هكذا باتت السوشال ميديا رافعةً لليمين المتطرف.. / حسن مراد

خلال حفلة تنصيب الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، في كانون الثاني الماضي، انتشرت فيديوهات تظهر أنصاره هاتفين بشكل مثير للدهشة، إذ كانوا يهللون لوسائل التواصل الاجتماعي مثل “واتساب” و”فايسبوك”. هتافات لا يمكن تفسيرها إلا كمؤشر على مساهمة العالم الافتراضي في تنامي نفوذ تيارات اليمين المتطرف عالمياً، فالأنظار دائماً ما تكون شاخصة إلى كل استحقاق يتوقع أن تُمسك فيه هذه الأحزاب بالسلطة أو أقله إثبات حضور سياسي.

صحيحٌ أن اليمين المتطرف في أوروبا استفاد من فشل الحكومات المتعاقبة، اليمينية منها واليسارية، في التعامل مع تبعات الأزمات المالية والاقتصادية منذ العام 2008، إلا أن هذا لا يلغي الدور الحيوي الذي تؤديه هذه المنصات في التسويق لمشاريع تلك الأحزاب، وهو ما يُتوقع أن تترجمه نتائج الانتخابات الأوروبية الراهنة، حيث سيقترع نحو 350 مليون أوروبي لاختيار ممثليهم في البرلمان الأوروبي. هذه الانتخابات، التي انطلقت اليوم الخميس، وتستمر حتى الأحد 26 أيار/مايو، تجري وسط تصاعد للمد اليميني المتطرف في عدد كبير من الدول، تيار معادٍ للشراكة الأوروبية ولمؤسسات الاتحاد الأوروبي ويحبذ استخدام المنصات الرقمية للدعاية الانتخابية وتسويق رؤيته السياسية.

وعلى عكس ما يمكن تصوره، هيمنة اليمين المتطرف الأوروبي على العالم الافتراضي لا يمكن تفسيرها فقط بحسن استخدام هذه المنصات، بل أيضاً بطبيعة مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تبيّن أنها تتناسب مع مشاريع هذه الأحزاب التي اعتادت تقديم حلول “مبسطة” وشعبوية لمشاكل وأزمات هي في الواقع شديدة التعقيد. فتغريدة، لا تتعدى أحياناً الجملة الواحدة، توفر إجابة سريعة.

على سبيل المثال، في رأي حزب التجمع الوطني، يكمن حل أزمة البطالة في فرنسا في إغلاق الحدود الجغرافية أمام اليد العاملة الأجنبية، فيتحقق بذلك التوازن بين العرض والطلب في سوق العمل. طرحٌ يمكن ببساطة تلخيصه في تغريدة واحدة. لكن، ماذا عن بنية سوق العمل الفرنسي والتشريعات التي تحكمه؟ وهل النظام التعليمي فعال في مواكبة الفرنسيين لاختيار الاختصاصات الجامعية التي يحتاجها السوق عملياً؟ أليس هناك فائض في قطاعات، ونقص في قطاعات أخرى، ما يجبر على توظيف الأجانب لسد الفراغ؟ ناهيك عن البيئة الاقتصادية التي لا تحفز على الاستثمار والتوظيف بالمعدل المطلوب. عوامل كثيرة يصعب حصرها، وبالتالي لا يمكن لأحزاب اليمين التقليدي واليسار والوسط أن تلخصها بصورة مبسطة، وهنا “ميزة” مشاريع اليمين المتطرف، واتساقها مع اختزالية مواقع التواصل الاجتماعي.

والاعتماد المتزايد لأحزاب اليمين المتطرف على هذه المنصات، مردّه أيضاً إلى العدائية التي تحكم علاقتها بوسائل الإعلام التقليدية، المرئية والمسموعة والمكتوبة، على عكس العالم الافتراضي الذي يتيح تواصلاً مباشراً مع المستخدمين. السعي خلف هذا التواصل المباشر، نجده أيضاً لدى رواد هذه المواقع: ففشل الحكومات الوطنية المتعاقبة في الخروج من الأزمات الاقتصادية والمعيشية، أدى إلى فقدان الثقة في الأحزاب التقليدية ووسائل الإعلام الناطقة بلسانها، إذ اعتُبرت جزءاً من الاستبلشمنت، ذلك أن 24% فقط من الفرنسيين يعتقدون بحيادية الصحافيين في أدائهم لمهنتهم.

والحقيقة أن اليمين المتطرف نجح في استثمار هذا المناخ لجذب تلك الفئات، من خلال طرح رؤية اقتصادية مغايرة، والأهم أن ذلك جرى عبر الاستثمار في وسائل التواصل الاجتماعي، وبذلك اقترنت الرؤية المغايرة بأساليب عمل مختلفة أيضاً. ولم يكتفِ اليمين المتطرف باستخدام هذه المواقع للترويج لأفكاره فحسب، بل أرادها بديلاً من وسائل الإعلام التقليدية، ويتضح ذلك من خلال فيديوهات تتماهى شكلاً و/أو مضموناً، مع بعض البرامج التلفزيونية الشهيرة.

وتظهر الاحصاءات أن مواقع التواصل الاجتماعي باتت مصدراً رئيسياً للمعلومات وتتبع الأخبار بالنسبة إلى نصف الأوروبيين تقريباً، أي عبر منصات الكترونية بعيدة من المهنية الصحافية المطلوبة في نقل الخبر، لا سيما لناحية التأكد من مصدره ومصداقيته. هذا الغياب للضوابط المهنية، ومنافسة وسائل التواصل الاجتماعي للإعلام التقليدي، أتاح لليمين المتطرف اللجوء إلى وسيلة أخرى من وسائل الدعاية، وهي نشر الأخبار المضللة التي تستهدف خصومه. عادةً ما تكون هذه الأخبار مثيرة للجدل حتى يسهل انتشارها وبطبيعة الحال يكون السعي إلى تكذيبها أصعب من نشرها.

من جانب آخر، نشرت وكالة Alto Data Analytics، قبل أسابيع، دراسة تناولت نشاط أحزاب اليمين المتطرف في وسائل التواصل الاجتماعي. من خلال تتبع المواقع المذكورة على مدى خمسة أشهر في خمس دول (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، إسبانيا وبولندا)، خلصت الدراسة إلى تأكيد هيمنة اليمين المتطرف من خلال تفاعل المستخدمين مع ما يتم نشره (إعجاب، مشاركة، تعليقات) إما عبر الصفحات الرسمية للأحزاب أو حسابات محازبيها. هذا الانتشار الواسع لا يأتي فقط من قبل مناصرين لهذه التوجهات، فعندما يسعى خصوم اليمين المتطرف إلى تكذيب أحد الأخبار المضللة أو يشاركون منشوراً لتفنيده أو يتفاعلون معه، يساهم ذلك في زيادة انتشاره. ما تهدف إليه هذه الأحزاب أن تظل في صلب الحوار المجتمعي، حتى لو كان بصورة سلبية، لأن ذلك من شأنه جذب الانتباه إليها وبالتالي الوصول إلى عدد أكبر من المستخدمين.

والحقيقة أن منصات التواصل الاجتماعي فضاء مثالي للأحزاب الصغيرة أو الناشئة لا سيما تلك التي تدعو للعنف: فخروج أفراد في مظاهرة، سيظهر تواضع الحزب أو التنظيم الذي ينتمون إليه. في المقابل يكفي عشرة أفراد (وربما أقل) لنشر أفكار اليمين المتطرف لملايين الأوروبيين. أمرٌ لا تزال وسائل الإعلام التقليدية عاجزة عن توفيره، أولاً لطبيعة عملها، وثانياً للعدائية المتبادلة بينها وبين أحزاب اليمين المتطرف. بل، مع ازدهار هذه المنصات الافتراضية، بات الإعلام التقليدي مجبراً على متابعتها وتناول ما يدور فيها من نقاشات وأفكار لتساهم وسائل الإعلام بدورها في انتشار أفكار اليمين المتطرف.

يبقى أن الاعتماد على هذا الفضاء للعمل السياسي دونه سلبيات ومخاطر. فالأفكار التي تسوقها أحزاب اليمين المتطرف، ديماغوجية بجزء كبير منها، تحاكي الغرائز والعواطف أكثر من الإقناع عبر المنطق. في هذه الحال، يصعب التحكم بالناخبين والحفاظ عليهم، لأن خياراتهم تكون أكثر عرضة للتقلب، ما يفرض على اليمين المتطرف تغذية جمهوره بصورة دائمة بطروحات جديدة. المخاطرة تكمن في أن “الطلب” بات هو المتحكم في “العرض”، ما يعني احتمال افتقاد هذه الأحزاب “لعامود فقري” يجعل برنامجها متماسكاً، بغض النظر عن طبيعته، عوضاً عن ضخ أفكار بصورة عشوائية.

من جانب آخر، وسائل التواصل الاجتماعي هي بطبيعتها فضاء مفتوح يتيح لأي كان إبداء رأيه وهنا تكمن المغامرة الثانية. على سبيل المثال، الصفحة الرسمية لرئيسة حزب التجمع الوطني الفرنسي مارين لوبان تجمع ما يزيد عن مليوني مشترك، ما يعني صعوبة بالغة في التحكم بتعليقات انصارها التي تحمل، في أحيان كثيرة، كراهية ضد شرائح اجتماعية عديدة (المهاجرين، المثليين، اليهود، المسلمين…). أمرٌ يتناقض مع استراتيجية التجمع الوطني التي دأب على اتباعها منذ العام 2011، استراتيجية عمادها الابتعاد عن الخُطب العنصرية والتركيز على طروحات الحزب الاقتصادية (من دون أن يعني ذلك انتفاء العنصرية، بل اخفاءها). هذا النوع من التفاعل يضع العصي في دواليب الماكينة الدعائية، فمن غير المنطقي لهذا الحزب الاعتماد على هذه المنصات لتسويق نفسه، واستخدامها كمؤشر ومثال على شعبيته المتزايدة من جهة، ومن جهة ثانية إخلاء مسؤوليته من هذه التعليقات واعتبار أنها لا تمثله.

 

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق