفعته بقوة وبدأت تركض لتلحق بقوافل البشر العاديين. وأما الطائر الأسود، فإنه جعل من البيت عشا له، وغدا سعيداً كل يوم.
 كم أن اللذة تافهة!
والرقص، قالت نورا، أحياناً متعب. ستعاود النوم على سريرٍ قديم من أجل الراحة وفي وقت الفراع تتعلم جدول الطرح والجمع من جديد، أو تصنع دمية وتختار وقتاً مناسباً للعب.
 إن الأطفال لخارقو الذكاء بالفعل، فهم يعرفون أن الدمى المصنوعة من مواد استهلاكية متفرقة هي للعب وقت الفراغ”.

هكذا ختمت سهام نصها جاعلة من ثنائية الإنتصار والإنكسار معاً صفةً ملازمة للمضي الى الأمام.

نص ثالث كتبته سهام يحمل عنوان “هالو كاست”. الصفحات الثلاث المكتوبة بخط اليد، تبدو أحياناً عصيةً على القراءة. كأن فتاة الحكاية تستحضر مشهداً بعيداً من زمنها ومكانها، كأنها شاهدت فيلماً قديماً وتواطأت مع بطل الفيلم على الهروب الى طبقة الخيال: “محمد خود الفكة وروح البقال هات لنا جبنة عشان نتعشى”. وهو ذاهبٌ لشراء الجبن، تمشي به الطريق ليصل الى فضاءٍ من دوائر الماء، وعدد لا يحصى من الفئران التي “تراصت كأنها عقد من اللؤلؤ الأسود”. هنا يمضي الزمن كأن بتلك المُشاهدة تكبر الفتاة ثلاثين عاماً، ويكبر بطل الفيلم معها دون أن يكبرا تماماً.

في نص آخر، وُجد في قصاصات “لاكي سترايك”، في الطرف الآخر من التجهيز، كتبت سهام ما يلي: “صمت مطبق… سكون… بتفتش بهالدني كأنه عم تفتش عن حالك بعيون حدا تاني… مع كل اللي جواتك من قلّة أمان وكل معتقداتك وكل الفرح وكل طلعاتك ونزلاتك… والعام بيتفرج عليك… بيراقبك بدون ما حدا يهتم… بكل برادة واعتزاز.. هون واحد رايح… هون واحد جاي… ركض بركض.. وهونيك واحد عم بيصرخ كأنو هيدا انت… فجأة كل شي بيخلص… بيروح.. وبيلفّك الصمت… كل وجعنا وكل القلق… كل شي… بيخلص هونيك برات الدني… هونيك كل السلام… الحكي ما إلو لزوم… مزعج… كل الوجع بيصير شقفة صغيرة من كل شي… من بؤسنا… نقطة… مجرد نقطة بمحيط واسع… والموت هو الفاتورة الأخيرة… والتحدي بيصير مجرد شبح أما الطموح والآمال وكل السحر.. كله بيخلص هونيك.. برات الدني.. برات هالعالم.. هونيك وجك بيرتاح…”.

لا أعلم إن كان هذا آخر ما كتبته… لكن تلك الكتابات – أكانت قصصية أم غير ذلك والتي يعرفها القلائل من جيلنا – تستحق مزيداً من التمحيص والإطلاّع والبحث والتوثيق والنشر. وما هذه المقالة التي كُتبت على عجل، إلا نظرة سريعة على ما تكتنزه أوراق ووثائق متفرقة، لكُثُر من مبدعي زمنٍ ولّى، كأنه كُتِب على تجاربنا الفنية ألا تُكتب على الإطلاق… على أمل أن تثبت الأيام المقبلة، ومساعي “فرقة زقاق” (وغيرهم)، عكس ذلك!
عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق