كتّاب يرثون فوزي كريم.. وريث بروميثيوس

شاكر الأنباري(روائي عراقي): المتصوف

فوزي كريم من نوادر الثقافة العراقية، شاعر متمكن من فنه، وناقد نافذ البصيرة، زاوج في ثقافته بين التراث والحداثة، الثقافة الغربية والعربية، ويمتلك ذائقة موسيقية عميقة، هو القادم من شواطئ دجلة. كان فوزي من الفئة القليلة بين المثقفين العرب من أنجز كتابا ممتعا، ومتخصصا في الآن ذاته، عن علاقة الشعر بالموسيقى، واللافت في شخصية فوزي جديته الصارمة في التعامل مع الأدب، ومع الرأي الآخر، وفوق كل ذلك ففوزي انسان بسيط، غير استعراضي، شفاف مثل نسمة. طوال معرفتي به، وقد امتدت أكثر من ربع قرن، لم أره يوما غاضبا. حين يحادثه المرء يلمس رهافة روحه، وبساطتها، مثلما يلمس أثر ثقافته الموسوعية في روحه، وأخلاقه، ومرحه الدائم. كان فوزي مستشرفا لحركة عصره، متفهما لما يدور في ميدان الأدب، والسياسة، والمجتمع، سواء في العراق أو المنطقة. توصل إلى قناعات صارمة حول رؤيته للثقافة العربية في الشعر والدين والسياسة. وهو متصوف لا يطلب من الحياة سوى كفاف العيش، وفسحة لممارسة طقوسه في القراءة، والكتابة، وسماع الموسيقى الكلاسيكية وكان مهووسا بها. في السنوات الأخيرة من حياته فضل فوزي العزلة عن الآخرين، وتكريس حياته للكتابة، وأدار ظهره للمهرجانات، والإحتفاءات، وأعراس التطبيل التي سادت في حياتنا الثقافية، في زمن راح يحتفي بكل ما هو سطحي ومبتذل، وساع إلى الشهرة والبهرجة، وكان يدرك أن الزمن لم يعد زمنه، لم يعد زمن الثقافة الجادة، المعرفية، الناقدة، الحاملة لرسالة الضوء في عتمة الحياة.
كلُّ شراعٍ لمْ يعدْ إليكِ يا مخافرَ الحدودْ،
لا باحثاً، سدىً، عن المعنى
ولكنْ هرباً من المعاني السودْ
فهوَ شراعي.
وداعا فوزي كريم. أيها الشاعر الجميل والنبيل.

________
علي جعفر العلاق(ناقد)

فوزي كريم .. أيها الجميل الذي لن ينسى وداعاً ..
أكتب هذه الكلمة عن صديق العمر، صديق البدايات وما فيها من مشقة وبهجة، والمغترب حتى عن ذاته وعن الحشود المحيطة به. حين عرفته للمرة الأولى، بعد صدور ديوانه الأول، لم أكن أدرك أن هذا الوجه الطفولي، المرح، الحزين يخفيي وراءه كل هذا التوتر والارتياب والأسى. مظهر غارق في هالة من التصالح مع الأشياء والناس والحياة، لكنه يتشظى في الوقت ذاته كالزجاج أمام قلق روحي محتدم: يندفع بصمت، ويتنامى على مهل. كنت أحس بعمق مدى سعادته في لندن، وهي سعادة حقيقية لا ادعاء فيها ولا مكابرة. ومع ذلك لم يكن يخفي شيئاً من الخيبة الحذرة بما آلت اليه الأوضاع في بلده البعيد الذي كان يتآكل في كل لحظة.

التقينا كثيراً وافترقنا كثيراً، في بغداد وفي لندن، في النقد وفي فضاء القصيدة. كان أصيلاً وحقيقياً الى أبعد الحدود، في كل ما فعل، كان كل شيء فيه ملتقى مميز للخيال والذاكرة، والريشة، والتأمل وآهة القلب الموغلة في عذابها الفريد. وإذا كان لبعض زملائه من شعراء الستينات ما أعانهم على تكوين مجد شعري لم يكن حقيقياً كله، فثمة رافعة حزبية مشوبة بغلظة في الطباع أو جفاف في الروح، ساعدتهم على أن يكونوا على ما صاروا عليه. ولم يكن لفوزي كريم غير موهبة أصيلة وروح عامرة بالطفولة والألم الصافي.

كان لقائي الأخير مع فوزي في لندن قبل عام تقريباً. التقينا ذات ظهيرة غائمة، وكان اللقاء على شيء من الغرابة، أو هكذا تصورته في تلك اللحظة، كنا في الغالب نلتقي في شقته في منطقة “كرين فورد”، التي تكررت كثيراً في شعره. كما كان يتكرر اسم الشارع الذي يقيم فيه “هل رايز”. كانت قصيدة فوزي كريم قصيدة مصفاة من الشوائب، مبرأة من الادعاءات الكاذبة. قصيدة الإيقاع الصاعد تواً دافئاً وحميماً من أقاصي الروح.

ذات مساء لندني ممعن في رماديته وطراوته. كنت أتهيأ لقراءات شعرية في منتدى الكوفة، بينما يقوم فوزي كريم بمهمة التقديم. كانت القاعة الصغيرة مكتظة بجمهور نوعي في إصغائه ومداخلاته، جمهور صقلته الغربة وعذّبه الحنين إلى بلد الأنهار والشعر والكوارث، وكان ذلك عام 2003. كانت أصغى إلى فوزي وهو يقدمني وكأن صوته يفوح من جدران القاعة محملاً بوعود الستينات وأمطارها البعيدة.

استضافني أكثر من مرة في شقته، في ضاحية (كرين فورد)، كان كل شيء بالنسبة الي، ينضج بأمطار الروح وتاريخ مشترك: جدران مغطاة بتأوهات ريشته الندية كرفيف الذكرى، لوحات وتخطيطات لوجوه غيّبها الموت أو الصمت أو الرحيل، وأخرى لفوزي نفسه. كانت شقته تكريساً لعزلته، عزلة الموهوبين الكبار، حيث لا شئ إلا الكتب، ودواوين الشعر، والرسوم، والاسطوانات الموسيقية.

____

‏صالح لبريني(كاتب)‏ 
فوزي كريم: شاعر الحيرة والقلق
*ما قبل اللفظ
فوزي كريم شاعر وناقد من طينة المبدعين المتنسكين في محراب العزلة، لا تلهيهم الحياة ولا تغريهم مظاهرها البرّاقة والتي تعمي القلوب قبل العقول، نذر حياته من أجل الإبداع ومطاردة متاهاته واختراق مضايقه، غير مبال بمخاطر الدهر، فكان من ورثة بروميثيوس سارق نار الوجود، فكان نصيبه البحث الدؤوب عن النار التي يجب سرقتها من الآلهة لإنضاج تجربته في الشعر والوجود، لذا ظل الشاعر مؤمنا عقيدة بأن الشعر هويته المعبّرة عن هذه النار المسروقة، وكتابه المشرع على كل الاحتمالات الضاربة في الشك والحيرة والقلق.

يمثل إلى جانب ثلة من الشعراء العراقيين صوتا شعريا متفردا، ولم يكن صدى لأحد، بل كان صوتا ذاته وتجربته ورؤاه، نظرا لما ميّز مشروعه الشعري من النضج والغنى والعمق، وأيضا لإيمانه بضرورة النهل من التراث والسعي إلى الوعي بأهميته، وكذا الانفتاح على التحديث الشعري القادم من الآخر كتجسيد على التلاقح الثقافي والحضاري. ونعنقد أن هذا التزاوج بين خلفيتين ثقافيتين مختلفتين ما جعل خطابه الشعري ينضح بالتجديد والإبداع، ويفتح أفقا شعريا مغايرا دون إفراط ولا تفريط.

والتجربة الشعرية عند الشاعر فوزي كريم نابعة من أصالة الإدراك الواعي والمتأصّل للكتابة الشعرية، هذه الأخير القادمة من فجاج شعرية متشابكة منها ماهو متصل بالثقافة العربية الزاخرة بإرث شعري ونثري لا يضاهيه أي إرث آخر، ومنها ما هو متعلق بالاطلاع علة ثقافة غربية تنبني على الاختلاف لا على ثقافة الائتلاف، كل هذا التنوع كان له التأثير الجلي على هذه التجربة الشعرية.

ولا بد من الإشارة إلى أن الشاعر لم يكتف بالشعر، بل انخرط منذ عقود في البحث الموسيقي، إذ كانت له إسهامات جبارة في هذا المجال، من خلال التعريف بكل هذا الفن الموسيقى، وهذا ليس غريبا من شاعر ينسج قصيدته بماء الإيقاع الشعري العربي، في سياق قصيدة التفعيلة، وهذا بيّن من أعماله الشعرية.

فما يؤطر تجربته الشعرية من مرجعيات شعرية وفنية دليل ساطع على أن الشاعر يمتلك عدّته الإبداعية، ويمكن وصفه بالشاعر المتعدد والمختلف.

(*) مدونات نشرها أصحابها في الفايسبوك، في رثاء الشاعر العراقي فوزي كريم.

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق