سلافوي جيجك “كلص في وضح النَّهار”

بقلم: ماكس هيكه

يرى الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك أنّ العالم يسير قدماً باتّجاه الكارثة. و تراه ينصحنا بأن نمسك أعصابنا: ففي الكارثة، تكمن الفرصة في عالم أفضل. يشد كتاب “كلص في وضح النهار” القارئ إلى سحره، بمرحه المألوف.

 جيجك والتأسيس الجديد للمادية الجدلية

ما وظيفة الفلسفة؟ طالما شغل هذا السّؤال الفلاسفة منذ البداية، وكذلك يشغل كتاب جيجك الجديد، وفيه لا يجيب على السؤال بنفسه، ولكنّه يحيل إلى صديقه الفيلسوف الفرنسي ألان باديو:

“سعى آلان باديو إلى إفساد الشّباب، بداية مع الإدعاء المثير، أنّه بدءاً من سقراط كانت تكمن وظيفة الفلسفة في إفساد الشّباب، بإبعادهم عن الإيديولوجيّة السياسيّة للنّظام السّائد، وبخلق شكوك جذرية حوله، حتّى يفكرّوا بشكل مستقل وموهوب.”

الفلسفة كمُشاغَبة

الفلسفة بطبيعتها مُفسِدة، لأنها تطرح التّفكير المعارض للنّظام القائم. ضمن هذا التّقليد يرى جيجك نفسه كمشاغب. فهو يرى أنّ الأشياء في عصرنا الحالي تزداد تعقيداً:

“أعتقد أنّ النّظام حالياً يعمل بهذه الطريقة، إنّها نوع من الفساد المنظّم”. فالمجتمع لا يقول لنا اليوم: كُن موالياً، أو أطِع السّلطات، بل يقول: عَبر عن مصالحك، ثِق بتجاربك. النّظام نفسه مُفسِد، ويجيز لنا أن نفعل كلّ شيء”.

يرى جيجك في مجتمعنا المعاصر، أنّ الذّات الغربية، محاطة بعدد غير محدود من الحريات: يمكن للإنسان السفر، والاستهلاك كما يحلو له، وأن يكتشف رغباته الجنسيّة، وهويّته الشخصيّة من جديد، أو أن يختبر، كمالك لزمام أمره، العديد من الأعمال والمهن. وبحسب جيجك، فحرية الاختيار هذه، تقود إلى اختيار إلزامي، وتصب في خانة الأنا العليا. علينا دائماً أن نستهلك أكثر، نكتشف كلّ جديد، حتّى نساير سرعة المجتمع الراسمالي. ويحيق صمتٌ مطبق، حول معامل السخرة (Sweatshop)، في الدول النامية والصناعيّة، الّتي تمثل الجانب الآخر لحريتنا في الاستهلاك. وظيفة الفلسفة الحقيقيّة معنية بهذا الجانب. يقول جيجك: “نقود الشّباب لمعرفة المخاطر، الّتي ينطوي عليها النظام العدمي، الّذي يقدم نفسه كحامل للحريات الجديدة. نحن نعيش في عصر استثنائي، لا يمكننا فيه إرساء أي تقليد لهويتنا، ولا يمكننا تكوين إطار ذي معنى لعالمنا، نحن نحيا على حياة قائمة على اللّذة المستنسخة”

على طريق انهيار النّظام

إنّ توصيف العصر الاستثنائي، ورسم معالم الخروج من العدمية، هو الهدف الأساسي لكتاب جيجك الجديد. وهو يقودنا إلى قلب التّغييرات، كحال عنوان الكتاب “كلص في وضح النّهار” الذي استقاه من الكتاب المقدّس (1)، إذ يحدث التّغيير، بحسب جيجك أمامنا في وضح النّهار. ويريد أن نفتح أعيننا.

العلامة الأولى من علامات تغير النّظام، يراه في صعود الصين: النّظام الشّمولي، الّذي يحكم البلد تحت قيادة حزب اشتراكي واحد، هو المدير الأنجح للرأسماليّة. بلدٌ يقدم أرقاماً في النمو، تكاد لا تصدق، ويدوس حقوق الإنسان تحت قدميه. يرى جيجك في الصين نسخة كربونية من مستقبل الدّول:

“يتكوّن نظام جديد، ندعوه الرأسماليّة المتسلّطة، وهو ينتصر رويداً رويداً. لذلك أعتقد أنّ الكارثة تكمن في منطق عبارة من قبيل، “أمريكا أولاً”، أو، “روسيا أولاً”. نحن ضائعون لو تابعنا على هذا النّحو”.

أشكال جديدة من السّلطة

عندما يفكّر كلّ بلد في مصالحه القوميّة، ستبدو الحلول لمشاكلنا الكوكبيّة المستفحلة، غير ممكنة، وستنشب الصراعات. على هذا النّحو الكارثيّ يصف جيجك التّطور في العالم الرقمي: ما بدا مفعماً بالأمل، كحيز للحرية الجماعيّة، يتحوّل إلى نوع جديد من التّسلط. شبكات الإنترنت تجعل من رغباتنا الحميمة، سلعة، وتتعاون طوعياً مع أجهزة المخابرات القوميّة. في الوقت نفسه لا يوجد جانب من الحياة، غير متصل مع الأنترنت.

“هذه الأشكال الجديدة غير المسبوقة، من السّيطرة، تهدد الفكرة الديمقراطيّة، فكرة أن على النّاس أن يقرروا. كيف ذلك؟ عندما يتمّ التّحكم بنوع، وطريقة تواصلنا عبر غوغل وشركاه”.

هنا يأتي دور التّقدم التقني، بالسّماح في التّدخل في الجينوم البشري، أو واجهة الدماغ والحاسوب (Computer-Hirn-Schnittstellen) (2): “نحن نتجه إلى عصر ما بعد الإنسان (Posthumane) (3)، وفيه تُحكَم حياتنا عن طريق اللوغارتيمات”. كما يقول جيجك.

نهاية الطّبيعة

تثبت الكوارث البيئيّة، أنّنا مارسنا استغلالاً مفرطاً بحقّ الطّبيعة. نحن نعيش ما تسميه الفلسفة بنهاية الطّبيعة:

“يمكن للبشر أن يفعلوا ما يحلو لهم، ومن هذه النّاحية فقط، يحافظون على المسافة الكافية حتّى لا يدمروا معيار الحياة على الأرض. إنّ تقييد حريتنا، الّتي باتت ملموسة مع ارتفاع حرارة الأرض، هي النتيجة المناقضة للنّمو الأسي لحريّتنا وللسّلطة، ما يعني، ازدياد نشاطنا، في تغيير الطبيعة إلى الحدّ، التّي يزعزع الأسس الجيولوجيّة للحياة”

جيجك معروف بنظرته القاتمة، وهي ليست المرّة الأولى الّتي يسمع المرء منه فكرة، أنّنا نحيا عصر النهاية. ولكن ثمّة جديد خلاف ذلك، فالسيناريوهات المرعبة الّتي يناقشها في القسم الأول من الكتاب، تفتح المجال لتغيير إيجابي. وهو مقتنع أن لدينا الخيار بين الأفول أو التّغيير الجذري:

“نحتاج إلى تغيير على مستوى كوكب الأرض. أعذروني، لا يمكنني تصور مثل هذا التّغيير، إلاّ في إطار شيوعي غامض المعالم، لا يمت إلى الشيوعيّة القديمة بصلة. هنا نحتاج إلى جهد على صعيد العالم أجمع، قوي بما فيه الكفاية، ليتجاوز مصالح القوميين والرأسماليين”

حيا على الثّورة

يجد جيجك في لينين نموذجه الملهم في التّغيير الجذريّ. وهو يريد توظيف أفكار مُنظر الثورة البلشفيّة، لصالح عصرنا الحالي. وتحديداً: يطالب جيجك  بوحي من لينين، باحتجاجات على نطاق العالم، وبجهد سياسي عالمي، قادر على استثمار اللّحظة الرّاهنة، والخبرة العملية، في تولي كافة خدمات الانترنت، والبنية التحتيّة الحرجة. لذلك يَجهر جيجك بتجديد الشيوعية وإعلان حقبة إنسانيّة بعيدة عن الإستغلال الرأسماليّ:

“في الرأسماليّة أكون مُستعبَداً تماماً، عندما أشعر بالحريّة: نحن نتبع الحريّة الرأسماليّة حتّى النّهاية، حين تتحوّل إلى شكل من العبوديّة، وعندما نريد أن نتحرّر من “العبوديّة الطوعيّة ‚servitude volontaire‘” الرأسماليّة، علينا من جديد، أن نمنحها الشّكل المناقض لها، حيث الوظائف تُؤدى بملء الإرادة”.

الكتاب الجديد يقدم نفسه كدليل عمل للثّورة، ومع ذلك يفتقد لإرشادات محددة، الأمر الّذي يفعله جيجك بدقة، في بعض تحليلاته، حين لا يود أن يكون دقيقاً. وبمراعاة أهدافه الخاصّة من الكتاب، فإن توصيف وتقييم تطورات السنة الماضية، وطرح الحلول للنّقاش في أقل من 300 صفحة، أمر لا يمكن تجنبه تقريباً. إنّه يواجهنا بسؤال مُقلق، حول ما إذا كان تغيير النّظام ممكناً، ويقدم أجوبته الخاصّة عبر الصّفحات، كبديل مفيد لسياسة لا بديل لها.

“من غير المفيد انتظار اللّحظة المناسبة، ليكون التّغيير النّاعم ممكناً، فهذه اللّحظة لن تحدث، ولن يسمح لنا التّاريخ بمثل هذه الفرصة. على الإنسان أن يقتحم المخاطر ويهاجم بنفسه، عندما يبدو الهدف غير قابل للتّحقيق، وحينئذ، وبطريقة ما أيضاً، يمكن للمرء أن يغير الوضع، وبذلك يصبح غير الممكن، ممكناً، من ناحية النّوع والطّريقة، وبشكل لا يمكن أن يتنبأ به أحد”.

 نغمة المُحَرض المحافظة

إلى جانب الأفكار التحريضيّة، الّتي تدفعنا باتجاه التغيير الجذري، يجد المرء في كتاب جيجك أفكاراً محافظة جداً:

“المرعب حقاً لدى ترامب هو أخلاقه السّيئة. هذه ليست نكتة! اليسار الراديكالي سيقول: انسَ آداب السّلوك، وخذ بالأشياء الواقعيّة. لا. آداب السّلوك هي الحكَمُ الفصل، وهنا أنا محافظ: نحن جميعاً في دخيلتنا متعصبون أشرار، ولا يمكن للمرء تغيير ذلك: ولكن ماذا عن العلن؟ عندما يكون منافقاً في سره، يتصرّف بشكل علني”.

الشّيوعي الّذي يتأرجح، باتجاه آداب اللّياقات الرسميّة العلنيّة؛ صاحب الرؤية القاتمة، الّذي يأمل بتغيير مُحرر. هذه التّناقضات هي الوقود الفكري، الّذي يجد صداه لدى أستاذه هيغل.

حين يحضر جيجك، لا تغيب النّكات اللاّذعة، ولا يجري إغفال جنس مابعد الإنسان، والتّحليلات المسهبة عن أفلام هوليوود، مثل فيلمي (La La Land،Blade Runner 2049 ).

الجَليْ: جيجك

أسلوبه الإنتقائي، يجمع هوليوود مع الشيوعيّة، أو يبحث عن تشابه بين أغاثا كريستي مع مدافعة عن سلطة أخلاقيّة ضائعة. وعيه الشّائك، يجعل أحياناً من الصّعب قراءته، ولكنّه من جهة أخرى جدير بالقراءة، إذ يقدم طرقاً وأمثلةً جديدة لدعم أفكاره.

سيان أي مسار سيتخذه التّاريخ، فسلافوي جيجك يمارس الفلسفة، لتحريض الشّباب أو لتنبيههم. وبالنّظر إلى أوضاع العالم اليوم، فإنّ مادّة عمله لن تنفذ.

********

Slavoj Žižek: „Wie ein Dieb bei Tageslicht. Macht im Zeitalter des posthumanen Kapitalismus“, aus dem Englischen von Karen Genschow, S. Fischer Verlag, Frankfurt am Main, , 274 Seiten, 19 Euro

 

المصدر: https://www.deutschlandfunk.de/slavoj-zizek-wie-ein-dieb-bei-tageslicht-ein-handbuch-zur.700.de.html?dram:article_id=448620

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. ابراهيم عنان

    مقال جميل وواضح عن جيجيك الملتبس والمتحدي والترجمة صافية – ننتظر المزيد من الترجمات

  2. د. أحمد طه قهوجي

    شكرا أ. محمد
    مقال رائع.. يوقظ الدماغ على أشياء اعتيادية نمارسها بشكل مقصود ظنا منا اننا نمارسها بحرية.. غير مدركين اننا في صندوق مغلق.. نتحرك كما يشاؤون هم.. ومن هم.. عولمة التفكير بما يخدم مصالح الشركات الكبرى.. يقلبوننا داخل ذاك الصندوق ونتدحرج إلى أماكن أخرى مقتنعين اننا وجدنا الطريق الصحيح لخوض حياة كلها نعيم..
    نعم، أوافق صاحب المقال الفلسفي الرائع
    شكرا لمساهماتك في ترجمة ما هو مفيد ومبدع.. سلامات

أضف تعليق