بين صهري عبد الكريم ورامي مخلوف وخيال المآتة / وائل السوّاح

حين انقلب حافظ الأسد على رفاق دربه وزجّ بهم في سجن المزّة حتى تقبّضهم ملك الموت، كان في جعبته جملة من الأفكار، من بينها تخفيف التوتر مع الدول الغربية، وتحسين العلاقات مع محور الاعتدال العربي باسم “التضامن العربي، وفتح فرجة في القبضة المحكمة للحكومة على الاقتصاد السوري، ما سمح بظهور تدريجي لطبقة جديدة من الأثرياء الذين راحوا يراكومن ثروتهم عن طريق العقارات والاستيراد والتصدير.

أحد أصهاري في مدينتي حمص، واسمه عبد الكريم، كان واحدا من هؤلاء الذين بدأوا يطفون على ساحة الأعمال. كان متعهّدا بسيطا، فتحت الحكومة أمامه باب المناقصات، فأثرى خلال زمن قصير. وبـ “الثروة” أعني شقّة واسعة بمطبخ كنّا نسميه أمريكيا، لأن فيه خزنا (من الفورميكا) بدل الرفوف الخشبية العارية، وفيه صالون واسع وغرفة سفرة، مع سيارة ورصيد في البنك ببضع مئات الألوف من الليرات السورية.

دعانا عبد الكريم مرّة إلى غداء، واستقبلنا أمام باب بيته بعبارة “أهلا بكم في بيتنا المتواضع”. ثمّ اصطحبت زوجته أمي وأختي في جولة لتعرّفهما على بيتها الجديد، وقد اصطبغت وجنتاها بحمرة فيها مزيج من الخجل والبهجة والخيلاء.

بعد عشر سنوات، حيت سيطغى رفعت الأسد، شقيق حافظ، على مقدّرات البلاد والعباد بواسطة التهريب والاستئثار بكلّ المناقصات الكبيرة، بدأت ثروة عبد الكريم تتآكل، وقد فقد الكثير من موارده، بسبب هيمنة رفعت الأسد، فباع بيته واستأجر شقّة صغيرة، ثم مات دون الستين من عمره قهرا.

مع عبد الكريم، كانت طبقة جديدة قد ظهرت، ولم تكن تحتاج وقتها لتكون من منطقة معينة أو طائفة معينة لتستفيد من ذلك الانفتاح. ولم يكن شرطا أن تكون لك علاقة شراكة بأحد المتنفذين في حزب البعث أو المخابرات. ولكن النخبة الحاكمة التي انتبهت إلى مزايا السوق راحت تحتكر كل الموارد الممكنة. ثم أخذت تختلف فيما بينها إلى أن أوشكت على استخدام الدبابات في مدينة دمشق لحلّ المنافسة ما بين رفعت الأسد وبقية الجنرالات. وفي منتصف الثمانينات وجّهت القيادة السوفياتية دعوة رسميّة لرفعت الأسد وشفيق فياض، قائد الفرقة الثالثة، وعلي حيدر، قائد الوحدات الخاصة، ومحمد الخولي، رئيس المخابرات الجوية، لزيارة موسكو. وقد سمحت موسكو لحيدر وفياض والخولي بالعودة، ولكنها أصرّت على إبقاء رفعت في ضيافتها حتى قبل الابتعاد عن سوريا، لقاء مبلغ مالي ضخم، لم يكن متوفّرا في الخزينة لحظتذاك. وسيحدّثنا مصطفى طلاس، وزير الدفاع الأسبق، في كتيب صغير عن أحداث عام 1984، كيف أن المصرف المركزي السوري كان “خاويا حتى من الفئران” فاستنجد الأسد بصديقه الليبي معمّر القذّافي الذي كان ” والحمد لله بمزاج حسن، وتذكر مواقف الأسد القومية في دعم الثورة الليبية ومؤازرتها، ورد على رسالة الأسد ردا جميلا، وتم تحويل المبلغ بكامله إلى المصرف المركزي.”

الثمانينات كانت مرحلة كالحة من التاريخ السوري، حيث انعدمت السلع من السوق وازدهرت عصابات التهريب المرتبطة مباشرة بالأجهزة الأمنية والحزبية والحكومية التابعة لحافظ الأسد. واحتكر رجال الأسد النهب وحاصروا الأعمال التي كانت بدأت أو عادت في السبعينات. وراكم ورثة رفعت الأسد ثرواتهم من التهريب والفساد ونهب قطاع الدولة، ولكن الثروات المتراكمة لم يكن لها منصرف، بل بقيت في معظمها ثروات نقدية.

مطلع التسعينات، كان الوضع الاقتصادي في البلد، قد وصل إلى حافة الانهيار، وكانت الوزارات لا تملك في خزائنها سوى رواتب موظفيها، بينما توقفت حركة المشاريع في البلد، بما فيها الخدمية الأساسية، والحجة دائماً، عدم وجود موارد مالية لتنفيذ هذه المشاريع. ومع سقوط جدار برلين ومن ثم السقوط المدوّي للاتحاد السوفييتي وانعقاد مؤتمر مدريد، رأى حافظ الأسد أن الوقت قد حان لبعض الانفتاح الذي يمكّن محسوبيه من استثمار ثرواتهم أو غسلها، فأصدر القانون رقم 10 الذي شجّع على “استثمار أموال المواطنين العرب السوريين المقيمين والمغتربين ورعايا الدول العربية، والأجنبية في المشاريع الاستثمارية ضمن إطار خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العامة للدولة،” مركّزا على قطاعات الزراعة والصناعة والنقل. تحرّك السوق في سوريا، وعادت بعض الأموال السورية في الخارج للاستثمار، ولكن معظم أموال الاستثمار جاءت في الحقيقة من “تحت البلاطة” كما يقول السوريون، وهي الأموال التي راكمها المقرّبون من النظام والأجهزة الأمنية في مرحلة الثمانينات.

وذهل السوريون بالأرقام التي بدأت تقارير صحفية تتداولها من الثروات المتراكمة. فحين قتل باسل الأسد في حادث سيارة مشكوك فيه، كانت ثروته قد بلغت وفق بعض التقارير 13 مليار دولار، وهو مبلغ خرافي إذا ما قيس بموازنة سوريا في تلك المرحلة التي لم تكن تتجاوز 5 مليارات دولار.

على أن كلّ ذلك يعتبر لعب أطفال بالنسبة لما آلت إليه الأمور بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة في عام 2000، وتطاول النفوذ الذي مارسه عليه خاله محمد مخلوف وولده رامي. دفع النظام الجديد نحو ما بدا ظاهريا كانفتاح أكبر للسوق، من خلال تبني شعار “اقتصاد السوق الاجتماعي” والخطة الخمسية العاشرة. وبدأ النظام يقدّم سوريا رسمياً باعتبارها سوقا ناشئة تمرّ بمرحلة تحرّر اقتصادي، وذلك على أمل اجتذاب الاستثمارات الدولية والمساعدات.

غير أن واقع الحال أن أسرتي الأسد ومخلوف ومن والاهما من رجال الأعمال قد خزّنوا مبالغ كبيرة من المال من خلال سيطرتهم على الاقتصاد السرّي والسوق السوداء، وباتوا الآن بحاجة إلى بنية تحتية اقتصادية حديثة تعمل على إعادة توجيه الأموال النقدية التي بحوزتهم واستثمار لبناء أعمال تجارية تندمج في النظام المالي الدولي.

وبينما اشترى بعض رجال الأعمال الخليجيين والمصريين حكاية الانفتاح السوري وأخذوا يبنون شراكات مع متنفّذّين سوريين في مجال العقارات والاتصالات تحديدا، فإنهم سرعان ما اكتشفوا أن جوهر القضية لم يتغير وأن سوريا ما زالت بلدا يحكمه الولاء الشخصي وتُسخّر فيه المنظومة القضائية لمصلحة العائلة والدائرة الأكثر قربا إليها، بينما تتولّى الأجهزة الأمنية إزالة المنافسين الذين قد يتحدّون الاحتكارات الحالية أو يسعون للمشاركة في الأرباح. ولا تزال في الذاكرة قصّة نجيب ساويرس الذي شارك رامي مخلوف في بناء شركة سيرياتل للهواتف المحمول، ولكن سرعان ما قام مخلوف بإقصاء أوراسكوم عن عمليات سيريتل بمجرّد إقلاعها، مستفيدا من سيطرته على النظام القضائي في سوريا.

بعد الثورة السورية، بدأت أعداد السوريين المقرّبين من عائلة الأسد الذين تشملهم العقوبات الأمريكية والأوروبية والبريطانية والكندية تتّسع، فلجأ النظام إلى خلق شبكة من خيالات الظل (خيال المآتة) التي تطرد الطيور من الكروم، للتحايل على العقوبات. واختار هؤلاء الأشخاص من أولئك الذين برزوا في ساحة الأعمال مستغلّين ظروف الحرب وحاجة البشر للغذاء والدواء والنقود. وهكذا برزت أسماء جديدة مثل سامر فوز وحسام قاطرجي ومحمد قطّان وياسر عباس وعدد كبير جدا من الشخاص الآخرين الذين ما إن تكتشفهم آلية العقوبات الربية حتى يبحث النظام عن بدائل لهم.

وهكذا ظهرت طبقة جديدة من رجال الأعمال، ميزتهم الوحيدة انعدام الأخلاق وفقير القيم. طبقة ظهرت من آلام الناس وبؤسهم وحاجتهم، وهي تفتح اليوم أفواهها بانتظار أموال إعادة الإعمار. وبينما كان صهري عبد الكريم مهندسا مجدّا ورجلا نبيلا حاول أن يؤسّس شيئا بجهده، فإن سامر فوز وشركاه يؤسّسون أرباحهم الهائلة على حساب شقاء بني بلدهم وجوعهم ومرضهم. وفي النهاية فهم لا يراكمون الثروة لأنفسهم وإنما لأسيادهم المعاقبين، أما هم فليسوا أكثر من خيال المآتة.

عن العربي الجديد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق