حزب النّهضة وخطّة التّمكين في الإعلام التونسيّ

 أخيرا كشفت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعيّ والبصريّ (الهايكا) بعض الغموض الّذي لفّ خطاب رئيسها النوري اللّجمي حول وجود سند سياسيّ لقناة الزيتونة المارقة عن القانون. ففي أثناء حديثه عن مصادرة معدّات بثّ قناة نسمة وقطع الإرسال عنها بعد قرار صادر منذ أكتوبر 2018 ذكر النوري اللّجمي أنّ الهيئة قد سبق لها أن حجزت معدّات قناة الزيتونة وهي تبثّ الآن بواسطة تقنيات متطوّرة مع وجود طرف سياسيّ يحول دون قطع البثّ عن هذه القناة التلفزيّة.

ولئن لم يسمّ رئيس الهايكا هذا الطرف السياسيّ فقد استنتج المتابعون أنّ المقصود به هو حزب النّهضة بسبب انتماء صاحب القناة الفعليّ أسامة بن سالم نجل الوزير الأسبق للتعليم العالي منصف بن سالم إلى مجلس شورى الحزب.

بيد أنّ البيان الّذي أصدرته الهيئة يوم 9 ماي 2019 للتذكير بالقنوات التلفزيّة والإذاعيّة الّتي لم تنضبط لكراس الشروط المنظّم للقطاع السمعي البصريّ جاء صريحا في تسمية حزب النهضة إذ ورد فيه ما يلي: “إنّ قناة نسمة الّتي تبث خارج إطار القانون لا تشكل حالة منفردة في المشهد السمعي والبصري، بل ينضاف لها كلّ من قناة “الزيتونة” المدعومة من قبل حركة النهضة وإذاعة “القرآن الكريم” لصاحبها سعيد الجزيري الأمين العام لـ”حزب الرحمة” وهو ما يضاعف من خطورة هذا التّوجه ويبتعد بوسائل الاعلام عن دورها الأساسيّ المتمثّل في إنارة الرأي العام ودعم إرادة الناخب في الاختيار”.

وأضاف البيان نقطة أخرى تتّصل بالإعلام الديني في تونس وبإذاعة الزيتونة تحديدا وإن لم يوضّح المقصود بدقّة. إذ ورد فيه مطالبة رئاسة الحكومة بـالتّعجيل “في تفعيل إلحاق إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم بالمرفق الإعلامي العمومي وعدم الرّضوخ للحسابات السياسية الضيقة”. والعارفون بخفايا القطاع يعلمون أنّ “الحسابات السياسيّة الضيّقة” المقصودة هي حسابات حزب النهضة الشّريك في الحكومة.

الزّيتونة وخلط السياسة بالإعلام

ومن الوقائع الّتي ينبغي الاحتفاظ بها أنّه سبق للهايكا أن أغلقت قناة الزيتونة باعتراف القناة نفسها في بيان أصدرته بمناسبة غلق قناة نسمة مؤرخ في 26 أفريل 2019 إذ جاء فيه:” إن ما تعرضت له مؤسسة نسمة قد سبق ونفذ على قناة الزيتونة في جويلية 2015″.

وكانت هذه القناة قد تقدّمت بطلب الحصول على رخصة البثّ لكنّ الهيئة رفضت إسنادها هذه الرّخصة معلّلّة ذلك، كما ورد في أحد بيانات الهايكا، بما يلي: ” تبيّن من وثائق الملف أنّ السيد أسامة بن سالم وهو أحد المساهمين في شركة الزيتونة للإعلام والاتصال، الّتي يفترض أن يتمّ استغلال الإجازة في إطارها، عضو في مجلس شورى حركة النهضة وهو أمر مخالف لمقتضيات الفصل 09 من كرّاس الشروط المتعلق بإحداث واستغلال قناة تلفزية خاصّة” وهو “ينصّ على أنّه “يلتزم الحاصل على الإجازة بأن لا يكون مؤسسو ومسيرو القناة التلفزية ممن يضطلعون بمسؤوليات ضمن هياكل الأحزاب السياسية، كما يلتزم بأن لا يتم تسيير المنشأة الإعلامية من طرف مسؤول أو قيادي أو عضو في هيكل بحزب سياسي”.

وهذا الشرط مهمّ لأنّه يحتاط من الخلط بين العمل الإعلامي والبروبغندا السياسيّة. وقد سارع الناطق الرسمي باسم حركة النهضة بتكذيب ما زعمه رئيس الهايكا وذهب إليه المتابعون من أنّ النهضة هي الّتي عطّلت تنفيذ قرار الهايكا ضدّ الزيتونة. ولكن ها إنّ البيان الأخير للهايكا يؤكّد عكس ذلك.

ففي أكتوبر 2014 أمام تعنت أصحاب القناة صدر قرار مجلس الهيئة القاضي بحجز التجهيزات الضرورية للبث الراجعة لقناة الزيتونة وذلك لممارستها نشاطات بث دون إجازة. وتمّ الحجز بعد يوم من صدور القرار مع إعلام وكالة الجمهوريّة.

وعلاوة على ذلك فإنّ التداخل الممكن، ومثال فناة “نسمة” دالّ في هذا الصدد وإن كانت قناة “الزيتونة” غير بعيدة عن ذلك، بين الإعلام والسياسة ورأس المال المشبوه يمثّل إشكالا آخر. فمصادر تمويل قناة الزيتونة غير واضحة وضوح مواقفها المساندة منذ إنشائها لحزب النهضة ودورها الدعائيّ لصالح هذا الحزب. وهو متوقّع بحكم صفة مالكها الحقيقيّ الحزبيّة. من هنا نفهم لم ساند حزب النهضة قناة “الزيتونة” حتّى بعد تشميعها بالشمع الأحمر. فقد أزيل هذا الشمع بما يعدّ جريمة ولكنّ السلطة التنفيذيّة لم تتابع المسألة لأسباب لا تخفى على الملاحظ المحايد وأساسها موقع النهضة من الحكومة ومشاركتها فيها.

حزب ديني آخر يخرق القانون

وعلاوة على ذلك كشفت الهايكا عن الاعتراض نفسه، أي الخلط بين الإعلام والبروبغندا السياسية، على قناة إذاعيّة هي قناة “القرآن الكريم” الّتي يملكها الأمين العام لحزب دينيّ هو “حزب الرّحمة”.

وقد قدمت هذه الإذاعة مطلبا للحصول على إجازة إحداث واستغلال قناة إذاعية خاصّة فرُفض طلبها “لأنّ العديد من برامج القناة موجهة إلى الدعاية لرئيس حزب سياسي الأمر الّذي يشكّل مخالفة لمقتضيات الفصل 5 نقطة 14 من كرّاس الشّروط المتعلق بإحداث واستغلال قناة اذاعية خاصة الّذي ينص على ضرورة التزام صاحب الإجازة بعدم استعمال القناة الاذاعية لغرض الدعاية أو التسويق لصورته الخاصة أو لصورة غيره أو لحزب مّا” ورفضت الهايكا طلبه مرة أخرى حين استبدل اسمه باسم أخيه صاحب الجنسية الفرنسية واعتبر ذلك من قبيل التّحايل على كرّاس الشروط. مع الإشارة إلى أنّ سعيد الجزيري شخصية لا تخلو من غموض والتباس في تاريخها إذ مارس الإسلام السّياسي في بعض الدول الغربية وكانت له مواعيد مع المحاكم في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكيّة.

لكنّ تمادي القناة في البث دفع الهايكا إلى تكليف مراقبي اتصال سمعي بصري محلّفين بالقيام بإجراءات حجز أجهزة البثّ بتاريخ الفاتح من نوفمبر 2017 “فتمّ منع المراقبين من إتمام إجراءات الحجز علاوة على قيام المدعو سعيد الجزيري صاحب الاذاعة بتحشيد المستمعين عبر البثّ المباشر من خلال دعوتهم للالتحاق بمقر الاذاعة والتصدي لعملية الحجز وبث خطابات تكفيرية تدعو للعنف والتحريض على الكراهية ضدّ الهيئة وأعضاء مجلسها والعاملين فيها، بما يهدّد سلامتهم فتمّت مراسلة وزارة الداخلية في الغرض”.

ولحكاية هذه القناة تفاصيل كثيرة تجعلنا نتساءل عن موقف بعض الوزارات والحكومة وموقف القضاء نفسه الّذي أجاز لصاحب القناة أن يخرق القانون.

سؤال الإعلام الدينيّ في لعبة السّياسة والمال المشبوه

والسّؤال الجوهريّ في تقديرنا: هل يمكن فتح المجال في باب الإعلام الدينيّ إلى كلّ من يطلب ترخيصا أم ينبغي أن يظلّ حكرا على الإعلام العموميّ؟ ومردّ هذا الإشكال أنّ توظيف الدين في السّياسة في تونس اليوم يطرح إشكالات خطيرة أمام تعدّد أصحاب الّتيارات الدينيّة وتداخل المرجعيّات. وهو باب إذا فتح فإنّه سيكون مدخلا إلى صراعات لا تنتهي بين قنوات سنية وشيعيّة وسلفيّة وهابيّة وغيرها ناهيك عن الإحراج الّذي سينجر عن السّماح للخواصّ بامتلاك وسائل إعلام دينيّة إسلامية. ففي هذه الحالة يصبح من حقّ الديانات الأخرى التمتّع بالحقّ نفسه.

فلمّا كانت الدولة هي المشرفة على المجال الدينيّ بحسب الدستور فإنّ الإعلام الدينيّ يكون تابعا للإعلام العمومي حماية للمجتمع من التمزّقات المذهبيّة والطائفيّة في مشهد دينيّ غير مستقرّ. ولن تكون تونس استثناء في ذلك فقد وجدت تجارب عالميّة في هذا الصدد كان فيها الإعلام الديني ممركزا بيد الدولة. وممّا يمكن أن يعاب على الهايكا في هذا الصّدد أنّها لم تتحسّب لهذه المسألة في كراس الشروط الحالي إذ لا ينصّ هذا الكرّاس بوضوح على انّ الإعلام الدينيّ ينبغي أن يكون تابعا لإعلام العموميّ. ولنا في العالم مثال إيرلندا وهي دولة ديمقراطيّة ولكنّها تجنبا للخلاف بين البروتستانت والكاتوليك جعلت الإعلام الدينيّ بيد الدولة.

ويعلم المطلع على أدبيّات الإخوان المسلمين، وللنّهضة بهذه المرجعيّة صلة متينة مهما ادعت العكس على الأقلّ من حيث الرؤية العامّة والتنظيم، أنّ العمل الدعوي والاجتماعي والتربوي، مثّل دوما الوسائل المعتمدة في نشر الدعوة لدى الإخوان والنّهضة قبل العمل السياسيّ. فليس ثمّة أفضل من الإعلام الديني للقيام بهذه المهمّة فبنيته نفسها تجعل منه إعلاما خطيّا أحاديّا من الناحية الاتصاليّة يعرض الأفكار والتصوّرات على أنّها الحقائق النهائية وليس مطالبا بفتح الأبواب لوجهات النظر الأخرى.

لكن للتمكين وجوه عديدة بعضها اقتصاديّ وبعضها إداري وبعضها عسكريّ… إلخ ونكتفي هنا بالحديث عن التمكين الإعلاميّ وإن كان جزءا من خطّة أشمل مترابطة متكاملة لوضع اليد على المجتمع والدولة والأجهزة الفاعلة المؤثّرة.

استراتيجيتان للنّهضة: الإعلام الموازي والاندماج

وقد مرّت استراتيجيّة النّهضة للتّمكين في المجال الإعلاميّ بمرحلتين. الأولى هي السّعي إلى إنشاء مؤسّسات إعلاميّة موازية تتبع خطّها السياسيّ وتمثّل ذراعها الإعلاميّة في البلاد. وفي هذا الإطار كان اعتصام أنصار النّهضة أمام مبنى التلفزة التونسيّة ابتداء من يوم 2 مارس 2012 للمطالبة بتطهير الاعلام لأكثر من شهر ونصف مندّدين بإعلام العار وداعين إلى بيع قنوات الإعلام العمومي إلى الخواصّ.

وكان بعث قناة الزيتونة وبعض القنوات الأخرى بعد مندرجا ضمن هذا التمشّي القائم على إنشاء إعلام مواز. بيد أنّ هذه الاستراتيجيّة الّتي تنسب إلى القيادي في النهضة لطفي زيتون أخفقت وتمّ استبدالها باستراتيجيّة ثانية تقوم على الحضور المكثّف في كل القنوات التلفزيّة والإذاعيّة ويمكن تسميتها باستراتيجيّة الاندماج والتفاعل مع المشهد الإعلاميّ القائم.

وقد كان هذا الاندماج بطريقتين: الأولى هي إعادة تأهيل مؤسّسات يقف وراءها نهضويّون مثل الزيتونة و”تلفزة أم تونيزيا” ( M Tunisia TV) (وكان اسمها عند إنشائها “المتوسّط”). وتمثّل هذا التأهيل في العناية بالصورة والسينوغرافيا والعمل على إبراز المواقف المختلفة مسايرة للسّائد من جهة ولسبب آخر أعمق. فالدعوة الفجّة والوعظ والإرشاد والتصوّرات الخلاصيّة تناقض الإعلام الحديث نفسه إذ هو يقوم بالضرورة على تعدّد وجهات النظر وتناول الشأن العام بشكل أقرب إلى التوازن مع الترفيه وجماليّات التلفزيون. وقد تبيّن للنّهضة والمدبّرين للشأن الإعلاميّ فيها أنّ الاندماج في المشهد أقلّ تكلفة سياسيّة من إنشاء إعلام مواز. وإضافة إلى ذلك فهم النهضويّون أنّ خطابهم السياسيّ الحقيقيّ يخيف التونسيّين فكان لا بد لهم من أن “يتتونسوا” ويغيّروا ولو ظاهريا خطابهم.

أمّا الطريقة الثانية فهي التّطبيع مع الجميع وإغراء البعض الآخر ووضع موالين لهم في مواقع متقدّمة من المشهد الإعلامي السائد. وهذه بعض الأمثلة.

يعرف الجميع أنّ قناة “الحوار التونسيّ” الآن تستقبل في برامجها ضيوفا من النّهضة في أوقات الذروة وفي برامج ذات نسبة عالية من المشاهدة بحسب طلبهم أحيانا كثيرة لتمرير رسائل محدّدة. ولها في القناة معلّق دائم تقريبا يدافع متذاكيا عن مواقف النّهضة والجميع يعلم أنّه كان منتميا إليها صراحة وعمل مدير مكتب للقيادي في النّهضة سمير ديلو فهو إذن، وهذا غير خاف البتّة، مكلّف بمهمّة في هذه القناة. ولعلّ هذا جزء من الصفقة الّتي لا أحد يعرف بنودها بين صاحب القناة سامي الفهري والنهضة بعد سجنه وخروجه منه إثر الزيارة الغريبة الّتي أدتها  له زوجة أحد القياديّين البارزين في حزب النهضة بصفتها ناشطة حقوقيّة. ولئن غابت تفاصيل التفاوض داخل الزنزانة فإن مخرجاتها واضحة المعالم في الخط التحريري للقناة خاصة في البرامج السياسيّة.

إذاعة الزّيتونة ودار الصّباح

ومن الأمثلة الواضحة على التّمكين الإعلاميّ وضع مسؤولين في النهضة في مواقع متقدّمة من المؤسّسات الإعلاميّة. فمدير البثّ في إذاعة الزّيتونة المصادرة هو السيّد جمال العوي. وهو عضو المكتب السياسيّ لحركة النّهضة ومستشار مكتبها التنفيذيّ. وقد كان جمال العوي مديرا لمكتب الاتّصال في رئاسة الحكومة خلال توّلي عليّ العريض لها.

وحين تخلّت النّهضة عن الحكم إثر اتفاقات 2013 وضعت رجالها ومنهم جمال العوي في مناصب مهمّة ومؤسّسات تابعة للدولة فكان نصيب جمال العوي منصب مدير البثّ بإذاعة الزّيتونة. والطريف أنّه تحصّل في فترة ما على سنة تفرّغ غير خالصة الأجر كلّف خلالها بالإشراف على مكتب الإعلام والاتّصال في حزب النّهضة ثمّ استقال ليعود إلى إذاعة الزيتونة فيشغل المنصب القديم نفسه دون قطع الصلة بالحزب. وهكذا يكون جمال العوي يشتغل لصالح النهضة والتمكين الإعلاميّ لها مع تكفّل المجموعة الوطنيّة بتأجيره من المال العام!

ومن خلال هذا المثال نتبيّن جانبا من دور النّهضة في تعطيل قرار الهايكا بإدماج إذاعة الزيتونة المصادرة في الإعلام العمومي. إذ راسلت الهايكا الحكومة منذ صائفة 2017 ولم يتغيّر الوضع إلى اليوم. ولا نحتاج إلى كبير عناء لنفهم أنّ الاعتراض على هذا القرار هو اعتراض النهضة فهي الجهة الوحيدة الّتي لا ترغب في عمليّة الإلحاق هذه.

وحين اشتدّ ضغط العاملين في الإذاعة من أجل هذا الإلحاق أصبحت النّهضة تسعى الى جعلها إذاعة عمومية مستقلة لا تخضع مباشرة لسلطة الإذاعة التونسيّة على غرار جميع الإذاعات الوطنية والجهوية. وقد دارت بعض النقاشات حول مستقبل هذه الإذاعة في مقر النهضة مع بعض قياداتها.

وليس من الصعب على من يتتبّع سياسات التمكّين هذه أن يتأكّد من أنّها انطلقت مع بداية الثورة ضمن تصور استشرافي يقوم على ثوابت أبرزها استعمال الاعلام كسلاح لخوض المعارك السياسية والتّحشيد ضدّ الخصوم خاصّة المثقّفين والفنّانين وقيادات الرأي.

ونقدّم في هذا الصّدد مثالا ثالثا يؤكّد حرص النّهضة على وضع الموالين لها في مناصب قياديّة في المؤّسسات الإعلاميّة. فقد نسي أكثر النّاس رفض مجلس إدارة “الصباح” والجمعيّات المهنيّة المعنيّة لتعيين لطفي التواتي مديرا عاما للصباح كما نسوا الوقفات الاحتجاجيّة واعتصام صحفيي جريدة “الصباح” المصادرة وإضراب الجوع الوحشيّ الّذي خاضوه ضدّ تعيينه. واضطرّت الحكومة وقتها إلى إقالته لتعيّنه مديرا عامّا لمركز التوثيق الوطنيّ وهو ما رفضه موظّفو المركز أيضا.

لكن ما يعنينا من ذلك أنّ حكومة الترويكا كانت قد أقالت وقتها من الإشراف على الصباح كمال السمّاري الحقوقيّ المعارض لبن علي وقد شغل خطّة ناطق رسميّ باسم منظمة العفو الدوليّة وهو من الّذين دافعوا عن المعارضين التونسيّين ومنهم النهّضويون واستمات في الدفاع عنهم في سنوات الجمر لكنّه لقي منها جزاء سنمار إذ استبدلته بلطفي التواتي وهو رجل اشتغل لفترة في صحيفة “لاكسيون” ثمّ أصبح انتمى لسلك الأمن وحكم عليه في قضيّة فساد مالي في عهد بن عليّ بخمس سنوات سجنا قضّاها كاملة ويبدو أنّه تأسلم في السجن فالتحق بالنّهضة بعد الثورة. ولكن النّهضة لا تترك رجالها وخدمها والدليل القاطع على ذلك أنّه اليوم يشغل خطّة مدير تلفزة الزيتونة!

علاقة النّهضة بنسمة ومالكها

ولكن أخطر ألاعيب النّهضة في باب التّمكين الإعلاميّ صلتها بقناة “نسمة” وتورّطها مع صاحبها. وهذه العلاقة هي الّتي تفسّر دفاعها المستميت عنه وبيان مجلس الشورى الّذي تعلّل بالحرّيات لينتقد موقف الهايكا والحكومة، وهي الشّريكة في الحكم، ودعاها إلى التراجع عن قرار الغلق. ونحتاج كي نفهم خلفيّات هذا الموقف إلى العودة شيئا ما إلى بعض الوقائع.

فقد قدّمت قناة “نسمة” في فترات معيّنة للنّهضة منبرا تبرز فيه مواقفها. فلا ننسى أن تغيير راشد الغنوشي لصفته من شيخ إلى أستاذ ومن رافض لربطة العنق إلى متحلٍّ بها كان عبر هذه القناة ضمن الاستراتيجيّة الدعائيّة الجديدة الّتي رسمتها للنهضة شركات الاستشارات في الاتصال.

لكنّ هذا الجانب الشكليّ ليس إلاّ الجزء البارز من لعبة أكبر. نذكّر هنا بسعي صاحب قناة نسمة إلى التوسّع بوضع اليد على إذاعات جهويّة باسم منح الجهات كلمة من خلال القناة. وهي خطّة ذكيّة لكي تحتكر هذه القناة المشهد الإعلاميّ تحسّبا للانتخابات البلدية لسنة 2018 وما يليها من محطات انتخابية خلال هذه السنة وذلك سعيا إلى توظيف الإعلام في الإشهار السياسيّ. وكان ذلك خافيا على الجميع إذ ساندته كل الأحزاب تقريبا بما في ذلك أحزاب اليسار ونوّاب في مجلس نوّاب الشعب كتبوا عريضة في هذا المعنى. ولكنّ الهايكا وقفت بالمرصاد لهذه الخطّة من باب الحماية الفعليّة للمسار الديمقراطي من مخاطر الإشهار السياسيّ.

بيد أنّ النّهضة تحالفت مع صاحب قناة نسمة تحالفا كشف عنه العمل على إكساء قناة المتوسّط التّابعة للنّهضة ثوبا جديدا وخطّا تحريريّا يسهل اندماجها في المشهد الإعلاميّ السائد. فقد كلّف السيّد نبيل القروي نفسه بهذه المهمّة التجميليّة قبل أن تغيّر القناة اسمها إلى “تلفزة أم تونزيا”. وهذه حكاية أخرى طويلة قد نعود إليها في تقرير لاحق.

ولعلّ أخطر عمليّة شاركت فيها النّهضة حليفَها في الإعلام نبيل القروي تتصل بالإذاعات الّتي أراد وضعها تحت مملكته للإعلان والإشهار والإعلام. فقد هدّدت الهايكا الإذاعات الستّ الّتي وحدت بثّها مع نسمة بسحب الإجازات وتمّ الاستماع إلى الهيئة في مجلس نوّاب الشّعب فاقتنع كلّ متردّد من النوّاب بخطر ما أقدم عليه صاحب قناة نسمة وسعيه إلى قتل التنوّع باسم الإعلام الجهويّ.

بيد أنّ قضيّة إذاعة “صراحة أف أم” كشفت المستور في الكواليس وفضحت اللّعبة كلّها. إذ رغب نبيل القروي في أن يضمّ هذه الإذاعة الّتي تبثّ في تونس الكبرى إلى الإذاعات الّتي وضعها تحت كلكل نسمة. ولكنّ صاحبها محمّد الناجح، وهو نهضويّ الهوى لا الانتماء، تمنّع ورفض التفريط فيها وطلب مقابل ذلك من نبيل القروي مبلغا بدا للمشتري مشطّا. حينها طلبت النهضة من عضوين بمجلس إدارة إذاعة “صراحة إف إم” وفي الآن نفسه بمجلس شورى النهضة هما حاتم بولبيار والبشير الغريسي، ويبدو أنّهما مساهمان مستتران في القناة أعلنا التحقاهما بالنهضة بعد إنشاء الإذاعة، تسليم الإذاعة إلى نبيل القروي بمقابل مجز. فلمّا تفطنت الهايكا إلى الصفة السياسيّة للعضوين طلبت خروجهما من مجلس إدارة الإذاعة فرفضا الانسحاب من باب الضغط على مالك القناة محمّد الناجح ليسلمها إلى نبيل القروي لكنّه واصل الامتناع عن ذلك إلى درجة توقفها عن البث.

ماذا ربحت النّهضة من خطّة التّمكين؟

إنّ هذه المعطيات وغيرها مما لم نذكر تدلّ على نحو قاطع بأنّ انتقال النّهضة من الصدام مع المنظومة الإعلاميّة الموروثة إلى الاندماج فيها كان محاولة منها للحصول على نصيب معقول من سوق الإعلام. لكنّها تركت ريشا كثيرا وراءها.

من ذلك الريش أنّها تدافع، بما أمكنها من مواقف وما لها من وزن، تحت غطاء حريّة الإعلام والتدافع الإعلامي، على قنوات خارجة عن القانون تحيط بها شبهات كثيرة ماليّة بالخصوص. ولكنّ الموقف الرسميّ الّذي صدر عن المكتب التنفيذي للنهضة يوم 9 ماي 2019  (أي في اليوم نفسه الّذي اتّهمتها الهايكا فيه بالاسم) اكتفى بتحريف الإشكال عن موضعه إذ أصبحت المشكلة في الهايكا وتجديدها ومصادقة مجلس نواب الشعب على القانون الجديد للسمعي البصري وليس في الإخلالات الكثيرة الّتي دافعت عنها.

فقد جاء في بيان المكتب التنفيذي تعبير النهضة عن “أسفها الشديد لعدم توصّل مجلس نواب الشعب لانتخاب الهيئة الدستوريّة للاتصال السمعي والبصري قبل انتهاء العهدة الحالية للهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري (الهايكا)، وهو ما من شأنه أن يعقد المشهد السمعي البصري ويجعله محل تجاذبات ومُناكفات وتأويلات شتّى، الأمر الّذي يدعو الى التعجيل بسنّ القانون الخاص بهذه الهيئة في أقرب الآجال”.

وهو موقف يدعو في حدّ ذاته إلى السخرية. فلئن كانت تحكم فعليّا وتشارك في الحكومات فإنّها تتنصّل من تبعات الحكم كما لو أنهّا حزب معارض من خارج الحكومة. فمن المعلوم أنّ القوانين الأساسيّة وغير الأساسيّة، بما في ذلك المصادقة على القانون الجديد للسمعي البصري وما يتبعه من انتخاب الهيئة الدستوريّة للاتصال السمعي والبصري،ّ لا يمكن أن تمرّ دون موافقة النهضة في مجلس نواب الشعب ولكنّها تعطّل هذه القوانين أو تشارك في تعطيلها ولا تقوم بواجبها التشريعي ثمّ تتأسّف! وهذا من عجائب الأمور في الاستبلاه السياسيّ.

بيد أنّها لم تتأسّف حين رأت وعاينت التّنكيل بنقيبة الصحفيّين المرحومة نجيبة الحمروني في جريدة “الضّمير” الموالية لها تنكيلا عنصريّا حقيرا يعاقب عليه القانون. فقد كانت وقتها تتحدّث عن إعلام العار. وها إنّ الأيّام تكشف عن تحالفها مع أكثر رموزه انحطاطا وتمثيلا وخيانة لمبادئ حريّة التعبير.

إنّ التّمكين الإعلاميّ لدى النهضة قام على تكتيكات جرّبت ولم تصحّ. من ذلك التفاعل مع السّائد والتّعايش معه للتأثير في مجريات الأمور (علاقتها بنسمة والحوار التونسيّ مثلا) ومنها إضعاف المؤثّرين والسلطة التنفيذيّة حتى لا يواجهوا خطّة التّمكين الإعلاميّ مثلما هو الحال في العلاقة مع الدولة (مثال موقفها من إذاعة الزيتونة وتأثيرها في قرار الحكومة) والمؤسّسات (مثال الدفاع عن نسمة ضدّ الهايكا).

لكنّ المشكلة الّتي على النّهضة أن تحلّها بعد أن تبيّنت عبث فكرة الموازي بمختلف أصنافها وما ترتّب عنها من تبعات كارثيّة على الحزب هي التالية: إلى متى ستضيع النهضة الجهد في المخاتلة وسياسة التقية؟ إلى متى ستحرث في البحر وهي تسعى لتحقيق تحويل جيني لهياكل الدولة المدنية الديمقراطيّة في حين أنّها مجرّد برغي في أجهزتها؟

لقد فشلت النّهضة في إنشاء إعلام مواز، ومهما تكن نجاعة خطّة الاندماج فإنّ النّهضويين كلّما تكلّموا في وسائل الإعلام وكشفوا عن مواقفهم أو تحايلوا في تقديمها عجزوا عن الإقناع وفضحوا أنفسهم. فالإعلام ليس شكلا ودعاية وإعلان وإشهار بل هو أوّلا وقبل كلّ شيء محتوى فكري وسياسيّ قابل للتّسويق إعلاميّا.

ليس الاعلام، لمن يعرفه حقّا عكس هوّاة النّهضة المكلّفين بهذا الملفّ، عصا سحريّة تجعلك تربح الانتخابات رغم الخيبات. وهذا ما يقوله أهل الاختصاص. ففي الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا حسمت الانتخابات على عكس التوجّهات العامّة لوسائل الاعلام بل إنّ النّهضة نفسها استفادت من الحملات الّتي شنت ضدّها بداية الثّورة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق