دراسة نقديّة في فكر هابرماس السياسيّ

الجزء الثّالث: المواطنة العالميّة والقانون الدوليّ

بمناسبة الذّكرى المئويّة الثانيّة لصدور كُتيب كانط المعروف نحو السّلام الدّائم. مشروع فلسفيّ (1795) Zum ewigen Frieden. Ein philosophischer Entwurf، يكتب هابرماس نصّاً قصيراً مستوحى من محتوى وعنوان كتاب كانط نفسه ويعنونه ﺑ السّلام الدّائم – المئويّة الثانيّة لفكرة كانطيّة (1996) يراجع فيه بشكل أساسيّ مفهوم المواطنة العالميّة الكانطي. في مراجعته تلك يأخذ هابرماس بالحسبان المسافة الزمنيّة والتّطور القانونيّ والتكنولوجي الّذي يفصلنا عن نهايات القرن الثّامن عشر الّتي كتب فيها كانط مشروعه حول السّلام الدّائم. يوضّح هابرماس هذه النّقطة بالقول:

بفضل المعرفة الإضافيّة الّتي استفادت منها الأجيال اللاّحقة – دون أن يكون لها فضل خاصّ في ذلك – نعلم اليوم أنّ المشروع المقترح من قبل كانط يطرح مشكلات مفاهيميّة فضلاً عن أنّه لم يعد ممكنا التّوفيق بينه وبين المعرفة التاريخيّة الّتي نمتلكها نحن.[1]

يشير هابرماس بفطنة إلى أنّ فكرة السّلام عند كانط مرتبطة بفكرة الحرب ومحدودة مثلها، فالحرب في التّصور الّذي كان يمكن لكانط أن يصوغه وفقاً لمعطيات عصره التاريخيّة والتقنيّة تنحصر في حرب محدودة في المكان والزّمان بين مجموعة دول أو تحالفات محدودة دون أن تسمح ظروف العصر والتّطور التقني آنذاك بتصور حروب عالميّة ولم يكن هناك بعد إرهاباً يلجأ إلى القنابل[2] ولذلك كانت الأهداف السياسيّة للحروب محدّدة ومحدودة. وبما أنّ الظّروف والمعطيات والمصالح والتّطور التقني قد غيّر في مفهوم الحروب وأسبابها وبالتّالي في فكرة السّلام نفسها، فإنّ مشروع كانط حول السّلام والمواطنة العالميّة يحتاج إذن إلى مراجعة وتحديث كما يرى هابرماس.

لكن قبل المضي في مراجعة المراجعة الهابرماسيّة لكانط، لنتذكّر أوّلاً أنّ فكرة السّلام الأبديّ قد راودت كانط قبل سنتين من ظهور كتيبه الشّهير نحو السّلام الدّائم. ففي عام 1793 نشر كانط مقالاً اقترح فيه فكرة “دولة عالميّة للشّعوب تفرض قوانينها على كلّ الدول الخاصّة”[3]. لكن هذا التصوُّر لدولة فائقة أو سوبر دولة ذات كيان سياسيّ تخضع له جميع الدول سيتراجع عنه كانط بعد سنتين ليقترح بدلاً عنه ميثاق إنسانيّ أو عقد اجتماعيّ عالميّ يقوم على التّضامن بين الشّعوب كما سيفصِّله في مشروعه حول السّلام الدّائم بين الأمم.

ما الّذي جعل كانط يتراجع عن فكرة دولة عالميّة فائقة تخضع لها كلّ الدّول والأمم القوميّة وتذوب فيها؟ لهذا التّراجع الكانطي السّريع سببيّن برأينا. الأول تاريخيّ موضوعيّ يتعلّق بحالة القانون الدوليّ والمواثيق والعهود الدوليّة في عصر كانط الّتي تفترض وجود الدولة القوميّة وسيادتها كبديهيّة من بداهات السّياسة. والسّبب الثانيّ بنيويّ يتعلّق ببنيّة تفكير كانط، وبتحديد أكبر بصوريّة الأخلاق عنده الّتي تفترض الحريّة الفرديّة والمسؤوليّة الشخصيّة حتّى ولو كانت كونيّة كما تجلّى ذلك في تنظيره لفكرة الواجب الأخلاقي. وبمعنى آخر الكونيّة الأخلاقيّة الكانطيّة تقوم أساساً على ذوات فرديّة حرّة تتصرف بمسؤوليّة بحيث تجعل من تصرفاتها قانوناً كونياً، وتلك الحريّة والمسؤوليّة ستظل حاضرة على ما يبدو في ذهن كانط حين كتب عن دولة المواطنة العالميّة ممّا سيجعله يتراجع عن فكرة دولة عالميّة تبتلع بقيّة الدول وتخفي هوياتها القوميّة الخاصّة. بحسب هذا التّصور، فإنّ فهمهه للذّوات الحرّة المسؤولة سينتقل لتصوره لفكرة الدول القوميّة والّتي ستتمثّل حريتها كلاسيكياً في سيادتها وسيصبح العقد الاجتماعيّ للأفراد الأحرار، المستوحى من روسو أولاً، إئتلافاً وميثاقاً بين الشعوب لا يقضي على حريّة السيادة الخاصّة بكلّ دولة. كان كانط يتخوّف أن ينتهي مشروع قيام دولة عالميّة مؤلّفة من مجموع دول العالم إلى دولة توتاليتاريّة هائلة على مستوى العالم أو، كما كان يتوجس، “استبدادً أكثر رعباً”[4] من استبداد الدول القوميّة منفردة. كلّ هذا سيدفع كانط إذن للعزوف عن فكرة “دولة المواطنة العالميّة” ليقترح بديلاً آخر يتمثّل في مشروع إئتلاف عالميّ لشعوب العالم وإلى التّمييز بالتّالي بين عقد أخلاقيّ (لكن غير ملزم قانونياً) للمواطنة العالميّة، والقانون الدوليّ الّذي يضع تشريعات ملزمة تضبط العلاقات بين الدّول. على الرّغم من اختلاف هذين السببين اللذين نقدمهما، إلّا أنّها يلتقيان في النّهاية في إشكاليّة واحدة: “سيادة الدولة-القوميّة” بشقيها السّيادة الخارجيّة والسّيادة الداخليّة[5] (وهي نفس الإشكاليّة الّتي ستواجه من بعده كلّ من كارل شميت وحنا أرندت وهابرماس و دريدا- حيث سينظِّر لها كلّ على طريقته).

بالعودة إلى قراءة هابرماس لمشروع كانط، نجد أنّه وفي مطالبته بمراجعة قانونيّة لفكرة المواطنة العالميّة الكانطيّة يُطالب هابرماس بضرورة تحديد الفرق الّذي اقترحه كانط بين قانون للمواطنة العالميّة والقانون الدوليّ الكلاسيكيّ. دون أن يقول ذلك بوضوح، لكن الفرق الّذي – يمكن استنتاجه من قراءة كانط – بين القانون الدوليّ ومشروع المواطنة العالميّة الّذي يقترحه، يتمثّل في أنّ القانون الدوليّ يضع قوانين ويحدّد شروط لإمكانيّة قيام الحروب كما أنّه يعاقب على انتهاك هذه القوانين كما يحدث مثلاُ فيما يصفه بكونه جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانيّة، في حين أن قانون المواطنة العالميّة أو السّلام الدّائم يسعى إلى وضع حدّ نهائي للحروب. أي، على خلاف القانون الدوليّ الّذي يتصرف بشكل رجعي بعد وقوع الحروب ويضع عقوبات جزائيّة على تجاوزاتها (أي يعترف بها بالتّالي ويسمح بها وفق شروط يحِّدها)، يقترح كانط فكرة “وقائيّة” للسّلام الأبديّ تضع شروط قَبْليّة تلغي أسباب الحروب من أصلها أي قبل أن تبدأ حتى.

يرى هابرماس أنّ كانط مطالب مع ذلك بتفسير الكيفيّة الّتي يضمن بها إئتلاف شعوب العالم تحقيق السّلام وإنهاء الحروب، في حين أنّه يفتقر إلى نظام تشريعيّ مُلزِم كالدستور ولا يتوقف على سلطة تنفيذيّة فاعلة تقوم بتنفيذ القرارات الصادرة عنه وتجعلها محترمة.  بالنسبة لهابرماس يظلّ المشروع الكانطيّ غير فاعل إذ دون:

هذا العنصر الإلزاميّ، لن يحظى مجلس السلام لمجموع الدول بهيئة مجلس “دائم”، ولن تأخذ الجمعيّة الطوعيّة شكلاً مستمراً لجمعيّة “دائمة”، ولكنها سوف تظل مرتبطة بمجموعة مصالح غير مستقرة ومن ثمّ تتفكك كما سيحصل لاحقاً لعصبة الأمم في جنيف.[6]

بنفس هذا المنطق يدلفع هابرماس عن الجانب القانوني في حقوق الإنسان الّتي لا تقتصر ولا يجب أن تقتصر برأيه على جانب أخلاقي غير ملزم. هنا أيضاً يريد هابرماس الإنتقال بحقوق الإنسان من مستوى الإلزام الأخلاقي إلى مستوى التطبيق القانونيّ ليجعل منها إلزاميّة وعقابيّة لمن لا يحترمها وليست مجرّد معاهدات ومواثيق دوليّة أخلاقيّة غير إلزاميّة تترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لإنتهاك حقوق الإنسان دون وازعٍ أو رادع[7].

هكذا يعود هابرماس إلى تفعيل فكرة كانط الأولى الّتي عبّر عنها في مقاله “حول المكان العام” قبل أن يتراجع عنها والّتي تُطالب بمأسسة قانونيّة لفكرة دولة المواطنة العالميّة. يرى هابرماس إذن أنّه لا يمكن الاكتفاء، على الطريقة الكانطيّة، بالإلزام الأخلاقيّ وبالثّقة بالمعياريّة القطعيّة للواجب الأخلاقي لتكون مثل هذه الفيدراليّة بين الدول ملزمة لجميع أعضائها. من الصّحيح أن كانط نفسه كان على وعيّ بذلك الضعف في إلزاميّة معياريته الأخلاقيّة وإنّه سيحاول تعويض ذلك الضّعف بمطالبته بمنح العقل صفة “القانون العام”[8] وأن يحظى الإئتلاف الدوليّ “بدستور جيد”[9]؛ ومن الصّحيح أيضاً أنّ كانط قد حاول إضفاء الصفة القانونيّة للأخلاق بجعلها “مذهبًا قانونيًا” كما يتجلّى ذلك في كتابه مذهب القانون، لكنّه لم يقدّم في مشروعه حول السّلام الدّائم ودولة المواطنة العالميّة سوى اقتراحات قانونيّة تحتاج قبلاً وأولاً إلى بنيّة سياسيّة متمثلة في دولة مواطنة عالميّة وهو ما تراجع عنه كانط كما رأينا لصالح إئتلاف يرتكز أكثر على الالتزامات الأخلاقيّة محاولاً بذلك المصالحة بين الأخلاق والسّياسة. هكذا طغت المثاليّة على مشروع كانط الّذي ظلّ رغم معياريته طوباوياً مثل معظم تلك الأفكار الّتي ميّزت عصر الأنوار عمومًا والّتي تقوم على ثقة مبالغ فيها بالعقل وبالأخلاق، لكن الّتي ستتكشف عن عريّ وانحرافات سياسيّة وأخلاقيّة في القرن العشرين كما سيكشف أدورنو وهوركهايمر مثلاً في كتابهما جدل التّنوير.

لكن إذ يعترّض هابرماس على الحلّ الأخلاقيّ الّذي أضطر إليه كانط ليحتفظ بسيادة الدول القوميّة متراجعاً على الطرح القانونيّ المؤسساتي لدولة المواطنة العالميّة، فإنّ السّؤال الّذي يطرح نفسه هنا، هو كيف سيحل هابرماس فكرة إنشاء مؤسسة قانونيّة عالميّة مُلزمة لجميع الدول دون أن تستند إلى فكرة سوبر دولة عالميّة تطيح بسيادة الدول القوميّة؟ وبمعنى آخر بإصراره على إيجاد قانون مؤسّس لدولة المواطنة العالميّة سيجد هابرماس نفسه أمام نفس الإشكاليتين الّتي وقف أمامهما كانط من قبل: سيادة الدولة-الأمة واستمرار الحروب العقابيّة المُهدِّدة للسّلام. كنّا رأينا سابقاً في تنظيراته لتجاوز الدولة-الأمة في إطار مشروع أوروبا الموحّدة، كيف أن هابرماس ليس من أولئك المنظرين الّذين يقدسون فكرة سيادة الدولة القوميّة، بل على العكس يطالب بتجاوزه في تحالفات أوسع كخطوة أولى نحو دولة مواطنة عالميّة تتطلب التّنازل عن السّيادة المطلقة للدول القوميّة. بفصله بين استقلال المواطن وسيادة دولته القوميّة[10] يفتح هابرماس الباب أمام مفهوم للمواطنة العالميّة يعتمد على مواطني وشعوب العالم لا دولها. بهذه الطّريقة يفك هابرماس قانون المواطنة العالميّة من التبعة لإكراهات القانون الدوليّ الّذي يتعامل مع الأفراد بوصفهم تابعين لكيانات كليّة وخاضعين لقوانين تخضع للعلاقات بين الدول فيطالب بتجاوزه محاولاً بذلك الجمع بين قانون المواطنة العالمي وقانون الأفراد. وبمعنى آخر يريد هابرماس الجمع بين القانون الدولي وقانون الأفراد وتجاوزهما في نفس الوقت نحو قانون مواطنة عالميّ. دون أن يقول ذلك  صراحة، لكن من الواضح جدّاً أنّ هابرماس أميل إلى تبني فكرة دولة المواطنة العالميّة مكتملة السّيادة تطالب جماعة الشّعوب “أن تكون قادرة على حمل أعضاءها – تحت طائلة العقوبات – على احترام القانون.”[11].

على مسافة قرنين من كانط، يعرف هابرماس جيّداً أنّ التّاريخ لم يستجب لآمال كانط الأخلاقيّة على مستوى دولة المواطنة العالميّة، ولهذا سيطالب ببراغماتيّة واضحة وبمعياريّة قائمة على ترسانة مفاهيميّة حديثة بتحويل الإلزام الأخلاقي الكانطي إلى مؤسسة قانونيّة نافذة الأحكام وملزمة مثل الدستور. في هذا الصّدد يشرح هابرماس موقفه من فكرة كانط بالقول: “في الواقع ، فإنّ تأسيس وضعيّة مواطنة عالميّة يعني أن لا تتم محاكمة انتهاكات حقوق الإنسان بشكل مباشر ومكافحتها وفقاً لمعايير أخلاقيّة، بل متابعتها في إطار نظام قانوني دولاتي [من الدولة]، وفقًا لإجراءات قضائيّة ممأسسة، تماما مثلما هو شأن الأعمال الإجراميّة”[12].

يعلم هابرماس أنّه لا يُقدِّم جديداً في هذا المطلب، فالتحول قد جرى أصلاً على الفكرة الكانطيّة وتمّ، منذ نهاية الحرب العالميّة الثانيّة، وضع قوانين وتشريعات عقابيّة وردعيّة معمول بها دولياً كما ينص مثلاً الفصل السّابع من ميثاق الأمم المتحدة الّذي يُخول مجلس الأمن بموجبه – في حال تمّ تهديد السّلام أو الإعتداء على سيادة إحدى الدول أو إرتكاب جرائم حرب – إتخاذ الإجراءات المناسبة بما في ذلك التّدخل العسكري.

هذا صحيح، لكن هابرماس يعلم كذلك أنّ الأمم المتّحدة على أهميّة دورها ونبل مهمتها إلّا أنّها خاضعة للقوى الكبرى ولم تستطع رغم توقفها على هيئة قانونيّة هي الميثاق وسلطة تنفيذيّة هي مجلس الأمن أن تحلّ السّلام أو العدل ولا أن تجعل قراراتها محترمة أو إلزاميّة فعلياً اللّهم إلّا بما يتلاءم مع صراعات ومصالح الدول الكبرى. لهذا يطالب هابرماس عن حقّ، بإعادة النّظر في كلّ من القانون الدوليّ، وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، لأن هذه الكيانات القانونيّة تحتاج هي نفسها إلى مراجعة ضروريّة اليوم تطال إعادة النّظر في دورها وبنيتها ومدى استقلال قراراتها. فمجلس الأمن مثلاُ لا يمتلك جيشاً خاصاً به وهو يعتمد اعتماداً كلياً على المشاركة العسكريّة الطوعيّة للدول الأعضاء في تنفيذ قراراته الجزائيّة والعقابيّة ممّا يتركه فريسة لهيمنة القوى السياسيّة الكبرى ولهذا فهو ليس سوى وحشٍ من ورق أو فزّاعة في نظر هابرماس الّذي يستنكر وضعيّة تلك المؤسسة الدوليّة بالقول:

لا يزال مجلس الأمن غير قادر على أن يفعل أكثر من تقديم ملاحظات مُنتقاة حول المبادئ المعلنة للمجموعة الدوليّة. لقد أظهرت مأساة سربرنيتسا أن فِرق الأمم المتحدة ليست في وضعيّة تمكِّنها من فرض الضّمانات المطلوبة. إذا كان مجلس الأمن معوقاً عن تنفيذ قراراته، كما كانت حاله حيال مسألة صراع كوسوفو، وإذا قام مقامه تحالف إقليمي، مثل حلف الناتو، يتصرف من دون إيعاز من القوى العظمى، فإنّ ذلك سيُظهر الفارق الحاسم في القوة بين السلطة الشرعيّة، ولكن الضعيفة، والمتانة الحاليّة للدولة/الأمة (States-Nation) القادرة على الفعل العسكري، لكنها لاتتبع في ذلك إلّا مصالحها الخاصّة.[13]

يشير هابرماس كذلك إلى مشكلة أخرى تهيمن على مجلس الأمن تتمثل في الدول الدّائمة العضويّة فيه والّتي تستأثر بحقّ النقض الفيتو ممّا يعطّل مهمّة مجلس الأمن فيقول: “نعلم أنّه وخلال عقود قد شلّوا قرارات مجلس الأمن بشكل متبادل”[14] كما أدّت هيمنت تلك الدول على مجلس الأمن إلى استخدام تمييزي وتفضيلي انتقائي لقوّة مجلس الأمن وتجاهل مبدأ المجلس القائم على المساواة في التّعامل مع الأحداث وبين الدول. ما العمل إذن والحال كذلك؟ يرى هابرماس ضرورة تجاوز القانون الدولي الحاليّ في قانون مواطنة عالميّة يرث القانون الدولي الّذي يعاني الكثير من الخلل والثّغرات الّتي تسمح للدول الدكتاتوريّة باستغلاله. فعلى سبيل المثال خلافاً للبند السّابع لميثاق الأمم المتحدة، تطرح هذه الأخيرة قانوناً آخر يحد منه، بل ويناقضه جزئياً وهو بند يتمثل بإقرار حقّ كلّ دولة في الدّفاع عن نفسها عسكرياً ممّا يجعل سيادة الدولة محدّدة ومطلقة في آن. لتحقيق ذلك الانتقال من القانون الدولي إلى قانون مواطنة عالمي يرى هابرماس أنّه لا بدّ من توفّر شرطين لثنين على الأقل: 1- تجاوز مفهوم الدولة-الأمّة، أي عقدة الهويات القوميّة من جهة، و، 2- إضعاف مفهوم السّيادة المطلقة للدولة وإيجاز حقّ التّدخل العادل في شؤون بعض الدول الّتي تنتهك حقوق الإنسان وقوانين المجتمع الدوليّ. حول هذه النّقطة الأخيرة يؤكد هابرماس ضرورة مثل هذا التّدخل بسبب: “تنكّر الأنظمة التوتاليتاريّة، في القرن العشرين، على نحو غير مسبوق، عبر جرائمها المرتكبة بحق الجماهير، لافتراض البراءة (Assumption of Innocence) الّتي يتأسس عليه القانون الدولي الكلاسيكي.”[15]

في تنظيره لإصلاح هيئة الأمم المتّحدة، يدافع هابرماس عن فكرة “الكونيّة التواصليّة” الّتي حفلت بها كتاباته منذ نظريّة الفعل التواصلي (1981)، داعياً بذلك إلى الانتقال بالأمم المتّحدة إلى نوعٍ من “ديمقراطيّة للمواطنة العالميّة” والّتي تتحدّد إصلاحاتها بثلاث نقاط: 1- إنشاء برلمان عالميّ، و 2- تطوير العدالة الدوليّة، و 3- إعادة تنظيم مجلس الأمن. يقترح هابرماس إذن لتجاوز ذلك التمثيل الحكوميّ المعمول به اليوم في الأمم المتحدة أن تتحوّل الجمعيّة العامة للأمم المتّحدة إلى شكلٍ من أشكال المجلس الفيدرالي للشّعوب بحيث “لاتعود الشعوبُ مُمثَّلَةً بحكوماتها وإنّما بوصفها كليّة من مواطني العالم.”[16] هكذا يؤسّس هابرماس للانتقال من القانون الدوليّ إلى قانون المواطنة العالميّة.

وإن كان كتاب هابرماس عن السّلام الدّائم مكرّساً بالأصل لإحياء ومراجعة مرور مائتي سنة على صدور كتيب كانط حول السلام الأبدي، إلّا أنّه يوسّع نقاشاته ليُكرّس صفحات عديدة منه لنقد وانتقاد كارل شميت، المُشرِّع وفيلسوف القانون الألمانيّ الّذي طالما ارتبط أسمه بالنازيّة.  فبعد خسارة ألمانيا الحرب وإدانتها بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانيّة وبخاصة في محاولة قتل وتصفيّة يهود أوروبا، سيُحاكم شميت كأحد النازيين وسيمنع من التّدريس بعد أن جُرِّدَ من كل مهامه السابقة دون أي تعويض مادي. بعيداً عن العالم الأكاديميّ والسّياسيّ سيعكف شميت منذ خمسينات القرن الماضي على الكتابة في القانون الدوليّ. مثله مثل هايدجر، لن يُبدي شميت (اللّهم إلّا أثناء فترة الاستجواب الّتي تلت توقيفه) أي اعتذار عن انخراطه في النّازيّة وشرعنتها. بل على العكس فبعد نهايّة الحرب بفترة سيصف شميت بسخريّة في دفاتر يومياته مفهوم “جرائم ضدّ الإنسانيّة” الّتي أدينت بها ألمانيا بالقول: “توجد جرائم ضدّ الإنسانيّة وجرائم من أجل الإنسانيّة. الجرائم ضدّ الإنسانيّة تلك الّتي أرتكبها الألمان. والجرائم من أجل الإنسانيّة تلك الّتي تُرتكب ضد الألمان.”[17]

وكما تعامل هابرماس دوماً بتشنج حيال نصوص هايدجر ونيتشه، الملعونان في ألمانيا ما بعد الحرب العالميّة الثانيّة، فإنّه لن يكون أقل تشنجاً وحدةً في نقد شميت. يستحضر هابرماس اعتراض شميت على فكرة “الحرب العادلة” الّتي لم يرَ فيها هذا الأخير سوى حروب مصالح تتخفى بأقنعة أخلاقيّة كالدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطيّة أو التّنوير والتّمدين أو إنهاء الحروب أو معاقبة جرائم الحرب الّتي يحظرها القانون الدوليّ الخ[18].

على طريقة هوبز الّذي يرى أنّ الإنسان ذئب لأخيه الإنسانHomo homini lupus est، يذهب شميت إلى القول أنّ ” الإنسانيّة تعادل الحيوانيّة” وأنّ سلطة الدّولة مُطلقة وهي إمّا أن تكون كذلك أو لا تكون، ويحقّ للدّولة بغايّة الدفاع عن استقلالها وسيادتها انتهاك المعايير التشريعيّة. لكن أيضاً وعلى طريقة الأمير لمياكافيلي، يتبع شميت نظريّة خاصّة تصادق عليها سياسات الدول الديكتاتوريّة في صراعها مع المجتمع المحلي الداخليّ والّتي يلعب فيها شبح الحرب على عدو خارجيّ دوراً رئيسياً في قمع أعداء الداخل. بتمييزه بين السياسة الداخليّة والسياسة الخارجيّة للدولة يؤكد شميت، بكلمات هابرماس، على أنّه،

يجب استكمال السّياسة الداخليّة الّتي يجعلها القانون سلميّة بسياسة خارجيّة حربيّة يسمح بها القانون الدوليّ؛ وبالفعل، فالدولة الممسكة بالقوّة والمحتكرة لها، لا تستطيع، وفقاً لرأيه، الدفاع عن القانون والنّظام في وجه القوّة الشّرسة لأعداء الداخل المخربين، إلّا بقدر ما تستطيع الاحتفاظ بجوهرها السياسيّ وإعادة توليده ضد أعداء الخارج.[19]

ومع أنّ هناك شبه إجماع عالميّ على إدانة شميت لإرتباطه بالنازيّة ( الّتي تظلّ من أبشع الجرائم المعاصرة، لكن الّتي يُراد لشبحها أن يظل حاضراً يعاقب أي شخص يريد دفن جثتها لاستمرار تحقيق مكاسب منها) إلّا أنّ الدول الّتي تعتمد نظريّة الواقعيّة السياسيّة تسير بمكيافيليّة على هدى نظريّة شميت السياسيّة حول العدو-الصديق. ولتوضيح هذه الفكرة لنتوقف في هذا الاستشهاد أمام نقطتنين مهمّتين في نظرنا. تتمثّل الأولى في التّمييز، بل والإختلاف حدّ التّناقض بين السياستين الداخليّة والخارجيّة المعمول بهما عوماً في السّياسة الممارسة في عالم اليوم. ففي حين نجد في العديد من دول الغرب الديمقراطيّ على سبيل المثال سياسة داخليّة تقوم على المساواة والعدالة والديمقراطيّة والسّلام، نجدها في سياستها الخارجيّة غالباً ما تتبع سياسة توسعيّة تتخفى خلف الدّفاع عن حقوق الإنسان والإنسانيّة في حروب نفعيّة لا تحتاج إلّا إلى واجهة قانونيّة شكليّة ليمررها القانون الدوليّ والأمثلة على ذلك كثيرة. والنقطة الثانيّة الّتي أود التوقف عندها هي حاجة العديد من الدول لعدو خارجي، ولو كان شبحاً، بل هي تُفضّل أن يكون كذلك، لضمان استقرار سلطتها وقمع كلّ مطالب الدّاخل بالإصلاح السياسيّ والتغيير أو لتبرير استعمارها وتوسّعها وتدخلها في شؤون الغير[20].

مرّة أخرى ورغم حرص هابرماس الكبير على طرح مفهوم كونيّ عادل لمفهوم المواطنة العالميّة إلّا أنّ القراءة اليقظة تكشف أنّه يعيد بناء السياسة الدوليّة والحقوق العالميّة والكونيّة من مواقع ثقافيّة وفكريّة منحصرة في أوروبا وتاريخها وصراعاتها ممّا يجعله غالباً غير قادر على فهم المختلف ثقافيّاً وفكرياًّ أو التّواصل السّليم معه، وإنّما إملاء رؤيّة أوروبيّة جديدة عليه، وإن كانت مُحدّثة وما بعد كولونياليّة. فعلى سبيل المثال في إطار الجدل الأوروبي من جهة، والآسيوي الإفريقي، من جهة ثانيّة حول حقوق الإنسان، ينتصر هابرماس، بمواربة لكن واضحة التوجه، للجانب الأول على حساب الثّاني فباعتباره حقوق الإنسان (الّتي ولدت في الغرب الحديث  – أي في الغرب الّذي عدّ نفسه مركزاً للعالم وقيمه) كونيّة الصلاحيّة وقابلة للتّطبيق أينما كان، تتضح مركزيّة هابرماس الأوروبيّة الّتي لا تأخذ بعين الاعتبار الآخر المختلف حضارياً إلّا بوصفه تابعاً أو في طور التّحضر والتّمدن والحضارة. قد لا نجد غضاضة في اعتبار حقوق الإنسان كونيّة الصلاحيّة، لولا أنّ الاستخدام المصلحيّ والأداتي للغرب، الّذي ولدت فيه هذه الحقوق، هو ما يشعرنا بالحاجة لتفكيك كونيتها بالمعنى السياسيّ الممارس أي لفضح كيفيّة توظيف فكرة نبيلة لتحقيق أهداف قذرة.

وهذا ما سيقر به هابرماس لاحقاً وسيؤكده بعد سنوات في مكانٍ آخر بقوله:

” لا يواجه الغرب المادي الثقافات الأُخرى، الّتي تُدين بصورتها للأثر الباقي لأحد الأديان العالميّة العظيمة، إلا عبر ثقافة الاستهلاك الاستفزازيّة المُتفِّهة لكل شيء، والّتي لا يمكن مقاومتها. يُقدِّم الغرب نفسه بصيغة تخلو من أي نواة معياريّة، ومن ثمّ، فإنّ اهتمامه بحقوق الإنسان لا يعني، في الحقيقة، إلّا حرصه على فتح أسواق حرَّة جديدة.”[21]

مع ذلك يظلّ هذا الموقف أعلاه شبه استثنائي لهابرماس في نزع النظارات الأوروبيّة عن عينيه ورؤيّة الآخر الثقافي، وربّما ما كان هذا الموقف ليكون لولا أنّه جاء في إطار خاص كإجابة على سؤال حواريّ حول مسؤوليّة الغرب عن الإرهاب العالميّ.

ومع أنّ هابرماس يضع تصنيفات دول العالم بين عالم أول وثاني وثالث بخط مائل، إلّا أنّه ينتهي بتبنيها في كتابه حول السّلم الدّائم ليجعل من “دول العالم الأوّل [أي دول الغرب الديمقراطي]، الوحيدة الممتلكة، إلى حدٍّ معين من الرفاهيّة لمواءمة مصالحها القوميّة مع المقاييس المعياريّة الّتي تحدِّد تقريباً المستوى الّذي تشترطه الأمم المتّحدة للمواطنة العالميّة”[22].

من ناحيّة أخيرة يَعتبر هابرماس مفهوم السّلام الدّائم عند كانط مفهوماً سلبيّاً وهو في نقده له يبدو وكأنّه يبرر الحرب بالقول:

كان كانط قادراً على الإكتفاء بمفهوم سلبي عن السّلام، لكن مثل هذا المفهوم غير كاف ليس فقط لأنّ القيام بالحرب قد تجاوز الحدود التقليديّة، ولكن أيضاً وبشكلٍ خاص لأنّ للحروب أسباباً اجتماعيّة.[23]

على خلاف كانط، لا يعني السّلام الدائم عند هابرماس نهايّة الحرب وإنّما تشكيل قوّة عسكريّة ونظام قانونيّ عقابيّ يحاول منع اندلاع الحروب الّتي من شأنها تهديد السّلام والأمن في العالم. هكذا يعيدنا هابرماس بطريق متعرج ومتشابك إلى تلك الأفكار السياسيّة المُلتبسة حول “الحروب العادلة” أو “الحروب من أجل إنهاء الحروب” المحكومة بدورها بالمركزيّة الأوروبيّة.

لا شكّ أنّ هابرماس أكثر واقعيّة من كانط في موضوع السّلام الأبديّ، لكنّه لا يفعل في النهايّة سوى أن يصادر حلم كانط الكونيّ ليسجنه في قفص مفاهيمي محولاً كونيته، كفكرة طوباويّة، إلى كونيّة مزعومة ليست سوى نسخة معمَّمة وموسّعة عن الدولة الأوروبيّة الحديثة. مرّة أخرى يحاول هابرماس مصالحة اليوتوبيا لكنّه بانتصاره للواقع ينتهي بتحويل اليوتوبيا إلى جثّة معياريّة لا حياة فيها ولا قدرة على التّجديد.

في الختام لابدّ من القول أنّه ورغم كل معياريّة وبراغماتيّة هابرماس، إلّا أنّ الواقع السياسيّ، وبكلّ أسف، يبحّر اليوم بعيداً عن أفكار هذا الفليسوف الّذي ناضل كثيراً لإنشاء دستور أوروبيّ وإتحاد أوروبيّ ذي سيادة، وفي دولة مواطنة عالميّة ديمقراطيّة. فكلّ هذه الأفكار والمشاريع النبيلة تتراجع اليوم أمام عودة السّياسة الشعبويّة والنّزعات القوميّة إلى أوروبا وأمريكا بحلّة جديدة عبر سياسات أحزاب اليمين المتطرّف الّتي تكتسح المشهد السياسيّ اليوم مُذكِّرة بفاشيات النازيّة والموسيلينيّة والفيشيّة والستالينيّة والفرانكويّة الّتي حكمت النّصف الأول من القرن العشرين[24]. رغم انتقاداتنا لمركزيّة هابرماس الأوروبيّة وانتهائه دائماً إلى التصالح مع الواقع، إلّا أنّ السياسة تأتي دائماً أصغر بكثير من طموحات الفيلسوف وتنظيراته مهما كانت واقعيّة وبراغماتيّة. بهذا المعنى ليست جمهوريّة أفلاطون أولى ضحايا الواقع السياسيّ، وإنّما مدينة الفارابي الفاضلة أيضاً، وإشتراكيّة ماركس، ودولة المواطنة العالميّة عند كانط و هابرماس، إلخ. رغم هذا البون الشّاسع بين النظريّة والتطبيق أو بين الفكرة والواقع، إلّا أنّ الفلاسفة هم المخولون بتجسير هذه الهوّة ولابدّ من وجودهم وتنظيراتهم ولا غنى عن طوحاتهم ومدنهم الفاضلة فكلّ هذا يعمل وبشكل حثيث وتراكميّ على مقاومة انحدار السّاسة ويرتقي بالواقع ويأنسن السّياسة. لا نريد بقولنا هذا دون شكّ استعادة حلم أفلاطون بدولة مثاليّة يحكمها الفيلسوف الملك كما يمكن أن نقرأ في الفصل الخامس من محاورة الجمهوريّة، لكنّنا نطالب بالأحرى باستمرار نقد الفيلسوف للسّياسة مع العزوف الدّائم عن مغرياتها كما ينصحنا كانط، معترضاً على أفلاطون بالقول: “لا يمكن لنا أن نأمل تقريباً بأن يصبح الملوك فلاسفةً، أو الفلاسفة ملوكاً. ولا يجب حتّى أن نرجو ذلك لأنّ متعة السّلطة تُفسدُ حتماً حُكمَ العقل وتشوه الحريّة.”[25]

*********

[1] Jürgen Habermas, La Paix perpétuelle. Le bicentenaire d’une idée kantienne, trad. Rainer Rochlitz, Paris, Cerf, 2005, p. 9.

[2]  المرجع نفسه، ص، 13. كتب هابرماس كتابه هذا عام 1996 وكان تصوره للإرهاب محدوداً أيضاً ومتوقفاً على التفجيرات بالقنابل والعمليات الانتحاريّة الفرديّة. لم تكن تفجيرات برجيّ التجارة العالميين الّتي وقعت في سبتمبر 2001 ضمن تصور هابرماس للعمليات الإرهابيّة بوسائل جديدة كاستخدام طائرات مدنيّة تجاريّة أو هجمات كيميائيّة أو سبرانيّة.

[3] E. Kant, « sur le lieu commun : l se peut que ce soit juste en théorie, mais, en pratique, cela ne vaut rien », trad. L. Ferry, in : Œuvres complètes, Paris, Gallimard, Bibliothèque de la pléiade, III, p. 299.

[4] E. Kant, « sur le lieu commun », op.cit., p. 297.

[5]  تحيل الأولى إلى قدرة دولة ما على تحديد نفسها واستقلالها على الساحة الدوليّة وحقها بالتالي، كما يعترف به القانون الدوليّ إلى اليوم، في الدفاع عن نفسها وحدودها وسلطتها وحقها في الهيمنة على القوة العسكريّة لحمايّة الحدود وضمان الدفاع عن السلم ضمن سلطتها. وفي إطار الفهم الكلاسيكي والحديث لمفهوم السيادة تخضع السيادة الداخليّة للسيادة الخارجيّة (وهو ما سيدافع عنه كارل شميت لاحقاً في فكرته حول حاجة الدولة الدائمة لعدو خارجي من أجل ضبط الداخل).

[6] Habermas, La Paix perpétuelle. op.cit., p. 20.

يشير هابرماس هنا إلى جمعيّة عصبة الأمم الّتي تشكِّل نموذجاً أقدَّم لهيئة الأمم المتحدة. تأسست عصبة الأمم، بعيد مؤتمر باريس للسلام وعلى إثر الحرب العالميّة الأولى كهيئة دولة مهمتها حفظ السلام في العالم. لكن افتقارها لقوة عسكريّة واعتمادها بشكل أساسيّ على الدبلوماسيّة، قد دفع الدول الطامعة في التوسع أو الساعيّة للحروب إلى عدم احترام قراراتها، بل والاستهزاء بها ولم تعد تحظى قبيل الحرب العالميّة الثانيّة سوى باعتراف قانونيّ قبل أن يتم حلها نهائياً بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانيّة، وقبل أن يقترح مؤتمر طهران (1943) إنشاء هيئة جديدة تحل محلها، لكن بصلاحيات أكبر واعتراف قانونيّ دوليّ ومجلس أمن كقوة عسكريّة ملزمة لجميع الدول الأعضاء. ومع ذلك فإن الأمم المتحدة اليوم ليست سوى فزّاعة تتحكم بها القوى العظمة وتحتاج قوانينها بدورها إلى إعادة هيكلة وإصلاح، لكن هذا موضوع آخر.

[7] Habermas, La Paix perpétuelle. op.cit., p. 122

[8] E. Kant, Projet de paix perpétuelle, in Œuvres complètes, op.cit., p. 348.

[9]  المرجع نفسه، ص، 360

[10] Habermas, La Paix perpétuelle. op.cit., p. 57

[11]  المرجع نفسه، ص،  51-52.

[12] Habermas, La Paix perpétuelle. op.cit., p. 95-96.

[13]  الفلسفة في زمن الإرهاب، مرجع مذكور سابقاً، ص، 87.

[14] Habermas, La Paix perpétuelle. op.cit., p.  54.

في هذا الصد لنتذكر كيف عطلت روسيا في السنوات الأخيرة مجلس الأمن مستخدمة حق النقض الفيتو حوالي 12 مرة في قرارات تم التصويت فيها في المسألة السوريّة، هذا فضلاً عن تعطيل أمريكا لمعظم القوانين الدوليّة الّتي تعارض مصلحة إسرائيل أو تدين انتهاكاتها للقوانين الدوليّة.

[15]  الفلسفة في زمن الإرهاب، مرجع مذكور سابقاً، ص، 86.

[16] Habermas, La Paix perpétuelle. op.cit., p. 77.

[17] استشهاد مأخوذ عن هابرماس. انظر:

C.Schmitt, Glossarium (1947-1951), Berlin, Duncker & Humblot, p. 113, 256, 146, 282. in: Habermas, La Paix perpétuelle. op.cit., p. 103-104..

[18]  حول هذه النقطة انظر بشكل خاص:

Carl Schmitt, La notion de la politique, trad., M.L. Steinhauser, Paris, Calmann-Lévy, 1972, p. 98.

[19] Habermas, La Paix perpétuelle. op.cit., p. 107

[20]  نقصد بمفهوم العدو الشبح هنا حاجة السلطة لإبقاء العدو حاضراً غائباً على صورة شبح يمكن استدعاؤه عند الحاجة وتغييبه مؤقتا حين لا تكون هناك ضرورة. تستحضر السلطة التوتاليتاريّة غالباً شبح العدو في سياستها الداخليّة لقمع شعبها، في حين تستحضره دول الغرب “الديمقراطيّة” في سياساتها الخارجيّة لتبرير تدخلاتها الخارجيّة في شؤون البلدان الأخرى. نجد مثالاً على الحالة الأولى في بعض البلدان العربيّة الّتي تزعم مقاومة إسرائيل وأنها في حالة حرب دائمة معها. تثبت تلك الدول أنها مستعدة لإبقاء الداخل في حالة حرب أبديّة مع عدو يصوّر على أنه حاضر على الحدود ليل نهار ولأن الدولة في حالة حرب فلا وقت لديها للالتفات لشؤون الداخل وهي مسائل تريد لها أن تظل مؤجلة إلى الأبد وثانويّة أمام ما تصوِّره على أنه الهدف الأعظم والأهم وهو مواجهة الخطر الخارجي الّذي يأخذ مرة أخرى شكلاً شبحياً وسيف ديموقليس المسلط فوق الرأس. يمكن فهم وتفهم هذه الحالة لو كانت تلك الدول في حالة حرب حقيقيّة مع إسرائيل لا في حشد المجتمع على جبهة وهميّة مهمتها فقط استمرار السلطة الحاكمة الّتي تحتاج لأسطورة “المقاومة” لتستمر في الوجود. ونجد مثالاً على الحالة الثانيّة في “مفهوم” الإرهاب الّذي يراد له أن يظل فكرة غائمة مائعة غير محددة يعاد تفصيلها على من يراد تسميته عدواً، لكن دون أن يتم الإنتهاء أبداً من فكرة الإرهاب فهي حاجة ومبرر لا بد منه للحرب الّتي يصادق عليها القانون الدوليّ. كان بإمكان الولايات المتحدة الأمريكيّة بحسب عدة تقارير القضاء على أسامة بن لادن قبل وقت طويل من قتله عام 2011، لكنها كانت بحاجة إلى إبقائه حياً، قوياً، قادراً على تهديد مصالح أمريكا بل وأمن شعبها في الداخل. نفس الشيء ينطبق على البغدادي الخليفة الداعشي أو حتى مسلسل داعش المكسيكي بطول حلقاته الّتي كان يمكن الانتهاء منه بفيلم رعب قصير.

[21]  الفلسفة في زمن الإرهاب، مرجع مذكور سابقاً، ص، 75- 76. انظر كذلك ص، 82 من هذا الكتاب.

[22]  Habermas, La Paix perpétuelle. op.cit., p. 68.

[23] المرجع نفسه، ص،71

[24]  انظر في هذا الصدد على سبيل المثال الكتاب الصادر مؤخراً للفيلسوف الفرنسي ميكائيل فوسيل:

Micaël Foessel, Récidive 1938, puf, Paris, 2019.

[25] E. Kant, Projet de paix perpétuelle, in Œuvres complètes, op.cit., p. 364.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق