يوميات شاب بين أحضان «سيادتو» / دريد شعبان

ما تزال ذكريات ذاك اليوم محفورة في دماغي تماماً، بالتفصيل. كنت في الصف السابع الإعدادي، أتابع مسلسل ضيعة ضايعة – صدفةً – على تلفزيون أورينت، حين قُطع المسلسل فجأة، وانتقلنا إلى مشاهد فيديو من دمشق لأول مظاهرة، لأول صرخة حرية. صرت أصرخ معهم «حرية! حرية!» قبل أن يفاجئني أبي – الذي يعمل في المخابرات العسكرية بالمناسبة – بكفّ صاروخي يهبط على خدي: «خراس!».

بعدها بدأَتِ المصطلحات تتكاثر من حولي: مؤامرة كونية، وحش البحيرة، التضليل الإعلامي، الأسد أو نحرق البلد – وقد أحرقوها فعلاً.

كنّا نرسم العلم السوري على أيدينا ووجوهنا في المدرسة، ونخرج في مسيرات «عفوية». كان كثيرون يشاركون فيها، وأنا منهم، للتهرّب من حصة الرياضيات. لم تكن تخرج مسيراتنا إلا في حصص الرياضيات… «هيك صار إسمها مؤامرة مو ثورة».

كمراهق، كان صعباً عليّ وقتها تكوين موقف واضح من كل ما كان يحدث، خصوصاً أنني كنت أعيش في وسط مؤيد للنظام، لا يتجاهل الطرف الآخر فحسب، بل كان أول الأمر ينكر وجوده أصلاً. وقد حدثت صراعات عنيفة داخل رأسي وقتها؛ تُرى هل أؤيد طرفاً أرى وحشيته وهمجيته بوضوح؟ أم أؤيد الطرف الآخر البعيد الذي لا أعرفه عن قرب، لكنه يصرخ بكلمة واحدة تعبّر عن كل ما كنت أريده: الحرية؟

الحرية كانت كلّ ما أطلبه، على الأقل الحرية من أبي. وربما كان ميلي أول الأمر إلى جانب الثورة عاطفياً وانفعالياً بحتاً، لكنه صار أكثر وضوحاً في السنوات التالية. صرت أريد أن أكون جزءاً من شعب؛ شعب حقيقي وليس رعية للحاكم.

استطعت أن أحصل لاحقاً على علم للثورة وأنا في طرطوس. لم يكن عَلَماً بالمعنى الدقيق للكلمة، بل قماشة بيضاء كبيرة جداً، رَسمتُ عليها بالحبر الألوان الأحمر والأسود والأخضر. لم يكتفِ أبي عندما رآه للمرة الأولى بتعنيفي وضربي، بل حاول نزعه من بين يدَيّ وحرقَه، لكنني خبأته في حضني كأنه طفل صغير ونجحت في إنقاذه. ثم نجحت أيضاً في تعليقه لفترة على حائط في غرفتي، وكنت وقتها أقفل باب الغرفة عندما أغادرها خوفاً من أي اعتداء عليها أو اغتصاب لحقوقي.

لم تتوقف شجاراتنا المتكررة أنا وأبي في أي وقت، وقد كلفتني مواقفي – التي غدت أكثر تماسكاً شيئاً فشيئاً – خساراتٍ كبيرةً من ناحية أصدقائي، الذين وصفوني بكل ما يمكن تخيله: خائن، عميل، ماسوني، داعشي، وَصِفات كثيرة مشابهة. كما تم اعتقالي من قبل الأجهزة الأمنية لمدة شهرين بسبب آراء عبرت عنها في أحد المجالس، تم الإفراج عني في نهايتهما بوساطة أبي عند رئيس الفرع بعد أن وعده أنني «رح أقعد عاقل».

إلى دمشق
مثل كثير من المنازل في منطقتنا، يحتوي صالون منزلنا على صورة أو اثنتين – أو عشرة أو سبعمائة وخمس وستين – للأسد الأب الخالد وأبنائه، وحتى أحياناً صوراً لأسدٍ ولبوة وبضعة أشبال حولهما؛ أعني الأسد الحقيقي، لا ذاك الموجود في قصر المهاجرين.

سأروي هنا قصة صغيرة. في الأعياد الدينية لدى أبناء الطائفة، يجتمع رجال دين، ومعهم كل من بين ساقَيه قضيب في الجوار، في غرفة مغلقة إغلاقاً تاماً، ويتلُون صلوات وأشياء لم أفهمها يوماً. وفي نهاية هذه الصلوات، يتوجّه صاحب الدعوة عادةً إلى الحضور جميعاً، كي يتوجهوا بالدعاء إلى الله معاً من أجل أمر معيّن، مثل شفاء مريض أو الدعوة بالتوفيق لشخص من الأشخاص، أو ما شابه. وبعد الصلاة يتناول الجميع الطعام الذي يقدمّه صاحب الضيافة، الذي يحضر فيه «البرغل بحمّص» حتماً.

أُقيمت إحدى هذه الصلوات في منزلنا ذات يوم، وفي نهاية الصلاة توجّه والدي بطلب الدعاء التالي: «أتوجه لإخوتي بالدعاء لله تعالى لينصر قائدنا الأسد في وجه أعدائه من الظلّام، ويأخذ بيده نحو دحرهم وتحقيق النصر على المؤامرة».

بمجرد أن أنهى جملته الخطيرة تلك، وقفتُ بين الحضور وقلت له «ثورة كرامة إسمها، مو مؤامرة!». وكانت تلك اللحظة كفيلة بإنهاء فصل حياتي في طرطوس، حتى قبل أن آكل البرغل بحمّص.

وضّبتُ أمتعتي. كان الخيار الوحيد المتاح دمشق، حيث يمكنني أن أعيش بعيداً عن سطوة والدي. كنت قد أنهيت تواً امتحانات الشهادة الثانوية، وأستعدُّ لدخول الجامعة. وقد ساعدني بعض أصدقائي حتى وجدت مكاناً استأجرته، وعلّقتُ علم الثورة وسط الصالون، الذي لا يحتوي أي صورة لأي حيوان، كما أنهم ساعدوني كي أجد عملاً أقتاتُ منه.

آخر يوم لي في طرطوس كان اليوم الأول في جزء صغير من الحرية التي أحلم بها؛ كان بداية الانعتاق. وبعد هجرتي هذه بسنة وسبعة أشهر، عدتُ إلى طرطوس للمرة الأولى، بصفتي زائراً غير محبَّب، لا من قِبَل والدي ولا من قِبَل المحيط. لكن أمي استطاعت إقناع أبي باستضافتي لأيام قليلة كل فترة منذ ذلك الوقت.

14 نيسان 2019
كان يومَ أَحَد غير طبيعي. أنهيتُ عملي على بسطة الدخان في الثالثة عصراً، بحكم أنه ليس لدي دوام في الجامعة يوم الأحد، ما يسمح لي أن أعمل صباحاً «مستمتعاً» بوقت أطول ألعن فيه انتمائي لهذا البلد.

يعود عليّ هذا العمل بمبلغ 1500 ليرة سورية يومياً وعلبة سجائر، ويسمح لي بالاحتكاك مع نماذج لا تُعدّ ولا تُحصى من فئات المجتمع في كل الانتماءات والأعمار، خصوصاً العساكر، الذين بالمناسبة لا يخلعون بدلتهم العسكرية أبداً بقصد واضح: التشبيح!

«نحنا جيرانك بالفرع كذا، عطينا باكيت ماستر قصير أزرق… باعتنا لعندكن المعلم بدّو كروز إليغانس طويل».

ما سبق هو الكلمات المفتاحية التي تعني بشكل أو بآخر «راعينا بالسعر»، وينطبق هذا على جميع العساكر أيضاً، بدون استثناء تقريباً، إلا عسكرياً واحداً يخدم في جيش النظام مُكرَهاً على ما يبدو. إذ كانت جملته كالتالي: «عطينا كروز كينت فضّي لابن القحبة»، واتضح بعدها أن المقصود بكلماته هو «المعلّم» كما قال. قلت له: «بلدنا كلها معلّمين يا أخي… وبدك للصراحة؟ كلن ولاد قحب»، وعندها استدرك الرجلُ الوضعَ ليوصل لي رسالة الـ«دير بالك على حالك» الشهيرة: «إلا معلم واحد… يا أخي».

من على بسطة الدخّان تلك، أُطلّ على مجتمع متنوع يسير جميع أفراده في الشارع بملامح يجمعها التعب، والترقب المصحوب بالخوف من أي انتقاد للمعلم الكبير، «لأن حتى الزفت اللي بالشارع صار إلو أدان بالشام»، وأي انتقاد صغير لأي شبل ينتمي لحديقة الحيوان في سوريا يُعدّ خيانة عظمى.

عدتُ إلى منزلي في ركن الدين، وهنا كانت المهزلة، لأنني – كشابّ أعزب – أستحق حسب سياسات «البطاقة الذكية» جرة غاز واحدة كل ثلاثة أشهر، وللأسف «خلصت» جرة الغاز قبل موعدها بخمسة عشر يوماً، ولذلك فإنني لا أستطيع الطبخ أو حتى شرب المتة!

لا كهرباء، لا ماء، لا إنترنت، ولا بنزين أيضاً، حتى أنني قطعت المسافة من عملي إلى منزلي، والتي تقدر بأربعة كيلومترات، مشياً على الأقدام.

كانت أعصابي على وشك الانهيار. كنت أفكر، هل أنتحر؟ «ولوووو…. برمي حالي عن البرندة!؟»، لأنني إذا كنت غير قادر حتى على شرب «كاسة متة»، فما الذي أستطيع أن أفعله أصلاً؟! شابّ «طويل عريض»، عمري اثنان وعشرون عاماً تقريباً، وغير قادر على فعل أي شيء، فلماذا أعيش أصلاً؟ ما الهدف المتوقع من بقائي على قيد الحياة؟

أبحرتُ جداً في التفكير، عدتُ إلى حديثي مع جاري أبو باسم صاحب السوبر ماركت قرب منزلي، الذي التقيتُ به صدفة في طريقي:

«كمان إنت ما لقيت سير وطالع مشي يا عمو؟».

«إي ولله! شو بدنا نعمل؟ لا وإذا لقيت أصلاً بيقلولك صار بدن 300 ليرة، إي مبارح كانت بميتين!».

«الله لا يوفّقن، عم يمصّوا دمنا».

«والله منستاهل ياعمو، نحنا الرضيانين، نحنا شعب بلا كرامة».

«إي ولله منستاهل، كنا عايشين أحلى عيشة، صار بدن حرية ولاد الشرموطة».

انتهى الحديث. تركتُ أبو باسم يقطع مهمة الدرج المستحيلة تلك وحده، ومشيتُ وأنا أفكر: «معقول هيك؟ كمان أنا طلعت ابن شرموطة».

خسر أبو باسم ابنه في الحرب. لم يكن الشاب مشاركاً في النزاع المسلح، لكنه سقط بقذيفة هاون عشوائية. ثم غرق المفجوع في «بوكيهات الورد» التي أرسلها له المحافظ وأمين الفرع، وأيضاً واحدة من «سيادتو». بعدها أصبح تفكير أبو باسم موجهاً أكثر. «ما بلومو… بَعَتولو ورد وقالولو إبنك فدا الوطن، معقول أنا إذا بيبعتولي ورد رح غير قناعاتي؟! مين بيعرف؟».

فكرت وفكرت وفكرت، أحاول إيجاد أجوبة وحلول، لكن الأسئلة كانت تتزاحم في رأسي دون طائل، حتى تذكرت أنني أعيش في كنف «سيادتو»، وهو ما معناه: «بما أنك ما زلت قادراً على الحياة هنا بعد ثماني سنوات، فأنت في أحسن حالاتك».

لكن هذا لم ينفع، لأن الأسئلة استمرت في التزاحم داخل رأسي: من أجل ماذا مات كل هؤلاء الناس؟ ما هو القادم؟ هل سيقبل أنصار النظام بهذا الذل طويلاً، رغم أن «الدولة» قضت على «الإرهاب»؟ ولماذا أنا شخصياً لم أشارك في المظاهرات التي كانت تخرج كل يوم خلال سنوات الثورة الأولى؟

الأسئلة الثلاثة الأولى لم أجد لها جواباً، لكن السؤال الرابع ما زال صدى إجابته يجول ويصول في رأسي: لأنك جحش!

عن موقع الجمهورية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق