دراسة نقديّة في فكر هابرماس السياسيّ

الجزء الثّاني: الاّتحاد الأوروبي

مع سقوط الاتّحاد السوفيتيّ وتفرّد أمريكا في التّحكم في عالم بدى حينها أحاديّ القطب، ثمّ مع موجة عولمة السوق الّتي أضعفت إلى حدٍّ كبير الدور الكلاسيكي للدولة-الأمّة أو الدولة القوميّة بدت مواجهة تلك التحديات العالمية المُستجدة مهمّة فكريّة وفلسفيّة أيضاً. في هذا السّياق التاريخيّ وجد هابرماس ضرورة الخروج من قوقعة الدّولة القوميّة وتجاوزها في تكتلات سياسيّة واقتصاديّة تتجاوز مصالح وحدود كلّ دولة على حدة. في هذا الصدد نقرأ في حواره مع بورادوري إلحاحه على ضرورة تجاوز القوميات في ” تحالفات قاريّة عظيمة – مثل الإتحاد الأوروبي، أو مثل اتّفاق التّبادل الحر لشمال أمريكا (نافتا NAFTA_ ) ، أو رابطة دول جنوب شرقي آسيا ( آسيان _  ASEAN) – [أي] إلى ممثلين مخوّلين قادرين على إحراز موافقات دول عدّة، ويأخذون على عاتقهم مسؤوليّة التّوثيق الدّائم لعُرى شبكة دولية […]”[1]

أمّا في السّياق الأوروبيّ الّذي يتمحور حوله فكر واهتمام هابرماس، فإنّ هذا الأخير سيجد في وحدة أوروبا الحلّ الأفضل ليس فقط في وجه الهيمنة الأمريكيّة، وإنّما في مواجهة قوى عالميّة أخرى صاعدة تمثِّل تهديداً للثقافة الأوروبية وتاريخها واقتصادها. ومع أنّ مشروع الاتحاد الأوروبي ومستقبل أوروبا شغل العديد من فلاسفة ومفكريّ ومشرعيّ أوروبا ومثقفيها، إلاّ أنّ صوت هابرماس ظلّ الأعلى في الدّعوة والدعاية لهذا المشروع لإيمانه أنّ الدولة-الأمّة بصيغتها الكولونياليّة السّابقة تعيش اليوم أزمة حقيقيّة في ظلّ زلزال العولمة ليؤكّد:

لقد حللتِ العلوم السياسيّة والاجتماعيّة دون مواربة أو تحيز هذه الظاهرة؛ وكان تقرريها عنها واضحاً جداً: لا تكفي الإمكانية الدفاعيّة للدولة-الأمّة المستفرد بها للحفاظ على الوضع القائم statu quo  داخل حدودها – سواء أكان ذلك من وجهة نظر دولة القانون، أو من وجهة نظر ديمقراطيّة، أو، وبالأخص من وجهة نظر اجتماعية – إلاّ بضمان أمن سكانها في وجه الخارج. إذن الدولة-الأمة أقل قدرة على إضفاء القيمة لمبادئها الخاصة في وجه التّطور السّريع للقانون الدوليّ وللنظام الاقتصادي العالميّ وأقل قدرة كذلك على ممارسة الارتقاء السياسيّ الّذي يحقّ لنا نأمل به. [2]

هابرماس المعادي في العمق لأحزاب اليمين المتطرّف وسياسات المحافظين سيرفع صوته لفضح فكرة القومية الّتي كانت شعار الأحزاب الفاشيّة الّتي اجتاحت المشهد السياسيّ الأوروبي في النّصف الأوّل من القرن العشرين. فمن هذا التّمجيد والتّفخيم للهويّة الألمانيّة ولد الشعار الألماني “ألمانيا قبل كل شيء. ألمانيا فوق جميع العالم” واندلعت الحروب الطاحنة بين دول أوروبا في الحربين العالميتين. رافضاً ومستنكراً هذا التقوقع القوميّ ذو النتائج الخطيرة، يكتب هابرماس عام 1990 بعيد سقوط جدار برلين:

إذا لم نرد أن نتخلص من التّمثيلات السّائدة في الدولة- الأمّة، وإذا لم نتوقف عن الإتكاء على عكازات ماقبل السياسيّة للقوميّة وجماعة القَدَر، فسيكون من المستحيل لنا (دون أن يكون علينا التّشارك في حمل وزر ثقيل)  أن نظلّ على الطّريق الّذي اخترناه منذ زمن طويل: طريق المجتمع المتعدد ثقافياً، والدولة الفيدراليّة كثيرة التّنوع لتنوع الأقاليم والتّنافس الفيدرالي القويّ، ولكن وبشكل خاصّ أن نظلّ على الطّريق نحو الدولة متعددة القوميات في أوروبا موحّدة. [3]

هكذا راح هابرماس ومنذ تسعينيات القرن الماضي يتبوأ واجهة المسرح التّنظيري لمشروع الإتحاد الأوروبي. وبما أنّ تفكيره لا يخرج عن إطار المركزيّة الأوروبيّة، فقد وجد في مثل ذلك الإتحاد تجسيداً سياسيّاً يفوق الدولة القومية supra-étatique ويتجاوزها ويدافع عنها.

أمّا “الذّهاب إلى ما بعد الدولة – الأمّة” فله عند هابرماس معنيان: 1- توحد الدول الأوروبيّة في حلف سياسيّ  هو الاتّحاد الأوروبي و 2- دولة المواطنة العالميّة. وسنتوسع في هذين المعنيين في الصفحات التّالية:

  • مشروع أوروبا والاتّحاد الأوروبي

لعلّ أكثر ما كان يُقلق هابرماس من آثار العولمة على أوروبا هي ردود الفعل عليها التي قد تتجلّى بالتّثبت على الهويات القوميّة الّتي راحت عولمة الأسواق وثورة الإتصالات الرقمية تعصف بها، وأن يؤدي ذلك بالتّالي إلى عودة أشباح النازية والدول الفاشيّة من جهة. كلّ ذلك دفع هابرماس لأن يؤلف كتاباً كاملاً خصصه لمناقشة هذه المسائل عنونه ﺑ ما بعد الدولة-الأمّة (1998) يؤكِّد فيه أنّ الدول الأوروبيّة حتّى تلك ذات النّظام الفيدرالي قد أصبحت أضعف من تصمد في وجه التغيرات القانونيّة والاقتصاديّة المتلاحقة ولا بد لها بالتالي من التّخلص من نرجسياتها القوميّة على اختلاف أنظمتها وتجاوزها في  مشروع سياسيّ أكبر له جسد سياسيّ بدستور وأنظمة وقوانين وانتخابات وتشريعات وسياسات داخليّة وخارجيّة. أمّا في كتابه دستور أوروبا (2012) يؤكّد هابرماس ضرورة تجاوز اتفاقيات التّعاون بين الحكومات بين الدول الأعضاء كما هو الحال اليوم مثلاُ بين فرنسا وألمانيا نحو دستور أوروبيّ يقوم على الديمقراطيّة الّتي صارت مهدَّدة في إطار الدول الأوروبية كلّ على حدّة وأنّه لا حلّ لمأزق الديمقراطيّة لتلك الدول سوى بإتحادها في دستور يقوم على أساس التّوافق التداولي لشعوب وحكومات تلك الدول.

هل يريد هابرماس بذلك جعل الاتّحاد الأوروبيّ سوبر دولة تلغي القوميات الخاصّة للدول الأعضاء المنخرطة فيها؟ إنّ البحث عن جواب حول هذه النّقطة أمر عسير لعدم توفّر جواب واضح يمكن استنتاجه. فهو من جهة يؤكّد أن هذا الاتّحاد لن يقضي على الخصوصيات الثقافيّة والهوياتيّة لدول الاتّحاد الأوروبيّ، لكن إصراره على دستور أوروبيّ مُلزم وجعل إتحاد الدول الأوروبيّة كياناً سياسياً كاملاً يقول عكس ذلك. وأياً يكن تصوّره عن الاتّحاد الأوروبي فهابرماس يؤكِّد على ضرورة تنسيق السياسات بين الدول الأعضاء عبر التّفاوضات والتّوافقات لتكوين إرادة سياسيّة مشتركة تقوم على التّضامن والسّعي للتفاهم بقصد حل المشكلات العامّة وإيجاد حلول للتّحديات المشتركة الّتي تواجه هذا الاتحاد الّذي يضمن مصلحة جميع الدول الأوروبيّة المنخرطة فيه. [4]

ولعلّنا لا نبالغ إن قلنا أنّ أكثر ما يشغل هابرماس نظرياً وعملياً منذ تسعينات القرن العشرين إلى اليوم هو مشروع الإتحاد الأوروبي، بل إنّ مصير أوروبا هو ما دفعه للتقرّب من جاك دريدا بعد خلاف طويل بعد أن أدرك أنّه أخطأ بحقّ فيلسوف التّفكيك وأساء فهمه فحثه على التّعاون المشترك فيما يتعلق بحاضر أوروبا ومستقبلها، قبل أن يوقعا معاً بياناً كتبه هابرماس (كان دريدا مريضاً لكنّه صادق عليه) حول أوروبا على إثر قرار أمريكا غزو العراق دعيا فيه إلى سياسة أوروبيّة خارجيّة مشتركة مؤكّدين معاً:

في عالم تتصلّب فيه السياسة لن يُدفع ثمن أكثر غباءً وكلفة من كلفة الحرب أو السلام. يجب على أوروبا أن تلقي بثقلها في الميزان على المستوى الدوليّ وفي إطار الأمم المتحدة، وأن تعطل الهيمنة أحادية الجانب للولايات المتحدة وأن تكون سياستها قادرة على الاضطلاع بتشكيل المستقبل. وليس المطلوب من الدول الأعضاء وضعها لعوائق المنافسة بينها جانباً فقط، ولكن في وصولها إلى إرادة مشتركة لا تعتمد إلا على دوافع تلك الدول وقناعات المواطنين أنفسهم.[5]

لا يزال هابرماس حتّى لحظة كتابة هذه الأسطر متحمسا جدّا لمشروع دستور أوروبي موحّد إلى درجة أنّه كان يتدخل مثلاً قبل وأثناء وبعد التّصويت على مشروع الدستور الأوروبي”[6]؛ ولا يزال يحث الأوروبيين على دعم هذا المشروع الجامع. وفي كلّ مرة يكون هناك استفتاء شعبي أو تصويت يخص الاتّحاد الأوروبي يجمع هذا الفيلسوف الكهل قواه ويكثف نشاطاته كتابةً وخطابةً ونقاشاً للدّفاع عن هذا المشروع الّذي تكاد كتاباته ومحاضراته الأخيرة تقتصر عليه. هكذا وبعد ظهور نتائج الاستفتاءات عام 2005 في فرنسا وهولندا الرّافضة للدستور الأوروبي خاب أمل هابرماس ووصف تلك النتائج بأنّها ” أكبر كارثة انتخابية يمكن توقعها …”[7]. وقد كان قد حذّر الأوروبيين قبل ذلك التّصويت من الأخطار التي قد تنتظر أوروبا إذا لم تتوحد دولها وراء دستور مشترك يجمع الأوروبيين ويوحّد جهودهم فقد خاطب الفرنسيين قبل تصويتهم على الدستور بهذه الجمل المنذرة: “لم يعد بوسع أوروبا أن تظل منتظرة إذا لم تكن تريد ترك مصيرها السياسي والقرارات المتعلقة بمستقبل نموذجها الاجتماعي في أيدي الآخرين.”[8] قبل أن يضيف قائلاً: “لأوّل مرةّ في مسار التّوحيد الأوروبيّ، نواجه خطر الانحدار السياسيّ – والسّقوط في مرحلة التّقوقع السّابقة.”[9] ثمّ وبلهجة تذكر بالقيامة ونهاية العالم يتوجس هابرماس من الأسوأ في حال فشل التّصويت على مسودة الدستور الأوروبي قائلاً: “ستصبح أوروبا غير قابلة للحكم،  وليس هناك بالتّالي سوى بديل واحد فقط: فإمّا أن نصل إلى صياغة هويّة أوروبيّة، أو أن تختفي القارّة القديمة من المشهد السياسيّ العالميّ”[10].

ولعلّ هذا الإصرار على الهويّة الأوروبيّة في مقابل تحذير من الإنغلاق على الهويّات القوميّة الخاصّة بكلّ دولة أوروبيّة على حدة، ليس سوى توسيع لسجن القوميّة لا الخروج منه. والحقّ يقال إنّ هابرماس فيلسوف يعاني من مشكلة التّمركز على الهويّة الأوروبيّة بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة من معاني لا ترى في الآخر (غير الأوروبي) سوى ملحق من ملحقاتها وقد انتبه النّاقد الكبير إدوارد سعيد سابقاً لهذه النّقطة عند الممثل الأبرز للجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت حيث يقول عنه في كتابه الثّقافة والإمبرياليّة: “المنظِّر يورغين هابرماس، يشرح في إحدى لقاءاته الصحفية أنّ الصّمت هو امتناعٌ عن التّشاور: لا، بل إنّه يقول: ’ليس لدينا شيء لنقوله في الحقيقة حول الصراع ضد الإمبريالية وضد البرجوازية في العالم الثالث’، ولو أنه يضيف ،أنا على وعي بحقيقة أن هذه وجهة نظر محدودة للمركزيّة الأوروبيّة’.”[11] وهي مركزيّة لن يتخلص منها حتّى في إطار معالجته لمسألة الكوزموبوليتانيّة أو دولة المواطنة العالميّة الّتي نظّر لها مستحضراً كانط.

**********

[1]  الفلسفة في زمن الإرهاب، مرجع مذكور سابقاً، ص. 88.

[2] J. Habermas, Sur l’Europe, trad. Christian Bouchindhomme et Alexandre Dupeyrix, Bayard, 2006, p. 7.

[3] Jürgen Habermas, Écrits politiques. Culture, droit, histoire, trad. Christian Bouchindhomme et Rainer Rochlitz, Les Éditions du Cerf, 1990, p. 285.

[4] J. Habermas, Après l’État-nation. Une nouvelle constellation politique, trad. Rainer Rochlitz, Paris, Fayard, 2000, p. 105.

[5] J. Habermas et J. Derrida, “Europe : plaidoyer pour une politique étrangère commune”, trad. Christian Bouchindhomme, Libération, 30 mai et 1er juin 2003.

[6] انظر كلمة الغلاف لكتابه عن أوروبا، مرجع مذكور سابقاً.

  [7] المرجع السابق، ص. 57.

 [8] المرجع نفسه، ص. 6.

[9] المرجع نفسه، ص. 7.

[10]  المرجع نفسه، ص. 15

[11] Edward Said، Culture and Imperialism، Random House، London، 1993، p. 336

وقد فصّلنا شخصياً في هذه النقطة في كتابنا المنشور بالفرنسية بعنوان ازدواجية الحداثة – هابرماس في مواجهة ديريدا (2017).

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق