الثورة لأجل الحرية الرواية القادمة للكتاب السودانيين / أمير تاج السر

كما هو معروف، فإن الرواية تعتبر من الأدوات الفاعلة في طرح القضايا الهامة، سواء كانت تلك القضايا سياسية أو اجتماعية، أو حتى اقتصادية وأمنية، ونعرف كثيرا من الأعمال الروائية العالمية طرحت مثل هذه القضايا، وتركت للقارئ مهمة أن يشتبك بالأحداث، وغالبا يحدث تناغم ما، حين يعثر القارئ على درب يسلكه. إنها ليست مهمة مفروضة أو إجبارية، لكن هي مهمة إبداعية في المقام الأول، والروائي بوصفه كائنا متمردا وحساسا، وقد تكون لديه قدرة على العثور على الضوء، حتى في الأجواء المعتمة، مؤهل في رأيي لهذا الطرح، وبتلقائية كبيرة.
وأظننا تعرفنا إلى كثير من الديكتاتوريين الذين حكموا شعوبهم بكثير من الجشع والظلم، من صورهم التي رسمها لهم الروائيون في الأعمال القصصية، وبالمقابل تعرفنا إلى الضحايا من الصور المؤلمة التي كانت ترافق كل خطوة مستبدة. ولو نظرنا إلى ديكتاتوريات أميركا اللاتينية وأفريقيا مثلا، فسنجد كثيرا من الاستبداد الذي صور، وقد نجد زعماء حقيقيين، استلفهم الإبداع من تلك الحقائق المرة، وفضحهم قرائيا، وأظن أن جابرييل جارسيا ماركيز كان من المولعين بتتبع تلك الخطابات القاسية وكتابتها، وفي روايته الكبيرة “مئة عام من العزلة” نرى عائلة بونديا الممتدة، بكل حسناتها وعيوبها، ونرى الكولونيل أورليانو بونديا، الذي عربد في الحياة، وقتل وسفك الدم، وامتدت عربدته سنوات طويلة، قبل أن يواجه فصيل الإعدام. إنها رواية ملهمة وصورت الاستبداد وسط التجول السحري لقلم ماركيز في تلك البيئة المدقعة، تصويرا دقيقا، وأظن أن الاستبداد شمل حتى النواحي المادية والجنسية. وفي أعمال أخرى مثل “الكولونيل لا يجد من يكاتبه”، أو “خريف البطريرك”، لا تختلف الخطوات المستبدة، بل تظهر غرائب أكثر رعونة، ويمتد الطرح كثيراً.
“في “مئة عام من العزلة” نرى عائلة بونديا الممتدة، بكل حسناتها وعيوبها، ونرى الكولونيل أورليانو بونديا، الذي عربد في الحياة، وقتل وسفك الدم، وامتدت عربدته سنوات طويلة، قبل أن يواجه فصيل الإعدام” مكتوبة إلى السجن أو حتى الموت، لم يتركوا عادة أن ينبشوا سيرة السلطة في بلادهم، فالرواية الحقيقية فعلا عدو للسلطة، والكتاب الحقيقيون، أي الذين يحسون بالمعاناة، كما يحس بها المقهورون، أعداء للسلطة بكل تأكيد، فقط تختلف أدوات الكتابة من زمن لآخر، أي من زمن الظلام، إلى زمن الحرية.
ففي زمن الظلام، لن يتحدث أحدهم مباشرة، لن يكتب باللغة التي يهضمها ممارسو القهر غالبا، وإنما بلغة أخرى خفية تندس فيها الكلمات المسننة، ولا تكشف عن وجهها إلا لمن أراد أن يستخدمها سلاحاً للحرية، وبهذه الطريقة نقرأ روايات لكتاب عرب وأجانب كانت أسلحة ضارية لكن مخبأة، نقرأ لنجيب محفوظ، وفتحي غانم، وعبد الرحمن منيف، وكثيرين غيرهم.
على العكس في مواسم الحريات، عند حدوث انفراجة أو حرية، كما حدث في بعض الدول العربية بعد أن سقطت الديكتاتوريات المرعبة، لن يكون ثمة خوف أو حرج من الكتابة بالصراخ، وتدوين كل ما يخطر بالبال من دون تمريره على أي فلتر لتنقيته من مسببات الأذى، ففي الحقيقة لن يكون ثمة أذى، والذي يريد أن يفهم أي شيء سيفهمه.
إلهام ثورات الربيع العربي
كانت ثورات الربيع العربي ملهمة بالفعل للكتابة عن الحرية وتداعياتها، وأيضا استذكار الظلم وتقنياته البائدة، وكان من الممكن أن تظهر أعمال كتابية جليلة، تتخذ من ذلك الربيع متكأ لانطلاق ثورة جديدة في الكتابة الروائية، لكن للأسف معظم الثورات لم تنجح بالصورة المطلوبة أو المرجوة، فإما أنها تشرذمت بفعل الأطماع الشخصية لبعض الذين شاركوا أو لم يشاركوا فيها، أو سرقت بوساطة قوى ديكتاتورية جديدة، تقلدت الأمور بدعوى الحفاظ على الوحدة والأمن، والنتيجة أن الديمقراطية لم تترك أبدا لتنال حصتها من النجاح والفشل حتى يستقيم لها عود، ونرى ما يكتب إبداعيا بطريقة جلية.
الأدب الروائي يواكب ذلك كما قلت، وتأتي بعض الروايات لتطل بخجل وهي تعرض خطاب استبداد، يعقبه خطاب حرية هزيل، يعقبه ظلام جديد، وأظن أن جزءا من آفة الأدب العربي ارتطامه بالأبواب المغلقة أكثر من مروره عبر الكوى المضيئة.
هناك استبداد آخر تناولته الأعمال الروائية بترف، لأن ممارسته كانت مترفة فعلا، وهو التطرف الديني، وادعاء بعض ممارسيه أنهم يمتلكون وحدهم الحقيقة، ومن حقهم محاسبة الناس على أفعالهم، وأكثر من ذلك، لي أعناق الدساتير والقوانين، والقتل والسبي برعونة.
الرواية طرحت كل ذلك، وهناك روايات وضعت حلولا ممكنة، حين جاءت بنهايات ممكنة، وروايات لم تطرح أي حلول باعتبار أن ما يوصف قاتم جدا، ولا يوحي بأي حل. وقد شاركت بتجربتي في كل تلك الأحوال، بدءا بالاستبداد السلطوي، والاستبداد المعرفي، وانتهاء بالاستبداد الطائفي، وأظنني من الذين لم يقترحوا حلولا لأن المجتمعات التي غزتها الطائفية مثلا لم

تتوصل لأي حلول، وكثير من الجماعات التي كانت محصورة في بلاد معينة، تسقيها من علقم الجنون، تفرقت الآن بسمها في الأرض، بعد أن تم غزوها وطردها من تلك الأماكن.
أود أن أنوه هنا، إلى آداب بعض الدول التي تعرضت للاستبداد، وتنفست بحرية لزمن قليل، ومن الممكن أن تتنفس بعمق أكثر، مثل الأدب العراقي، فالأدب العراقي حقيقة أرخ لفترة الديكتاتورية بامتياز، خصوصا لدى الأدباء الذين عاشوا في المهجر بعيدا عن ترهات الاستبداد، وجاء أدب آخر بعد زوال حكم البعثيين ليكشف لنا كما هائلا من الممارسات التي تدهش، والآن يوجد أدب آخر مزدهر في زمن الديمقراطية، حتى لو كانت تشوبه بعض الأفكار المتشائمة.
لقد عانى بلد مثل السودان معروف بخيراته الكثيرة سنوات تصحر سياسي واجتماعي واقتصادي طويلة، إنه البلد الذي استلبت روحه، وظلت مستلبة لأكثر من ثلاثين عاماً، وبالرغم من ذلك كان ثمة أدب يكتب، أدب يفهمه عشاق الحرية فقط، وأعتقد بقوة أن الكتابة عن الجوع والتشرد، وأطفال الشوارع، وبائعات الشاي في وسط الهجير، والكثير مما حدث في تلك السنوات، هو طرح مبرر لرفض الاستبداد، والبحث عن كوة من الحرية، نعم فالذي يفهم الإبداع لا بد من أن يفهم لماذا جاع أحدهم، وتشرد أحدهم، وركب أحدهم الخطر ليهاجر من البلاد برمتها.
الآن حدثت ثورة سودانية، وفي الحقيقة ثورة غير مسبوقة، يحرسها مشعلوها من السرقة والضياع وهم قادرون على ذلك، إنها خطاب في الهواء الطلق أمام بوابات عسكرية تشارك فيه جميع فئات المجتمع، وهي الرواية القادمة لكتابنا السودانيين بلا شك.

عن ملحق ضفّة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق