في رثاء من لا يرثى: مات طيب تيزيني

ينعى موقع الأوان فيلسوفا ومفكّرا عربيا صبغ مرحلة كاملة بفكره وترك أثره على أجيال كاملة من الفلاسفة والمثقفين والمفكرين. توفي المفكر السوري طيب تيزيني في حمص، مدينته الّتي طالما أحبها وعاش فيها معظم سني حياته، عن عمر قارب 85 عاما.

وقد نعته أسرته وعدد كبير جدّا من المثقّفين السوريين، باعتباره “أحد كبار المثقّفين والمفكّرين العرب في العصر الحديث”، والّذي سبق أن تم ّاختياره واحداً من أهمّ مئة فيلسوف عالمي معاصر، حسب تصنيف مؤسسة كونكورديا الفلسفيّة الألمانية-الفرنسيّة عام 1998.

ولد طيب تيزيني في مدينة حمص عام 1934 ودرس فيها، قبل أن يسافر إلى ألمانيا ليحصل على درجة الدكتوراه، وحين نشر أطروحته “تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة”، ترك ذلك هزّة كبيرة في أوساط المثقّفين العرب والسوريين، بسبب مراجعته النقدية للفلسفة العربية الإسلامية وتنقيبه في الهامش وابتعاده عن المتن.

في مطلع السبعينات شغل منصب أستاذ في قسم الفلسفة بجامعة دمشق، حيث تحلّق حوله عدد كبير من الطلاب الّذين كانوا يسعون إلى طرح أسئلة حول قضية كانت تشغلهم: هل يمكن البحث في التراث العربي الإسلامي عن بذور ثورية مسكوت عنها؟ وكان يحضر دروسه طلاب من كليات مختلفة، ما جعل الأجهزة الأمنية السورية تحاصره وتضيّق الخناق حوله.

ومع ذلك استطاع تيزيني ومعه غانم هنا وبعدهما يوسف سلامة تحويل قسم الفلسفة في جامعة دمشق من معهد لتحفيظ الكتب وتلقين الأفكار إلى مختبر فكري وفلسفي حيّ ومليء بالحركة والنقاش والحوار.

في عام 1971 نشر تيزيني أوّل مؤلّفاته “مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط”. ثمّ توالت كتبه الّتي تدور حول ثيمة واحدة “من التراث إلى الثّورة”.

ورغم أنّ الكثير لا يتّفق مع طروحات التيزيني، فإنّ معظم المفكّرين العرب يحفظون له مكانته وموقفه الفلسفي الواضح والمؤسَّسٍ.

ولكنّ التيزيني لم يكن مثقّفا فحسب، بل كان ذا موقف سياسي وأخلاقي واضح. وكان من أوائل المفكّرين الذين قرنوا القول بالفعل، فهو من موقعي بيان الـ 99 الشهير الّذي بدأ ما عرف لاحقا باسم “ربيع دمشق” في مطلع هذه الألفية. وحين اندلعت احتجاجات السورية ضدّ نظام بشار الأسد، كان تيزيني في طليعة من نزل إلى الساحة وتظاهر ضدّ القمع المعمّم للنظام. وقد تمّ ضربه وإهانته وهو في حدود الثمانين من العمر يوم 16 مارس 2011، حين شارك في احتجاج للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين في سوريا.

وحاول تيزيني أن يساهم في إيجاد حلّ سياسي، مستفيدا من مكانته العلميّة والأخلاقيّة وعلاقاته بالمعارضة وببعض أركان الحكومة السورية، فاقترح تشكيل لجنة من الحكماء لتضع تصوّرا للحلّ السياسيّ الّذي ينقل سوريا من دائرة القمع والخوف إلى رحاب الديمقراطيّة والتعدديّة والتنوّع. على أنّ النّظام وأد محاولة الأستاذ الجليل، مما جعله أكثر انكفاء، فلاذ ببيته ومدينته، وتضافر العمر والمرض والحزن والقهر سويّة لوضع حدّ لحياة هذا الفيلسوف المميّز.

سوية مع صادق جلال العظم وجورج طرابيشي وعزيز العظمة، كان طيب تيزيني دعامة تنويريّة للفكر العربي وأستاذا لأجيال من المفكرين الّذين يعترفون بفضله وتأثيره عليهم.

طيب تيزيني، وداعا!

———————————–

صدر أوّل كتاب للتيزيني عام 1971 بعنوان “مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط”.

من أبرز أعماله:

– “الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى”.

– “مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر” (ستة أجزاء).

– “من التراث إلى الثورة – حول نظرية مقترحة في التراث العربي” 1976.

– “مشروع رؤية جديدة للفكر العربي منذ بداياته حتى المرحلة المعاصرة” (12 جزءا) 1982.

– “الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى، مشروع رؤية جديدة للفكر” 1982.

– “من يهوه إلى الله” مشروع رؤية جديدة للفكر العربي” 1985.

– “دراسات في الفكر الفلسفي في الشرق القديم” 1988.

– “فصول في الفكر السياسي العربي” 1989.

– “من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي – بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي وفي آفاقها التاريخية” 1996.

– “من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني” 2001.

– “من اللاهوت إلى الفلسـفة العربية الوسيطة” 2005.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق